الصوفية
الصوفية طريق إلى الله
تعاريف التصوف

كل باحث في التصوف وقارئ لما كتب فيه بإنصاف وموضوعية يجد أن الصوفية من السلف والمتصوفة من الخَلَف تنقسم أحوالهم وقصصهم إلى قسمين:

ا- الشرعيون: وهم الملتزمون بالشريعة وأحكامها وآدابها في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم وهؤلاء هم المعتبرون في معرفة التصوف وقواعده من خلال مؤلفاتهم وما أُلف في عصرهم، وخير ما يرجع إليه في ذلك: الرسالة القشيرية للإمام القشيري رحمه الله، التعرف لمذهب أهل التصوف لأبي بكر الكلاباذي رحمه الله، قواعد التصوف للشيخ أحمد زروق رحمه الله، وأمثال ذلك.

2- غير الشرعيين: وهم الخارجون عن الشريعة وأحكامها وآدابها – المتحللون من تكاليفها – المستحلون لما حرمه الله تعالى فيها، وهم موجودون في أكثر الطرق الصوفية التي لا يقوم بالإشراف على السالكين فيها أهل العلم الأتقياء، ومنهم من جمع إلى تلك المفاسد عقائد زائغة كاعتقاد الحلول والاتحاد.

ولا كلام لنا مع أتباع هذا القسم، وتسميتهم صوفية أو متصوفة اعتداء وظلم لحقيقة التصوف الذي كان عليه سلف الأمة وكبار علمائها وصالحيها عبر الأزمنة.

وبناء على ذلك لابد من ذكر تعاريف التصوف كما عرّفه به أهله وعلماء هذا الشأن، وقد ذكر الشيخ ابن عجيبة الحسيني رحمه الله تعالى أن التصوف عُرِّف بأكثر من ألفي تعريف مرجعها إلى (صدق التوجه إلى الله تعالى ظاهراً وباطناً) وذكر الشيخ الحافظ أبو نعيم الأصفهاني رحمه الله تعالى كثيراً من التعاريف في كتابه /حلية الأولياء وطبقات الأصفياء/ وإليك أخي القارئ بعضها:

1- فمن ذلك ما ذكره في ترجمة سيدنا الحسن بن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما قال: فله في معاني المتصوفة الكلام المشرق المرتب، والمقام المؤنق المهذب،

2- وقيل: إن التصوف: (تنوير البيان، وتطهير الأركان).

ومعنى ذلك والله أعلم: أن تنوِّر أقوالك بالذكر فلا يصدر عنك قولٌ عن غفلة أو مقترن بها بل تكون الأقوال عن حضور قلب فتخرج ممتزجة بأنوار القلب وتورث سامعيها الحضور، وفي الحكم العطائية: ( كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز).

ثم تمزج تلك الأقوال المنوّرة بتطهير الجوارح عن الآثام بكفها عما حرّم الله تعالى، لأن ما يكتسبه الإنسان بجوارحه يصب في قلبه ويختزن فيه خيراً كان أو شراً، فمثل القلب كالحوض ومثل الأعضاء كالمجاري التي يجتمع ماؤها في الحوض.

وقد وصف الصوفي بأن:(كلامه ذكر وسكوته فكر ونظره اعتبار)

3-وقيل في التصوف بأنه:( ضبط الحواس، ومراعاة الأنفاس، واختيار الجُلاّس).

وقد أورد الحافظ أبو نعيم وبإسناده قال: (سأل علي رضي الله تعالى عنه ابنه الحسن رضي الله تعالى عنه عن أشياء من أمر المروءة فمن ذلك قال: يا بني ما السّداد؟ قال: يا أبت السداد دفع المنكر بالمعروف، قال: فما الشرف؟ قال: اصطناع العشيرة، وحمل الجريرة، قال: فما المروءة؟ قال: العفاف وإصلاح المال, قال: فما السماح؟ قال: البذل في العسر واليسر، قال: فما الشح؟ قال: أن ترى ما في يديك شرفاً وما أنفقته تلفاً، قال: فما الإخاء؟ قال: المواساة في الشدة والرخاء، قال: فما الجبن؟ قال: الجرأة على الصديق والنكول عن العدو، قال: فما الغنيمة؟ قال: الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا، قال: فما الحلم قال: كظم الغيظ وملك النفس، قال: فما الغنى؟ قال: رضا النفس بما قسم الله تعالى لها وإن قل – وإنما الغنىغنىالنفس – قال: فما الفقر؟ قال: شره النفس في كل شيء، قال: فما الجرأة؟ قال: موافقة الأقران، قال: فما الكلفة؟ قال: كلامك فيما لا يعنيك، قال: فما المجد؟ قال: أن تعطي في الغرم وتعفو عن الجرم، قال: فما العقل؟ قال: حفظ القلب كلما استوعيته، قال: فما السناء؟ قال: إتيان الجميل وترك القبيح، قال: فما السفه؟ قال: اتباع الدناة ومصاحبة الغواة، قال: فما الغفلة؟ قال: تركك المجد وطاعتك المفسد، قال: فما السيد؟ قال: الذي يُشتم فلا يجيب)ا.هـ بتصرف.

