الصوفية
الصوفية طريق إلى الله
وداع رمضان للعلامة الدكتور البوطي حفظه الله

وداع رمضان للعلامة الدكتور البوطي حفظه الله


الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربَّنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيِّدنا ونبيِّنا محمداً عبده ورسوله، وصفيّه وخليله، خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيراً ونذيراً. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيِّدنا محمد وعلى آل سيِّدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمَيْن متلازمَيْن إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى:

أما بعد، فيا عباد الله، نقاطان أريد أن أوضحها لكم بمناسبة خواتيم هذا الشهر المبارك الذي أكرمنا الله عز وجل به، والذي هبَّ اليوم لينصرف ولنودعه على أمل رجعة يكرمنا الله عز وجل بها عما قريب. أما النقطة الأولى: فهي أن تعلموا أن الإنسان الذي اصطلح مع الله عز وجل في شهر رمضان المبارك، وذاق لذة الإقبال إليه بعد إدبار هيهات أن يدبر عن الله عز وجل مع إدبار شهر رمضان المبارك، هيهات أن يصطلح العبد مع الله عز وجل في ظل هذا الشهر، ثم يعود فينسى اصطلاحه معه، ويعود إلى شيطانه الذي فارقه وملأ قلبه غيظاً ليعيد الفرحة إليه. الإقبال إلى الله عز وجل في رمضان فاتحة خير مستمر، وليست استراحة على الطريق عمرها شهر لا يزيد، هذه حقيقة ينبغي أن نعلمها، فمن كان صادقاً في إقباله على الله عز وجل واصطلاحه معه خلال هذا الشهر المبارك، فلن يعود إلى ما كان عليه من غي، ولن ينسى لذة إقباله على الله عز وجل، ولن يعود ليعقد عهداً أو عقداً جديداً مع الشيطان الذي كان قد أغواه من قبل، أما أولئك الذين يقبلون على الله خلال شهر رمضان إقبالاً مزاجياً ليروحوا بإقبالهم إليه عن أنفسهم مدة من الزمن، وقد وضعوا نصب أعينهم العودة إلى ما كانوا عليه من قبل، فهؤلاء لم يقبلوا على الله، وهؤلاء لم يصطلحوا مع الله، وهؤلاء لا شأن لرمضان بهم، ولا شأن لهم بشأن رمضان قط. وأظن أن من أقبل إلى الله عز وجل وقد ذاق لذة الانشراح للصدر والأنس بالله عز وجل في هذه الليالي والأيام التي أدبرت لابد أن يكون سبيل الشيطان قد انقطع عنه، ولا بد أن يكون قد عقد صفحة خير مع مولاه وخالقه سبحانه وتعالى، أسأل الله عز وجل أن يثبتنا بقوله الثابت، وأسأله سبحانه ألا يجعل اصطلاحنا معه لعباً وموسماً نقبل إليه عند الانشراح، وندبر عنه عند الملل، هذه هي النقطة الأولى.

أما النقطة الثانية: فهي ما ينبغي أن أذكركم به من أن المسلم ينبغي أن يتوج هذا الشهر المبارك عندما يهب ليمضي ويدبر، ما ينبغي أن نتوجه بالإقبال على الله عز وجل بأداء هذه الشعيرة الصغيرة في حجمها والكبيرة في مدلولها وآثارها، ألا وهي إخراج زكاة الفطر، وإنكم لتعلمون شيئاً يتكرر على أسماعكم كل عام أن هذه الزكاة ذات حجم بسيط جداً جداً، لا يعجز ربّ أسرة مهما كانت حاله عن التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بها، صاع من غالب قوت البلد. والصاع هو ما يساوي اثنين كيلو من غالب قوت البلد، وغالب قوت البلد اليوم هو الحنطة، أو من قيمة ذلك كما ذهب إلى ذلك جمهور من الفقهاء، من الذي يعجز عن أن يخرج قيمة اثنين كيلو من البُر يعطيه للفقراء والمحتاجين؟ هذه الزكاة التي أمرنا الله عز وجل بها عبارة عن شيكة تمتد وتتسع لتشمل الأسرة الإنسانية كلها، والحكمة منها أن تجدد هذه الشعيرة نسيج الود، نسيج العاطفة والمحبة بين أفراد المجتمع الإنساني الإسلامي، بين من قال الله عز وجل عنهم: {إِنَّما الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات: 49/10]. هذه الشعيرة الصغيرة في حجمها كبيرة في آثارها من شأنها أن تطهر صلة ما بين المسلمين من بقايا الشحناء، من بقايا البغضاء، من بقايا الإِحَن والزغل وما إلى ذلك، هذه الشعيرة ينبغي أن تهتموا بها اهتماماً كبيراً، وهي - كما قلت لكم - صغيرة جداً في حجمها، وشرطها شرط بسيط لا يكاد رجل من المسلمين يشرد عن هذا الشرط: أن يكون المال الذي يملكه الإنسان كافياً ليلة العيد ويومه، كافياً له ولمن كلفه الله سبحانه وتعالى الإنفاق عليه، من هذا الذي لا يملك هذا القدر من المال؟ من هذا الذي لا يملك قدراً من المال يغطي حاجته وحاجة أسرته أي الذين كلفه الله بالإنفاق عليهم يوم العيد وليلة العيد؟ إذن فالناس جميعاً تقريباً مكلفون بإخراج هذه الزكاة، بتنفيذ هذه الشعيرة الربانية التي أحب الله سبحانه وتعالى أن نجعل منها بوابة خير للأسرة الإنسانية، وفاتحة حب جديد، وطهوراً للعلاقة السارية بين الإخوة المسلمين المؤمنين.

ولعلكم تذكرون أن هذه الشعيرة أو هذه الفريضة تبدأ مع شهر رمضان المبارك، أي يتأتى للإنسان أن يخرجها خلال هذا الشهر، لكن فرضيتها تستقر عند غروب شمس آخر يوم من أيام شهر رمضان المبارك، فإذا غابت شمس آخر يوم من أيام شهر رمضان المبارك على الإنسان وهو موجود فقد وجبت في حقه زكاة الفطر، عليه وعلى من كلفه الله سبحانه وتعالى بالإنفاق عليه، ومعنى ذلك أن من وُلد بعد غياب هذه الشمس لا يُكَلَّف، أي لا يجب على وليه أن يخرج الزكاة عنه، وأفضل الأوقات لإخراجها صباح يوم العيد قبل أداء صلاة العيد، ولكن لا يجوز أن تؤخر عن يوم العيد، هذه هي النقطة الثانية التي ينبغي أن أذكركم بها، وما أكثر الذين يسألون في كل عام: كم هو مقدار زكاة الفطر في هذا العام؟ زكاة الفطر في كل عام هو هو وقيمتها هي هي: قيمة اثنين كيلو من البُر، فانظر إلى السوق، وانظر كم هي قيمة اثنين كيلو من البُر، ولا داعي إلى أن نسأل أنفسنا أو نسأل الآخرين في كل عام عن قيمة زكاة الفطر، وكأن هذه القيمة تعلو وتنخفض، هي مرتبطة بهذا الذي أقوله لكم: قيمة اثنين كيلو من زكاة الفطر.


وأسأل الله عز وجل أن يثبتنا على قوله الثابت، وأن يكرمنا باستقبال جديد لشهر رمضان مبارك، ونحن أكثر رسوخاً على صراط الله عز وجل، وأكثر سيراً إلى ما يرضي الله سبحانه وتعالى، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
toolbar powered by Conduit