جاء في كتاب حلية الأولياء للحافظ أبي نعيم رحمه الله تعالى:

في ترجمة سيدتنا وسيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيدة البَتول، البضعة الشبيهة بالرسول صلى الله عليه وسلم، ألْوط أولاده بقلبه لصوقاً، وأولهم بعد وفاته به لحوقاً، كانت عن الدنيا ومتعتها عازفة، وبغوامض عيوب الدنيا وآفاتها عارفة، وقد قيل: إن التصوف الثبات في الوِفاق، والبتات للَّحاق.
أقول: ومعنى ذلك والله تعالى أعلم، أن يثبت المسلم ويستقيم على الموافقات الشرعية وأن يبُتَ ويقطع جميع المخالفات ليُلحق بالصالحين من عباد الله تعالى.
فالوِفاق يعني الموافقة لله تعالى في فعل محابِّه وترك مذموماته، وموافقته تعالى في الرضا عنه فيما يجريه على عبده وخلقه من المقادير سواء ظهرت الحكمة الإلهية منها أو لم تظهر، وسواء كانت موافقة لهوى النفس أو مخالفة.
وقد قالوا: كل أمرٍ يجعلك راضياً عن الله تعالى يسمّى الحقيقة، وكل أمرٍ يجعلك مرضياً عنده يسمى الشريعة، وفي الدعاء: اللهم اجعلني عنك راضياً وعندك مرضياً.
أما البتات فهو من البتّ أي القطع والمراد به قطع المألوفات للنفس من العادات والأعمال، والابتعاد عن المخالفات والنقائص الحسية والمعنوية الظاهرة والباطنة امتثالاً لقوله سبحانه ﴿وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ﴾ الأنعام 120 ، وقد قالوا في تعريف التصوف: اختيار الجُلاّس، وضبط الحواس، ومراعاة الأنفاس، فإذا استقام المسلم على الموافقات وترك المخالفات تأهل للحاق بالصالحين لأنه أحبّهم وتشبّه بهم.
وفي دعاء الرسل عليهم الصلاة والسلام : ﴿ ربِّ توفني مسلماً وألحقني بالصالحين ﴾ .
وفي الحديث الصحيح: «من تشبه بقوم فهو منهم».

قال الإمام الحافظ أبو نعيم رحمه الله تعالى في الحِلية :

السيدة عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنها وعن جميع أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم :

ومنهم الصِّديقة ، العتيقة بنت العتيق ، حبيبة الحبيب ، وأليفة القريب ، سيد المرسلين محمد الخطيب ، المبرَّأة من العيوب ، المعراة من ارتياب القلوب لرؤيتها جبريل عليه الصلاة والسلام رسول علَّام الغيوب عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها .

كانت للدنيا قالية ، وعن سرورها لاهية ، وعلى فقد أليفها باكية .

وروى بإسناده عن عريب بن حميد قال : وقع رجل في عائشة رضي الله عنها فقال عمار بن ياسر رضي الله عنهما : اسكت مقبوحاً منبوحاً ، أتقع في حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنها لزوجته في الجنة .

وقد قيل : إنَّ التصوف معانقة الحنين ، ومفارقة الأنين .

شرح التعريف :

التصوف معانقة الحنين :

أن يلازم الإنسان الصوفي الصادق الحنين إلى لقاء الله تعالى ومشاهدته في كل نفس من أنفاسه وأن يستعدَّ لذلك بالأحوال المرضية ظاهراً وباطناً .

وأن يلازم الحنين للقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام وآلهم وأصحابهم وعموم أولياء الله تعالى وأحبابه كما كان يقول سيدنا بلال رضي الله تعالى عنه وهو على فراش موته : وافرحاه واطرباه اليوم ألقى الأحبة محمَّداً وصحبه .

وأن يلازم الحنين إلى الجنة دار الطيبين وأن يسعى لها سعيها وهو مؤمن ، وألا يبيع آخرته من أجل دنياه ولا من أجل دنيا غيره .

يقول الإمام البوصيري رحمه الله تعالى في بردته :

ومن يبع آجلاً منه بعاجله                يبن له الغَبن في بيع وفي سلم

ويقول الشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى في الجنة وما فيها من النعيم في كتابه / حادي الأرواح / قصيدة طويلة وفيها :

فلله ما في حشـوها من مسـرَّة            وأصـناف لذاتٍ بـها يتـنعم

ولله برد العيـش بيـن خـيامها              وروضاتها والثغر في الروض يبسم

ولله واديها الذي هو موعد المـ             ـزيد لوفد الحب لو كنت منهمُ

بذيالك الوادي يـهـيم صبابة                مـحب يـرى أنَّ الصبابة مغنم

ولله أفـراح الـمحبين عـندما                 يخاطـبهم من فـوقهـم ويسلّم

ولله أبـصار تـرى الله جـهرة               فلا الضيم يغشاها ولا هي تـسأم

فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة          أمِن بـعدها يسـلو المحب المتيم

ولله كم من حـيرة إن تـبسمت               أضاء لها نور من الفــجر أعظم

فيالذة الأبـصار إن هي أقـبلت              ويالذة الأسـماع حـين تـكلم

ويا خجلة الغصن الرطيب إذا انثنت       ويا خجلت الفجرين حين تبسـم

فإن كـنت ذا قـلب عليل بحبها               فلم يـبق إلا وصـلها لك مرهم

ولا سـيما في لثمها عند ضمها              وقد صار منها تحت جيدك معصم

تـراه إذا أبدت له حسن وجهها               يلذ به قـبل الوصـال ويـنـعم

تقسـم منها الحسن في جمع واحد             فيا عجبـاً من واحـد يتقسـم

تذكـر بالرحمـن من هـو ناظر               فينطق بالتسـبيح لا يتـلـعـثم

إذا قابـلت جيش الهموم بوجهها              تولـى على أعقابـه الجيش يُهزم

فيا خاطب الحسناء إن كنت راغباً           فـهذا زمـان الـمهر فهو المقدَّم

وكن مبغضـاً للخائنـات لحبهـا                فتحظـى بهـا من دونهـن وتنعم

وكـن أيِّمـاً مـمّن سواها فإنها                  لمثلـك في جنـات عـدن تأيّـم

وصـم يومك الأدنى لعلك في غد              تفوز بعيـد الفطـر والناس صُوَّم

واقـدم ولا تقنـع بعيش منغَّـصٍ                 فمـا فاز باللَّـذات من ليس يقدم

وإن ضـاقت الدنيا عليك بأسـرها             ولـم يـك فيهـا منـزل لك يعلم

فحيَّ على جنَّـات عَـدْن فإنـهـا                  مـنـازلـنـا الأولـى وفيها المخيَّم

وحيَّ على السوق الذي فيه يلتقي المـ         حبون ذاك السـوق للقـوم يعلـم

فما شئـت خـذ منـه بلا ثـمن له                 فقد أسـلف التـجـار فيه وأسلموا

وحيَّ علـى يـوم الـمزيد الذي به                زيارة ربِّ العرش فالـيـوم مـوسم

وحـيَّ علـى وادٍ هـنـاك أفـيـح و                تـربتـه من إذفـر المسـك أعظم

إلى أن قال :

فيـا بائعـاً هذا بجنـسٍ معجَّـل                   كأنـك لا تـدري ، بلى سوف تعلم

فإن كنـت لا تدري فتلك مصيبة               وإن كنـت تـدري فالمصيبة أعظـم

ويقول الشيخ ابن المقرّي رحمه الله تعالى من قصيدة طويلة ذكرها الشيخ الشرنوبي رحمه الله تعالى في شرح تائية السلوك ومنها :

أفانٍ ببـاقٍ تشتريـه سفاهـة                     وسُخطاً برضوان وناراً بجنـةِ

أترضى من العيش الكريم تعيشه              مع الملأ الأعلى بعيش البهيمة

تقول مع العصيـان ربيَ غافـر                 فلم لم تسـوِّ فيها بالقضيـة

وأما قوله في التعريف : _ ومفارقة الأنين _ فمعناه والله أعلم أن يفارق الإنسان العلل والأمراض القلبية التي يكون منها الأنين والشكوى ، ويكون ذلك بمفارقة الدنيا وأهلها ، وأن يفارق كذلك أنينه وحسرته على ما فاته منها وذلك بالرضا عن الله تعالى فيما قسمه له ، وعدم التطلع إلى ما في يد غيره .

وأن يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وأنَّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه ، والله أعلم .

والحمد لله ربِّ العالمين

 

http://www.abdalhadialkharsa.com/index.php?act=viewArt&id=25



أضف تعليقا

اضيف في 12 شوال, 1428 02:06 م , من قبل alimaklad
من إيطاليا said:

بسم الله الرحمن الرحيم

مدونة رائعة وتوضح الكثير سيدي وتبين منهج الصوفية الحق الذي قام البعض بتشوية صورتة اما متعمدا واما جهلا لاتباعة اقوال من ليس اهل للافتاء.
بارك الله فيك وجزاك الله خيرا علي ما تخطة يداك وجمعنا واياك واهل وجميع المسلمين في جنات النعيم.
وتعريفات للصوفية افاداتني كثير وندعوا الله ان ينتفع بالمواد جميع المسلمين
مع اطيب تحياتي
اخيك علي مقلد خادم اهل اهل السنة والجماعة والسادة الصوفية
http://alimaklad.jeeran.com/



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية