لتحميل الكتاب كاملا ....
الصبر
قال الله عز وجلَّ: "واصبر وما صبرك إلا بالله".
وأخبرنا علي بن أحمد الأهوازي، قال: أخبرنا أحمدبن عبيد البصري، قال: حدثنا أحمد بن علي الخراز
قال: حدثنا أسيد بن زيد قال: حدثنا مسعود بن سعد، عن الزيات، عن أبي هريرة، عن عائشة، رضي الله
عنها، رفعته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الصبر عند الصدمة الأولى".
وأخبرنا علي بن أحمد قال: أخبرنا بن عبيد قال: حدثنا أحمد بن عمر، قال: حدثنا محمد بن مرداس قال:
حدثنا يوسف بن عطية، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "الصبر عند الصدمة الأولى".
ثم الصبر على أقسام: صبر على ما هو كسب للعبد، وصبر على ما ليس بكسب له.
فالصبر على المكتسب، على قسمين: صبر على ما أمر الله تعالى به، وصبر على من ?ى عنه.
وأما الصبر على ما ليس بمكتسب للعبد: فصبره على مقاساة ما يتصل به من حكم الله فيما يناله فيه مشقة.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت السحين بن يحيى يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول:
سمعت الجنيد يقول: المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن، وهجران الخلق في جنب الله تعالى
شديد، والمسير من النفس إلى الله تعالى صعب شديد، والصبر مع الله أشد.
وسئل الجنيد عن الصبر، فقال: هو تجرع المرارة من غير تعبيس.
وقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: الصبر من الإيمان بترلة الرأس في الجسد.
وقال أبو القاسم الحكيم: قوله تعالى: "واصبر" أمر بالعبادة، وقوله: "وما صبرك إلا بالله" عبودية، فمن
ترقى? من درجة لك إلى درجة بك؛ فقد انتقل من درجة العبادة إلى درجة العبودية.
الرسالة القشيرية-القشيري 166
قال صلى الله عليه وسلم: "بك أحيا وبك أموت".
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، يقول: سمت أبا جعفر الرازي يقول: سمعت عياشاً يقول: سمعت
أحمد يقول: سألت أبا سليمان عن الصبر، فقال: والله ما نصبر على ما نحب، فكيف على ما نكره؟ وقال
ذو النون: الصبر: التباعد عن المخالفات، والسكو ُ ن عند تجرع قصص البلية، وإظهار الغنى مع حلول الفقر
بساحات المعيشة.
وقال ابن عطاء: الصبر: الوقوف مع البلاء بحسن الأدب.
وقيل: هو الفناء في البلوى بلا ظهور شكوى.
وقال أبو عثمان: الصبار: الذي عو?د نفسه الهجوم على المكاره.
وقيل: الصبر: المقام مع البلاء بحسن الصحية، كالمقام مع العافية.
وقال أبو عثمان: أحسن الجزاء على عبادة: الجزاء على الصبر، ولا جزاء فوقه، قال الله عز? وجلَّ:
"ولنجزين الذين صبرواأجرهم بأحسن ما كانون يعملون".
وقال عمرو بن عثمان: الصبر. هو الثبات مع الله سبحانه وتعالى، وتلقي بلائه بالرحب والدعة.
وقال الخو?اص: هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة.
وقال يحيى بن معاذ: صبر المحبين أشد? من صبر الزاهدين، واعجباً، كيف يصبرون؟ وأنشدوا:
الصبر يحمد في المواطن كلها إلا عليك فإنه لايحمد
وقال رويم: الصبر: ترك الشكوى.
وقال ذون النون: الصبر: هو الاستعانة بالله تعالى.
سمعت الأستاذ أبا علي? الدقاق، رحمه الله، يقول: الصبر كأسمه.
وأنشدني الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أنشدني أبو بكر الرازي قال: أنشدني ابن عطاء لنفسه:
سأصبر، كي ترضى، وأتلف حسرة وحسبي أن ترضى ويتلفني صبري
وقال أبو عبد الله بن خفيف: الصبر على ثلاثة أقسام، متصبر، وصابر،وصبار.
وقال علي? بن أبي طالب، رضي الله عنه: الصبر مطية لا تكبو.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت علي بن عبد الله البصري يقول: وقف رجل على الشبلي فقال: أي
صبر أشد على الصابرين فقال: الصبر في الله عز وجلَّ، فقال: لا، فقال: الصبر لله، قال: لا. قال: الصبر
مع الله، قال: لا. قال: فاي شيء قال: الصبر عن الله.
قال: فصرخ الشبلي صرخة طادت روحه أن تتلف.
وسمعته يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان، يقول: سمعت أبا محمد الجريري يقول: الصبر: أن
لايفرق بين حال النعمة والمحنة، مع سكون الخاطر فيهما. والتصبر: هو السكون، مع البلاء مع وجدان
أثقال المحنة.
وأنشد بعضهم:
صبرت ولم أطلع هواك على صبري وأخفيت ما بي منك عن موضع الصبر
مخافة أن يشكو ضميري صبابتي إلى دمعتي س ? راً فتجري ولا أدري
سمت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: فاز الصابرون بعز? الدارين؛ لأ?م نالوا من الله تعالى معيته:
قال الله تعالى: "إن الله مع الصابرين".
وقيل في معنى قوله تعالى: "اصبروا وصابروا ورابطوا" الصبر: دون المصابرة، والمصابرة: دون المرابطة.
وقيل: اصبروا بنفوسكم على طاعة الله تعالى، وصابروا بقلوبكم على البلوى في الله، ورابطوا بأسراركم
على الشوق إلى الله.
وقيل: أصبروا في الله، وصابروا بالله، ورابطوا مع الله.
وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: تخلق بأخلاقي، وإنَّ من أخلاقي أنني أنا الصبور.
قويل: يجر?ع الصبر، فإن قتلك قتلك شهيداً، وإن أحياك أحياك عزيزاً.
وقيل: الصبر لله: عناء، والصبر بالله: بقاء، والصبر في الله: بلاء. والصبر مع الله وفاء، والصبر عن الله: جفاء.
وأنشدوا: والصبر عنك فمذموم عواقبه والصبر في سائر الأشياء محمود
وأنشدوا: وكيف الصبر عمن حل منى بمنزلة اليمين من الشمال
إذا لعب الرجال بكلِّ شيء رأيت الحب يلعب بالرجال
وقيل: الصبر على الطلب عنوان الظفر، والصبر في المحن علامة الفرج.
سمعت منصور بن خلف المغربي، رحمه الله، يقول: ? جر?د واحد للسياط، فلما رد? إلى السجن دعا ببعض
أصحابه فتفل على يده، وألقى من فمه دقاق الفضة على يده فسئل، فقال: كان في فمي درهمان، وكان
على حاشية الحلقة لي عين، فلم أرد أن أصيح لرؤيته إياي.. فكنت أعض على الدرهمين.. فتكسروا في فمي.
وقيل: حالك التي أنت فيها رباطك، وما دون الله تعالى أعداؤك، فأحسن المرابطة في رباط حالك.
وقيل: المصابرة: هي الصبر على الصبر، حتى يستغرق الصبر في الصبر فيعجز الصبر عن الصبر، كما قيل:
صابر الصبر فاستغاث به فصاح المحب بالصبر صبراً وقيل: حبس الشبلي وقتاً في المارستان، فدخل عليه
جماعة؛ فقال: من أنتم؟ فقالوا: أحباؤك جاءوك زائرين.
فأخذ يرميهم بالحجر، وأخذوا يهربون.
فقال: يا كذابون، لو كنتم أحبائي لصبرتم على بلائي.
وفي بعض الأخبار. بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي.
وقال الله تعلى:"واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا".
وقال بعضهم: كنت بمكة.. فرأيت فقيراً طاف بالبيت، وأخرج من جيبه رقعة، ونظر فيها، ومر، فلما
كان بالغد، فعل مثل ذلك، فترقبته أياماً وهو يفعل مثل ذلك، فيوماً من الأيام طاف ونظر في الرقعة،
وتباعد قليلا، وسقط ميتاً، فأخرجت الرقعة من جيبه، فإذا فيها: "واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا".
وقيل: رؤي حدث يضرب وجه شيخ بنعله، فقيل له: ألا تستحي!؟ تضرب حر وجه شيخ بمثل هذا؟:
فقيل: جرمه عظيم. فقيل: وما ذاك؟ فقال: هذا الشيخ يد?عي أنه يهواني، ومنذ ثلاث ما رآني.
وقال بعضهم: دخلت بلاد الهند، فرأيت رجلا بفرد عينيسمى فلانا الصبور فسألت عن حاله، فقيل: هذا
في عنفوان شبابه سافر صديق له، فخرج في وداعه، فدمعت إحدى عينيه ولم تبك الأخرى، فقال لعينه
التي لم تدمع: لِم? لم تدمعي على فراق صاحبي؟ لأحرمنك النظر إلى الدنيا وغمض عينه، فمنذ ستين سنة لم
يفتح عينه.
وقيل في قوله تعلى:"فاصبر صبراً جميلا": الصبر الجميل: أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدري من هو.
وقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لو كان الصبر والشكر بعيرين، لم أبال أيهما ركبت.
وكان ابن شبرمة، رحمه الله، إذا نزل به بلاء قال:سحابة ثم تنقشع.
وفي الخبر، أن النبي صلى الله عليه وسلم، سئل عن الإيمان، فقال:"الصبر والسماحة".
أبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن طاهر الصوفي قال: حدثنا
محمد بن التيجاني قال: حدثنا محمد أبن إسماعيل البخاري قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حد?ثنا
سويد بن حاتم قال:حدثنا عبد الله بن عبيد، عن عمير، عن أبيه، عن جده، قال: سئل رسول الله صلى اللهs
عليه وسلم عن الإيمان، فقال:"الصبر والسماحة".
وسئل السري عن الصبر، فجعل يتكلم فيه، فدب على رجله عقرب، وهي تضربه بابر?ا ضربات كثيرة،
وهو ساكن: فقيل له: لِم لم تنحها؟.
فقال: استحييت من الله تعالى أن أتكلم في الصبر، ولم أصبر.
وفي بعض الأخبار: الفقراء الصبر هم جلساء الله تعالى يوم القيامة.
وأوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه: أنزلت بعبي بلائي، فدعاني، فماطلته بالإجابة، فشكاني، فقلت: يا
عبدي، كيف أرحمك من شيء به أرحمك.
وقال ابن عيينة في معنى قوله تعالى:"وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا"،قال: لما أخذوا برأس الأمر
جعلناهم رؤساء.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: أن الصبر حده أن لا تعترض على التقدير؛ فأما إظهار البلاء على
غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر، قال الله تعالى في قصة أيوب:"إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب"
مع ما أخبر عنه تعالى أنه قال"مسنى الضر".
وسمعته يقول: استخرج الله منه هذه المقالة: يعني قوله:"مسني الضر"؛ لتكون متنفسا لضعفاء هذه الأمة.
وقال بعضهم: إنا وجدناه صابراً، ولم يقل صبوراً لأنه لم يكن جميع أحواله الصبر، بل كان في بعض
أحواله يستلذ البلاء، ويستعذبه، فلم يكفني حال الاستلذاذ صابراً؛ فلذلك لم يقل: صبوراً.
سمعت الأستاذ أبا علي، رحمه الله، يقول: حقيقة الصبر: الخروج من البلاء على حسب الدخول فيه، مثل
أيوب عليه السلام فإنه قال في آخر بلائه: "مسني الضر وأنت أرحم الراحمين" فحفظ أدب الخطاب حيث
عرض يقول: "وأنت أرحم الراحمين" ولم يصرح بقوله ارحمني.
واعلم أن الصبر على ضربين: صبر العابدين، وصبر المحبين.
فصبر العابدين، أحسنه: أن يكون محفوظاً، وصبر المحبين أحسنه: أن يكون مرفوضاً. وفي معناه أنشدوا:
تبين يوم البين أن اعتزامه على الصبر من إحدى الظنون الكواذب
وفي هذا المعنى سمعت الأستاذ أبا علي، رحمه الله، يقول: أصبح يعقوب، عليه السلام، وقد وعد الصبر من
نفسه فقال: "فصبر جميل أي: فشأني صبر جميل، ثم لم يمس حتى قال: يا أسفاً على يوسف".
قال الله عز وجلَّ: "واصبر وما صبرك إلا بالله".
وأخبرنا علي بن أحمد الأهوازي، قال: أخبرنا أحمدبن عبيد البصري، قال: حدثنا أحمد بن علي الخراز
قال: حدثنا أسيد بن زيد قال: حدثنا مسعود بن سعد، عن الزيات، عن أبي هريرة، عن عائشة، رضي الله
عنها، رفعته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الصبر عند الصدمة الأولى".
وأخبرنا علي بن أحمد قال: أخبرنا بن عبيد قال: حدثنا أحمد بن عمر، قال: حدثنا محمد بن مرداس قال:
حدثنا يوسف بن عطية، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "الصبر عند الصدمة الأولى".
ثم الصبر على أقسام: صبر على ما هو كسب للعبد، وصبر على ما ليس بكسب له.
فالصبر على المكتسب، على قسمين: صبر على ما أمر الله تعالى به، وصبر على من ?ى عنه.
وأما الصبر على ما ليس بمكتسب للعبد: فصبره على مقاساة ما يتصل به من حكم الله فيما يناله فيه مشقة.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت السحين بن يحيى يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول:
سمعت الجنيد يقول: المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن، وهجران الخلق في جنب الله تعالى
شديد، والمسير من النفس إلى الله تعالى صعب شديد، والصبر مع الله أشد.
وسئل الجنيد عن الصبر، فقال: هو تجرع المرارة من غير تعبيس.
وقال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: الصبر من الإيمان بترلة الرأس في الجسد.
وقال أبو القاسم الحكيم: قوله تعالى: "واصبر" أمر بالعبادة، وقوله: "وما صبرك إلا بالله" عبودية، فمن
ترقى? من درجة لك إلى درجة بك؛ فقد انتقل من درجة العبادة إلى درجة العبودية.
الرسالة القشيرية-القشيري 166
قال صلى الله عليه وسلم: "بك أحيا وبك أموت".
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، يقول: سمت أبا جعفر الرازي يقول: سمعت عياشاً يقول: سمعت
أحمد يقول: سألت أبا سليمان عن الصبر، فقال: والله ما نصبر على ما نحب، فكيف على ما نكره؟ وقال
ذو النون: الصبر: التباعد عن المخالفات، والسكو ُ ن عند تجرع قصص البلية، وإظهار الغنى مع حلول الفقر
بساحات المعيشة.
وقال ابن عطاء: الصبر: الوقوف مع البلاء بحسن الأدب.
وقيل: هو الفناء في البلوى بلا ظهور شكوى.
وقال أبو عثمان: الصبار: الذي عو?د نفسه الهجوم على المكاره.
وقيل: الصبر: المقام مع البلاء بحسن الصحية، كالمقام مع العافية.
وقال أبو عثمان: أحسن الجزاء على عبادة: الجزاء على الصبر، ولا جزاء فوقه، قال الله عز? وجلَّ:
"ولنجزين الذين صبرواأجرهم بأحسن ما كانون يعملون".
وقال عمرو بن عثمان: الصبر. هو الثبات مع الله سبحانه وتعالى، وتلقي بلائه بالرحب والدعة.
وقال الخو?اص: هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة.
وقال يحيى بن معاذ: صبر المحبين أشد? من صبر الزاهدين، واعجباً، كيف يصبرون؟ وأنشدوا:
الصبر يحمد في المواطن كلها إلا عليك فإنه لايحمد
وقال رويم: الصبر: ترك الشكوى.
وقال ذون النون: الصبر: هو الاستعانة بالله تعالى.
سمعت الأستاذ أبا علي? الدقاق، رحمه الله، يقول: الصبر كأسمه.
وأنشدني الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أنشدني أبو بكر الرازي قال: أنشدني ابن عطاء لنفسه:
سأصبر، كي ترضى، وأتلف حسرة وحسبي أن ترضى ويتلفني صبري
وقال أبو عبد الله بن خفيف: الصبر على ثلاثة أقسام، متصبر، وصابر،وصبار.
وقال علي? بن أبي طالب، رضي الله عنه: الصبر مطية لا تكبو.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت علي بن عبد الله البصري يقول: وقف رجل على الشبلي فقال: أي
صبر أشد على الصابرين فقال: الصبر في الله عز وجلَّ، فقال: لا، فقال: الصبر لله، قال: لا. قال: الصبر
مع الله، قال: لا. قال: فاي شيء قال: الصبر عن الله.
قال: فصرخ الشبلي صرخة طادت روحه أن تتلف.
وسمعته يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان، يقول: سمعت أبا محمد الجريري يقول: الصبر: أن
لايفرق بين حال النعمة والمحنة، مع سكون الخاطر فيهما. والتصبر: هو السكون، مع البلاء مع وجدان
أثقال المحنة.
وأنشد بعضهم:
صبرت ولم أطلع هواك على صبري وأخفيت ما بي منك عن موضع الصبر
مخافة أن يشكو ضميري صبابتي إلى دمعتي س ? راً فتجري ولا أدري
سمت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: فاز الصابرون بعز? الدارين؛ لأ?م نالوا من الله تعالى معيته:
قال الله تعالى: "إن الله مع الصابرين".
وقيل في معنى قوله تعالى: "اصبروا وصابروا ورابطوا" الصبر: دون المصابرة، والمصابرة: دون المرابطة.
وقيل: اصبروا بنفوسكم على طاعة الله تعالى، وصابروا بقلوبكم على البلوى في الله، ورابطوا بأسراركم
على الشوق إلى الله.
وقيل: أصبروا في الله، وصابروا بالله، ورابطوا مع الله.
وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: تخلق بأخلاقي، وإنَّ من أخلاقي أنني أنا الصبور.
قويل: يجر?ع الصبر، فإن قتلك قتلك شهيداً، وإن أحياك أحياك عزيزاً.
وقيل: الصبر لله: عناء، والصبر بالله: بقاء، والصبر في الله: بلاء. والصبر مع الله وفاء، والصبر عن الله: جفاء.
وأنشدوا: والصبر عنك فمذموم عواقبه والصبر في سائر الأشياء محمود
وأنشدوا: وكيف الصبر عمن حل منى بمنزلة اليمين من الشمال
إذا لعب الرجال بكلِّ شيء رأيت الحب يلعب بالرجال
وقيل: الصبر على الطلب عنوان الظفر، والصبر في المحن علامة الفرج.
سمعت منصور بن خلف المغربي، رحمه الله، يقول: ? جر?د واحد للسياط، فلما رد? إلى السجن دعا ببعض
أصحابه فتفل على يده، وألقى من فمه دقاق الفضة على يده فسئل، فقال: كان في فمي درهمان، وكان
على حاشية الحلقة لي عين، فلم أرد أن أصيح لرؤيته إياي.. فكنت أعض على الدرهمين.. فتكسروا في فمي.
وقيل: حالك التي أنت فيها رباطك، وما دون الله تعالى أعداؤك، فأحسن المرابطة في رباط حالك.
وقيل: المصابرة: هي الصبر على الصبر، حتى يستغرق الصبر في الصبر فيعجز الصبر عن الصبر، كما قيل:
صابر الصبر فاستغاث به فصاح المحب بالصبر صبراً وقيل: حبس الشبلي وقتاً في المارستان، فدخل عليه
جماعة؛ فقال: من أنتم؟ فقالوا: أحباؤك جاءوك زائرين.
فأخذ يرميهم بالحجر، وأخذوا يهربون.
فقال: يا كذابون، لو كنتم أحبائي لصبرتم على بلائي.
وفي بعض الأخبار. بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي.
وقال الله تعلى:"واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا".
وقال بعضهم: كنت بمكة.. فرأيت فقيراً طاف بالبيت، وأخرج من جيبه رقعة، ونظر فيها، ومر، فلما
كان بالغد، فعل مثل ذلك، فترقبته أياماً وهو يفعل مثل ذلك، فيوماً من الأيام طاف ونظر في الرقعة،
وتباعد قليلا، وسقط ميتاً، فأخرجت الرقعة من جيبه، فإذا فيها: "واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا".
وقيل: رؤي حدث يضرب وجه شيخ بنعله، فقيل له: ألا تستحي!؟ تضرب حر وجه شيخ بمثل هذا؟:
فقيل: جرمه عظيم. فقيل: وما ذاك؟ فقال: هذا الشيخ يد?عي أنه يهواني، ومنذ ثلاث ما رآني.
وقال بعضهم: دخلت بلاد الهند، فرأيت رجلا بفرد عينيسمى فلانا الصبور فسألت عن حاله، فقيل: هذا
في عنفوان شبابه سافر صديق له، فخرج في وداعه، فدمعت إحدى عينيه ولم تبك الأخرى، فقال لعينه
التي لم تدمع: لِم? لم تدمعي على فراق صاحبي؟ لأحرمنك النظر إلى الدنيا وغمض عينه، فمنذ ستين سنة لم
يفتح عينه.
وقيل في قوله تعلى:"فاصبر صبراً جميلا": الصبر الجميل: أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدري من هو.
وقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لو كان الصبر والشكر بعيرين، لم أبال أيهما ركبت.
وكان ابن شبرمة، رحمه الله، إذا نزل به بلاء قال:سحابة ثم تنقشع.
وفي الخبر، أن النبي صلى الله عليه وسلم، سئل عن الإيمان، فقال:"الصبر والسماحة".
أبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن طاهر الصوفي قال: حدثنا
محمد بن التيجاني قال: حدثنا محمد أبن إسماعيل البخاري قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حد?ثنا
سويد بن حاتم قال:حدثنا عبد الله بن عبيد، عن عمير، عن أبيه، عن جده، قال: سئل رسول الله صلى اللهs
عليه وسلم عن الإيمان، فقال:"الصبر والسماحة".
وسئل السري عن الصبر، فجعل يتكلم فيه، فدب على رجله عقرب، وهي تضربه بابر?ا ضربات كثيرة،
وهو ساكن: فقيل له: لِم لم تنحها؟.
فقال: استحييت من الله تعالى أن أتكلم في الصبر، ولم أصبر.
وفي بعض الأخبار: الفقراء الصبر هم جلساء الله تعالى يوم القيامة.
وأوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه: أنزلت بعبي بلائي، فدعاني، فماطلته بالإجابة، فشكاني، فقلت: يا
عبدي، كيف أرحمك من شيء به أرحمك.
وقال ابن عيينة في معنى قوله تعالى:"وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا"،قال: لما أخذوا برأس الأمر
جعلناهم رؤساء.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: أن الصبر حده أن لا تعترض على التقدير؛ فأما إظهار البلاء على
غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر، قال الله تعالى في قصة أيوب:"إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب"
مع ما أخبر عنه تعالى أنه قال"مسنى الضر".
وسمعته يقول: استخرج الله منه هذه المقالة: يعني قوله:"مسني الضر"؛ لتكون متنفسا لضعفاء هذه الأمة.
وقال بعضهم: إنا وجدناه صابراً، ولم يقل صبوراً لأنه لم يكن جميع أحواله الصبر، بل كان في بعض
أحواله يستلذ البلاء، ويستعذبه، فلم يكفني حال الاستلذاذ صابراً؛ فلذلك لم يقل: صبوراً.
سمعت الأستاذ أبا علي، رحمه الله، يقول: حقيقة الصبر: الخروج من البلاء على حسب الدخول فيه، مثل
أيوب عليه السلام فإنه قال في آخر بلائه: "مسني الضر وأنت أرحم الراحمين" فحفظ أدب الخطاب حيث
عرض يقول: "وأنت أرحم الراحمين" ولم يصرح بقوله ارحمني.
واعلم أن الصبر على ضربين: صبر العابدين، وصبر المحبين.
فصبر العابدين، أحسنه: أن يكون محفوظاً، وصبر المحبين أحسنه: أن يكون مرفوضاً. وفي معناه أنشدوا:
تبين يوم البين أن اعتزامه على الصبر من إحدى الظنون الكواذب
وفي هذا المعنى سمعت الأستاذ أبا علي، رحمه الله، يقول: أصبح يعقوب، عليه السلام، وقد وعد الصبر من
نفسه فقال: "فصبر جميل أي: فشأني صبر جميل، ثم لم يمس حتى قال: يا أسفاً على يوسف".
باب الإخلاص
قال الله تعالى: "ألا لله الدين الخالص".
أخبرنا: علي بن أحمد الأهوازي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصري، قال: حدثنا جعفر بن محمد الغرياني
قال: حدثنا أبو طلوت قال: حدثني هانيء بن عبد الرحمن بن أبي عقبة، عن إبراهيم بن أبي عبلة العقيلي
قال: حدثني عطية ابن وشاح، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله علي
وسلم: "ثلاث لا يغلّ عليهن? قلب مسلم: إخلاص العمل لله؛ ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة
المسلمين".
وقال الأستاذ: الإخلاص، إفراد الحق، سبحانه، في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله
سبحانه دون أي شيء آخر؛ من تصن?ع لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو
معنى من المعاني سوى التقر?ب به إلى الله تعالى.
ويصح? أن يقال: الإخلاص: تصفية الفعل من ملاحظة المخلوقين.
ويصح? أن يقال الإخلاص: التوقي? عن ملاحظة الأشخاص.
وقد ورد خبر مسند: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر جبريل، عليه السلام، عن الله سبحانه وتعالى،
أنه قال: الإخلاص سر من سري، استودعته قلب من أحببته من عبادي".
سمعت: الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: وقد سألته عن الإخلاص: ما هو؟ فقال: سمعت:
علي بن سعيد، وأحمد بن محمد بن زكريا، وقد سألتهما عن الإخلاص، فقالا: سمعنا علّي بن إبراهيم
الشقيقي، وقد سألناه عن الإخلاص، فقال: سمعت: محمد بن جعفر الخص?اف، وقد سألته عن الإخلاص،
فقال: سألت أحمد بن بشار عن الإخلاص: ما هو؟ قال: سألت أبا يعقوب الشريطي? عن الإخلاص: ما
هو؟ قال: سألت أحمد بن غس?ان عن الإخلاص: ما هو؟ قال: سألت عبد الواحد بن زيد عن الإخلاص:
ما هو؟ قال: سألت الحسن عن الإخلاص: ما هو؟ قال: سألت حذيفة عن الإخلاص: ما هو؟ قال:
باب الإخلاص
قال الله تعالى: "ألا لله الدين الخالص".
أخبرنا: علي بن أحمد الأهوازي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصري، قال: حدثنا جعفر بن محمد الغرياني
قال: حدثنا أبو طلوت قال: حدثني هانيء بن عبد الرحمن بن أبي عقبة، عن إبراهيم بن أبي عبلة العقيلي
قال: حدثني عطية ابن وشاح، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله علي
وسلم: "ثلاث لا يغلّ عليهن? قلب مسلم: إخلاص العمل لله؛ ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة
المسلمين".
وقال الأستاذ: الإخلاص، إفراد الحق، سبحانه، في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله
سبحانه دون أي شيء آخر؛ من تصن?ع لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو
معنى من المعاني سوى التقر?ب به إلى الله تعالى.
ويصح? أن يقال: الإخلاص: تصفية الفعل من ملاحظة المخلوقين.
ويصح? أن يقال الإخلاص: التوقي? عن ملاحظة الأشخاص.
وقد ورد خبر مسند: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر جبريل، عليه السلام، عن الله سبحانه وتعالى،
أنه قال: الإخلاص سر من سري، استودعته قلب من أحببته من عبادي".
سمعت: الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: وقد سألته عن الإخلاص: ما هو؟ فقال: سمعت:
علي بن سعيد، وأحمد بن محمد بن زكريا، وقد سألتهما عن الإخلاص، فقالا: سمعنا علّي بن إبراهيم
الشقيقي، وقد سألناه عن الإخلاص، فقال: سمعت: محمد بن جعفر الخص?اف، وقد سألته عن الإخلاص،
فقال: سألت أحمد بن بشار عن الإخلاص: ما هو؟ قال: سألت أبا يعقوب الشريطي? عن الإخلاص: ما
هو؟ قال: سألت أحمد بن غس?ان عن الإخلاص: ما هو؟ قال: سألت عبد الواحد بن زيد عن الإخلاص:
ما هو؟ قال: سألت الحسن عن الإخلاص: ما هو؟ قال: سألت حذيفة عن الإخلاص: ما هو؟ قال:
وسمعته يقول: سمعت علي? بن بندار الصوفي يقول: سمعت عبد الله بن محمود يقول: سمعت محمد بن عبد
ربه يقول: سمعت الفضيل يقول ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك،
والإخلاص: أن يعافيك الله منهما.
وقال الجنيد: الإخلاص سر? بين الله تعالى وبين العبد، لايعلمه م?ل ? ك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى
فيميله.
وقال رويم: الإخلاص من العمل هو: الذي لايريد صاحبه عليهِ عوضاً من الدارين، ولا حظً من الملكين.
وقيل لسهل بن عبد الله: أي? شيء أشد? على النفس؟ فقال: الإخلاص: لأنه ليس لها فيها نصيب.
وسئل بعضهم عن الإخلاص: فقال: أن لا تشهد على عملك غير الله عز وجل.
وقال بعضهم: دخلت علي سهل بن عبد الله يوم جمعة قبل الصلاة بيتاً.. فرأيت في البيت حي?ة. فجعلت
أقدم رجلاً وأؤخر أخرى، فقال: ادخل، لا يبلغ أح ? د حقيقة الإيمان وعلى وجه الأرض شيء يخافه. ثم
قال: هل لك في صلاة الجمعة؟ فقلت: بيننا وبين المسجد مسيرة يوم وليلة.. فأخذ بيدي، فما كان إلا
قليل حتى رأيت المسجد، فدخلناه؛ وصلينا الجمعة. ثم خرجنا؛ فوقف ينظر إلى الناس وهم يخرجون،
فقال: أهل لا إله? إلا الله كثير، والمخلصون منهم قليل.
أخبرنا: حمزة بن يوسف الجرجاني قال: حدثنا محمد بن محمد بن عبد الرحيم قال: حدثنا أبو طالب محمد
بن زكريا المقدسي قال: حدثنا أبو قرصافة محمد بن عبد الوهاب العسقلاني قال: حدثنا زكريا بن نافع
قال: حدثنا محمد بن يزيد القراطيسي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن مكحل قال: ما أخلص عب ? د قط
أربعين يوماً، إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت
عبد الرزاق يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: أعز? شيء في الدنيا الإخلا ? ص، وكن أجتهد في إسقاط
الرياء عن قلبي، فكأنه ينبث فيه على لون آخر.
وسمعته يقول: سمعت النصراباذي يقول: سمعت أبا الجهم يقول: سمعت ابن أبي الحواري يقول: سمعت أبا
سليمان يقول: إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء.
قال الله تعالى: "ألا لله الدين الخالص".
أخبرنا: علي بن أحمد الأهوازي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصري، قال: حدثنا جعفر بن محمد الغرياني
قال: حدثنا أبو طلوت قال: حدثني هانيء بن عبد الرحمن بن أبي عقبة، عن إبراهيم بن أبي عبلة العقيلي
قال: حدثني عطية ابن وشاح، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله علي
وسلم: "ثلاث لا يغلّ عليهن? قلب مسلم: إخلاص العمل لله؛ ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة
المسلمين".
وقال الأستاذ: الإخلاص، إفراد الحق، سبحانه، في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله
سبحانه دون أي شيء آخر؛ من تصن?ع لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو
معنى من المعاني سوى التقر?ب به إلى الله تعالى.
ويصح? أن يقال: الإخلاص: تصفية الفعل من ملاحظة المخلوقين.
ويصح? أن يقال الإخلاص: التوقي? عن ملاحظة الأشخاص.
وقد ورد خبر مسند: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر جبريل، عليه السلام، عن الله سبحانه وتعالى،
أنه قال: الإخلاص سر من سري، استودعته قلب من أحببته من عبادي".
سمعت: الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: وقد سألته عن الإخلاص: ما هو؟ فقال: سمعت:
علي بن سعيد، وأحمد بن محمد بن زكريا، وقد سألتهما عن الإخلاص، فقالا: سمعنا علّي بن إبراهيم
الشقيقي، وقد سألناه عن الإخلاص، فقال: سمعت: محمد بن جعفر الخص?اف، وقد سألته عن الإخلاص،
فقال: سألت أحمد بن بشار عن الإخلاص: ما هو؟ قال: سألت أبا يعقوب الشريطي? عن الإخلاص: ما
هو؟ قال: سألت أحمد بن غس?ان عن الإخلاص: ما هو؟ قال: سألت عبد الواحد بن زيد عن الإخلاص:
ما هو؟ قال: سألت الحسن عن الإخلاص: ما هو؟ قال: سألت حذيفة عن الإخلاص: ما هو؟ قال:
باب الإخلاص
قال الله تعالى: "ألا لله الدين الخالص".
أخبرنا: علي بن أحمد الأهوازي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصري، قال: حدثنا جعفر بن محمد الغرياني
قال: حدثنا أبو طلوت قال: حدثني هانيء بن عبد الرحمن بن أبي عقبة، عن إبراهيم بن أبي عبلة العقيلي
قال: حدثني عطية ابن وشاح، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله علي
وسلم: "ثلاث لا يغلّ عليهن? قلب مسلم: إخلاص العمل لله؛ ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة
المسلمين".
وقال الأستاذ: الإخلاص، إفراد الحق، سبحانه، في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله
سبحانه دون أي شيء آخر؛ من تصن?ع لمخلوق أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو
معنى من المعاني سوى التقر?ب به إلى الله تعالى.
ويصح? أن يقال: الإخلاص: تصفية الفعل من ملاحظة المخلوقين.
ويصح? أن يقال الإخلاص: التوقي? عن ملاحظة الأشخاص.
وقد ورد خبر مسند: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر جبريل، عليه السلام، عن الله سبحانه وتعالى،
أنه قال: الإخلاص سر من سري، استودعته قلب من أحببته من عبادي".
سمعت: الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: وقد سألته عن الإخلاص: ما هو؟ فقال: سمعت:
علي بن سعيد، وأحمد بن محمد بن زكريا، وقد سألتهما عن الإخلاص، فقالا: سمعنا علّي بن إبراهيم
الشقيقي، وقد سألناه عن الإخلاص، فقال: سمعت: محمد بن جعفر الخص?اف، وقد سألته عن الإخلاص،
فقال: سألت أحمد بن بشار عن الإخلاص: ما هو؟ قال: سألت أبا يعقوب الشريطي? عن الإخلاص: ما
هو؟ قال: سألت أحمد بن غس?ان عن الإخلاص: ما هو؟ قال: سألت عبد الواحد بن زيد عن الإخلاص:
ما هو؟ قال: سألت الحسن عن الإخلاص: ما هو؟ قال: سألت حذيفة عن الإخلاص: ما هو؟ قال:
وسمعته يقول: سمعت علي? بن بندار الصوفي يقول: سمعت عبد الله بن محمود يقول: سمعت محمد بن عبد
ربه يقول: سمعت الفضيل يقول ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك،
والإخلاص: أن يعافيك الله منهما.
وقال الجنيد: الإخلاص سر? بين الله تعالى وبين العبد، لايعلمه م?ل ? ك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى
فيميله.
وقال رويم: الإخلاص من العمل هو: الذي لايريد صاحبه عليهِ عوضاً من الدارين، ولا حظً من الملكين.
وقيل لسهل بن عبد الله: أي? شيء أشد? على النفس؟ فقال: الإخلاص: لأنه ليس لها فيها نصيب.
وسئل بعضهم عن الإخلاص: فقال: أن لا تشهد على عملك غير الله عز وجل.
وقال بعضهم: دخلت علي سهل بن عبد الله يوم جمعة قبل الصلاة بيتاً.. فرأيت في البيت حي?ة. فجعلت
أقدم رجلاً وأؤخر أخرى، فقال: ادخل، لا يبلغ أح ? د حقيقة الإيمان وعلى وجه الأرض شيء يخافه. ثم
قال: هل لك في صلاة الجمعة؟ فقلت: بيننا وبين المسجد مسيرة يوم وليلة.. فأخذ بيدي، فما كان إلا
قليل حتى رأيت المسجد، فدخلناه؛ وصلينا الجمعة. ثم خرجنا؛ فوقف ينظر إلى الناس وهم يخرجون،
فقال: أهل لا إله? إلا الله كثير، والمخلصون منهم قليل.
أخبرنا: حمزة بن يوسف الجرجاني قال: حدثنا محمد بن محمد بن عبد الرحيم قال: حدثنا أبو طالب محمد
بن زكريا المقدسي قال: حدثنا أبو قرصافة محمد بن عبد الوهاب العسقلاني قال: حدثنا زكريا بن نافع
قال: حدثنا محمد بن يزيد القراطيسي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن مكحل قال: ما أخلص عب ? د قط
أربعين يوماً، إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت
عبد الرزاق يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: أعز? شيء في الدنيا الإخلا ? ص، وكن أجتهد في إسقاط
الرياء عن قلبي، فكأنه ينبث فيه على لون آخر.
وسمعته يقول: سمعت النصراباذي يقول: سمعت أبا الجهم يقول: سمعت ابن أبي الحواري يقول: سمعت أبا
سليمان يقول: إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء.
باب التوبة
قال الله تعالى: "وتوبوا إلى الله جميعاً أيه المؤمنون لعلكم تفلحوه".
أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين بن فورك، رحمه الله، قال: أخبرنا أحمد بن محمود بن خر?از قال: حدثنا
محمد بن فضل بن جابر، قال حدثنا سعيد بن عبد الله قال: حدثنا أحمد بن زكريا، قال: سمعت أنس بن
مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقول: "التائب من الذنب كمن لا ذنب
له، وإذا أحب? الله عبداًلم يضر?ه ذنب"، ثم تلا: "إن الله يحب التو?ابين ويحب المتطهرين"، قيل: يا رسول
الله، وما علامة التوبة؟ قال "الندامة".
أخبرنا علي? بن أحمد بن عبدان الأهوازي، قال: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن عبيد الصفار، قال: أخبرنا
محمد بن الفضل بن جابر قال: أخبرنا الحكم بن موسى، قال: حد?ثنا غس?ان بن عبيد عن أبي عاتكة
طريف بن سليمان، عن أنس بن مالك. أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: "ما من شيء أحب
إلى الله من شاب تائب".
فالتوبة أو?ل مترل من منازل السالكين.
وأو? ُ ل مقام من مقامات الطالبين.
وحقيقة التوبة في لغة العرب: الرجوع، يقال: تاب أي رجع.
فالتوبة الرجوع عما كان مذموماً في الشرع إلى ما هو محمود فيه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الندم توبة".
فأرباب الأصول من أهل السنةَّ قالوا: شرط التوبة، حتى تصح، ثلاثة أشياء: الندم على ما عمل من
المخالفات.
وترك الز?لة في الحال.
والعز?م على أن لايعود إلى مثل ما عمل من المعاصي.
فهذه الأركان لابد منها، حتى تصح? توبته.
الرسالة القشيرية-القشيري 96
قال هؤلاء: وما في الخبر أن "الندم توبة" إنما نص? على معظمه كما قال صلى الله عليه وسلم: "الحج
عرفه"، أي معظم أركانه عرفه، أي الوقوف ?ا، لا أنه لا ركن في الحج سوى الوقوف بعرفات، ولكن
معظم أركانه الوقوف ?ا.
وكذلك قوله "الندم توبة" أي معظم أركا?ا الندم.
ومن أهل التحقيق من قال: يكفي الندم في تحقيق ذلك؛ لأن الندم يستتبع الركنين الآخرين فإنه يستحيل
تقدير أن يكون نادماً على ما هو مصر على مثله؛ أو عازم على الإتيان بمثله.
وهذا معنى التوبة على جهة التحديد والإجمال.
فام?ا على جهة الشرح والإبانة، فن للتوبة أسباباً وترتيباً وأقساماً فأول ذلك: انتباه القلب عن رقدة الغفلة،
ورؤية العبد ما هو عليه من سوء الحالة.
ويصل إلى هذه الجملة بالتوفيق للاصغاء إلى ما يخطر بباله من زواجر الحق، سبحانه. يسمع قلبه، فإنه جاء
في الخبر "واع ُ ظ الله في قلب كل امرىء مسلم".
وفي الخبر: "إن في البدن لمضغة إذا صلح?ت صلح جميع البدن وإذا فسدت فسد جميع البدن، ألا وهي:
القلب".
فذا فكر بقلبه في سوء ما يصنعه، وأبصر ما هو عليه من قبيح الأفعال، سنح في قلبه إرادة التوبة، والإقلا ? ع
عن قبيح المعاملات فيمد?ه الحق، سبحانه بتصحيح العزيمة، والأخذ في جميل الروجعي، والتأهب لأسباب
التوبة: فأو?ل ذلك: هجران إخوان السوء؛ فإ?م هم الذين يحملونه على رد? هذا القصد ويشوشون عليه
صحة هذا العزم.
ولا يتم ذلك: إلا بالمواظبة على المشاهدة التي تزيد رغبته في التوبة وتوفَر دواعيه على إتمام ما عزم عليه.
مما يقو?ي خوفه ورجاءه: فعند ذلك تنحل من قلبه عقدة الإصرار على ما هو عليه من قبيح الأفعال،
فيقف عن تعاطي المحظورت، ويكبح لجام نفسه عن متابعة الشهوات فيفارق الزلةَّ في الحال، ويبرم العزيمة
على أن لا يعود إلى مثلها في الاستقبال.
فإن مضى على موجب قصده، ونفذ بمقتضى عزمه فهو الموفق صدقا.
وإن نقض التوبة مر?ة أو مرات، وتحمله إرادته على تجديدها فقد يكون مثل هذا أيضاً كثيراً، فلا ينبغي
قطع الرجاء عن توبة أمثال هؤلاء، فإن لكل أجل كتاباً.
حكي عن أبي سليمان الداراني، أنه قال: أختلفت إلى مجلس قاض، فأثر كلامه في قلبي، فلما قمت لم يبق
في قلبي منه شيء.. فعدت ثانياً؛ فبقي أثر كلامه في قلبي، حتى رجعت إلى مترلي.
فكسرب آلات المخالفات ولزمت الطريق.
الرسالة القشيرية-القشيري 97
فحكى هذه الحكاية لحيي بن معاذ فقال: عصوراً اصطاد كركي?اً!! أراد بالعصفور. ذلك القاص?،
وبالكركي?، أبا سليمان الداراني ويحكى عن أبي حفص الحد?اد أنه قال: تركت العمل كذا، وكذا مرة،
فعدت إليه، ثم تركني العمل، فلم أعد بعد إليه.
وقيل: إن أبا عمرو بن نجيد، في ابتداء أمره، أختلفت إلى مجلس أبي عثمان، فأثرت في قلبه كلامه، فتاب.
ثم إنه وقعت له فترة، فكان يهرب من أبي عثمان إذا رآه، ويتأخر عن مجلسه فاستقبله أبو عثمان يوماً
فحاج أبو عمرو عن طريقه، وسلك طريقاً أخرى، فتبعه أبو عثمان فما زال به يقفو أثره، حتى لحقه،
فقال له: يا ?بني، لا تصحب من لا يحبك إلا معصوماً، إنما ينفعك أبو عثمان في مثل هذه الحالة. قال:
فتاب أبو عمرو بن نجيد، وعاد لى الإرادة، ونفذ فيها.
سمعت الشيخ أبا علي? الد?قاق، رحمه الله، يقول: تاب بعض المريدين، ثم وقعت له فترة، فكان يفكر وقتاً:
لو عاد إلى توبته كيف حكمه؟ فهتف به هاتف: يا فلان، أطعتنا فشكرناك، ثم تركتنا فأمهلناك، وإن
عدت إلينا قبلناك.
فعاد الفتى إلى الإرادة، ونفذ فيها.
فإذا ترك المعاصي، وحل عن قلبه عقدة الإصرار، وعزم أن لا يعود إلى مثله، فعند ذلك يخلق إلى قلبه
صادق الندم. فيتأسف على ما عمله، ويأخذ في التحسر على ما صنعه من أحواله، وارتكبه من قبيح
أعماله، فتتم توبته، وتصدق مجاهدته، واستبدل بمخالطته العزلة، وبصحبته مع أخوان السوء التوحش
عنهم، والخلوة دو?م ويصل ليله بنهار في التلهف، ويعتنق في عموم أ؛واله بصدق التأسف، يمحو بصوب
عبرته آثار عثرته، ويأسو بحسن توبته كلوم حوبته ويعرف من بين أمثاله بذبوله، ويستدل صحة حاله
بنحوله.
ولن يتم له شيء من ذلك إلا بعد فراغه من إرضاء خصومه، والخروج عما لزمه من مظالمه، فإن أول
مترلة من التوبة إرضاء الخصوم بما أمكنه، فإن اتسع ذات يده لإيصال حقوقهم إليهم، أو سمحت أنفسهم
بإحلاله والبراءة عنه، وإلا فالعزم بقلبه على أن يخرج عن حقوقهم عند الإمكان والرجو ? ع إلى الله سبحانه
بصدق الابتهال والدعاء لهم.
وللتائبين صفات وأحوال: هي من خصالهم، يعد? ذلك من جملة التوبة، لكو?ا من صفا?م، لا لأ?ا من
شرط صحتها، وإلى ذلك تشير أقاويل الشيوخ في معنى التوبة: سمعت الأستاذ أبا علي? الد?قاق، رحمه الله
تعالى، يقول: التوبة على ثلاثة اقسام: أو?لها التوبة، وأوسطها الإنابة، وآخرها الأوبة.
فجعل التوبة بداية، والأوبة ?اية، والإنابة واسطنهما.
الرسالة القشيرية-القشيري 98
فكلُّ ما تاب لخوف العقوبة فهو صاحب إنابة.
ومن تاب مراعاة للأمر لا للرغبة في الثواب أو رهبة من العقاب فهو صاحب أوبة.
ويقال أيضاً: التوبة صفة المؤمنين، قال الله تعالى: "وتوبوا إلى الله جميعاً أيه المؤمنون".
والإنابة: صفة الأولياء والمقر?بين، قال الله تعالى: "وجاء بقلب منيب".
والأوبة: صفة الأنبياء والمرسلين، قال الله تعالى: "نعم العبد إنه أو?اب".
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت جعفر بن نصير
يقول: سمعت الجنيد يقول: التوبة على ثلاثة معان: أولها: الندم، والثاني العزم على ترك المعاودة إلى ما ?ى
الله عنه، والثالث السعي في أداء المظالم.
وقال سهل بن عبد الله: التوبة: ترك التسويف.
سمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أبا بكر الرازي، يقول: سمعت أبا عبد الله القرشي
يقول: سمعت الجنيد يقول: سمعت الحارث يقول: ما قلت قط، اللهم إني إسألك التوبة، ولكني أقول:
أسألك شهوة التوبة.
أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي، رحمه الله قال: سمعت أبا عبد الله بن مصلح، بالأهواز يقول. سمعت ابن
زيري يقول: سمعت الجنيد يقول: دخلت على السر?ي يوماً فرأيته متغيراً، فقلت له: مالك؟ فقال: دخل
علي شاب فسألني عن التوبة، فقلت له: أن لا تنسى ذنبك!! فعارضني، وقال: بل التوبة أن تنسى ذنبك.
فقلت: إن الأمر عندي ما قاله الشاب.
فقال: لِم؟ قلت: لأني إذا كنت في حال الجفاء فنقلني إلى حال الوفاء؛ فذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء
فسكت.
سمعت أبا حاتم السجستاني، رحمه الله، يقول: سمعت أبا نصر السراج الصوفي يقول: سئل سهل بن عبد
الله عن التوبة، فقال: أن لا تنسى ذنبك وسئل الجنيد عن التوبة فقال: أن لا تنسى ذنبك.
قال أبو نصر السراج: أشار سهل إلى أحوال المريدين والمتعرضين، تارة لهم، وتارة عليهم، فأما الجنيد فإنه
أشار إلى توبة المحققين فإ?م لا يذكرون ذنو?م بما غلب على قلو?م من عظمة الله تعالى، ودوام ذكره.
قال: وهو مثل ما سئل رويم عن التوبة، فقال: هي التوبة من التوبة.
وسئل ذا الن?ون المصري عن التوبة: فقال: توبة العوام? من الذنوب وتوبة الخواص من الغفلة.
وقال أبو الحسين النوري: التوبة أن تتوب من كل شيء سوى الله عز وجل.
سمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفي يقول: سمعت عبد الله بن علي ابن محمد التميمي يقول: شتان ما
بين تائب يتوب من الزلات، وتائب يتوب من الغفلات، وتائب يتوب من رؤية الحسنات.
الرسالة القشيرية-القشيري 99
وقال الواسطي: التوبة النصوح لا تبقي على صاحبها أثراً من المعصية سراً ولا جهراً ومن كانت توبته
نصوحاً لا يبالي كيف أمسى أو أصبح.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت محمد بن إبراهيم بن الفضل الهاشمي يقول: سمعت
محمد بن الرومي يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: إلهي، لا أقول تبت، ولا أعود لما أعرف من خلقي،
ولا أضمن ترك الذنوب لما أعرف من ضعفي، ثم إنيِّ أقول: لا أعود لعلي أن أموت قبل أن أعود.
وقال ذو النون: الاستغفار من غير إقلاع توبة الكاذبين.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت النصراباذي يقول: سمعت ابن يزدانيار يقول، وقد سئل عن العبد إذا
خرج إلى الله على أي? أصل يخرج؟ فقال: على أن لا يعود إلى ما منه خرج، ولا يراعي غير من إليه
خرج، ويحفظ سر?ه عن ملاحظة ما تبرأ منه.
فقيل له: هذا حكم من خرج عن وجود، فكيف حكم من خرج عن عدم؟ فقال: وجو?د الحلاوة في
المستأنف عوضاً عن المرارة في السالف.
وسئل البوشنجي عن التوبة فقال: إذا ذكرت? الذنب ثم لا تجد حلاوته عند ذكره، فهو التوبة.
وقال ذو النون: حقيقة التوبة أن تضيق عليك الأرض بما رحبت، حتى لا يكون لك قرار.. ثم تضيق
عليك نفسك، كما أخبر الله تعالى في كتابه بقوله: "وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله
إلا إليه، ثم تاب عليهم ليتوبوا".
وقال ابن عطاء: التوبة: توبتان: توبة الإقامة، وتوبة الاستجابة.
فتوبة الإنابة: أن يتوب العبد خوفاً من عقوبته.
وتوبة الاستجابة: أن يتوب حياء من كرمه: وقيل لأبي حفص: لم يبغض التائب الدنيا؟ قال: لأ?ا دار
باشر فيها الذنوب.
فقيل له: فهي ايضاً دار أكرمه الله فيها بالتوبة؟ فقال: إنه الذنب على يقين، ومن قبول توبته على خطر.
وقال الواسطي: طرب داوود عليه السلام، وما هو فيه من حلاوة الطاعة أوقعه في أنفاس متصاعدة، وهو
في الحالة الثانية أتم منه في وقت ما ستر عليه من أمره.
وقال بعضهم: توبة الكذابين على أطراف ألسنتهم يعني قوله: "أستغفر الله".
وسئل أبو حفص عن التوبة، فقال: ليس للعبد في التوبة شيء!! لأن التوبة إليه، لا منه.
وقيل: أوحى الله سبحانه، إلى آدم ورثت ذريتك التعب والنصب، وورثتهم التوبة، من دعاني منهم
يدعونك لب?يته كتلبيتك، يا آدم أحشر التائبين، من القبور مستبشرين ضاحكين، ودعاؤهم مستجاب.
الرسالة القشيرية-القشيري 100
وقال رجل لرابعة: إني أكثرت من الذنوب والمعاصي، فلو تبت هل يتوب علي؟ فقالت: لا بل لو تاب
عليك لتبت.
وإعلم أن الله تعالى قال: "إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ومن قارف الزلة فهو من خطئه على
يقين، فإذا تاب، فإنه من القبول على شكل، لاسيما إذا كان من شرطه وحقه أن يكون مستحقاً لمحبة
الحق وإلى أن يبلغ العاصي محلاً يجد في أوصافه أمارة محبة الله إيه مسافة بعيدة، فالواجب إذن على العبد
إذا علم أنه أرتكب ما تجب منه التوبة دوام الإنكسار، وملازمة التنصل والاستغفار. كما قالوا: "استشعار
الوجل إلى الأجل"، وقال عز? من قائل: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله".
وكان من سنته صلى الله عليه وسلم: دوام الاستغفار، وقال صلى الله عليه وسلم: "إنه ليغان على قلبي
فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة".
سمعت أبا عبد الله الصوفي يقول: سمعت الحسين بن علي يقول: سمعت محمد بن أحمد يقول: سمعت عبد
الله بن سهل يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: زلة واحدة بعد التوبة أقبح من سبعين قبلها: سمعت محمد
بن الحسين يقول: سمعت أبا عبد الله الرازي يقول: سمعت أبا عثمان يقول في قوله عز وجل: "إن إلينا
إيا?م" قال: رجوعهم، وإن تمادى يهم الجولان في المخالفات.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا عمرو الأنماطي يقول:
ركب علي بن عيسى الوزير في موكب عظيم فجعل الغرباء يقولون: من هذا؟ من هذا؟ فقالت امرأة
قائمة على الطريق: إلى متى تقولون من هذا؟ من هذا؟! هذا عبد سقط من عين الله فابتلاه الله بما ترون.
فسمع على بن عيسى ذلك، فرجع إلى مترله واستغنى عن الوزارة، وذهب إلى مكة وجاور ?ا.
قال الله تعالى: "وتوبوا إلى الله جميعاً أيه المؤمنون لعلكم تفلحوه".
أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين بن فورك، رحمه الله، قال: أخبرنا أحمد بن محمود بن خر?از قال: حدثنا
محمد بن فضل بن جابر، قال حدثنا سعيد بن عبد الله قال: حدثنا أحمد بن زكريا، قال: سمعت أنس بن
مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقول: "التائب من الذنب كمن لا ذنب
له، وإذا أحب? الله عبداًلم يضر?ه ذنب"، ثم تلا: "إن الله يحب التو?ابين ويحب المتطهرين"، قيل: يا رسول
الله، وما علامة التوبة؟ قال "الندامة".
أخبرنا علي? بن أحمد بن عبدان الأهوازي، قال: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن عبيد الصفار، قال: أخبرنا
محمد بن الفضل بن جابر قال: أخبرنا الحكم بن موسى، قال: حد?ثنا غس?ان بن عبيد عن أبي عاتكة
طريف بن سليمان، عن أنس بن مالك. أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: "ما من شيء أحب
إلى الله من شاب تائب".
فالتوبة أو?ل مترل من منازل السالكين.
وأو? ُ ل مقام من مقامات الطالبين.
وحقيقة التوبة في لغة العرب: الرجوع، يقال: تاب أي رجع.
فالتوبة الرجوع عما كان مذموماً في الشرع إلى ما هو محمود فيه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الندم توبة".
فأرباب الأصول من أهل السنةَّ قالوا: شرط التوبة، حتى تصح، ثلاثة أشياء: الندم على ما عمل من
المخالفات.
وترك الز?لة في الحال.
والعز?م على أن لايعود إلى مثل ما عمل من المعاصي.
فهذه الأركان لابد منها، حتى تصح? توبته.
الرسالة القشيرية-القشيري 96
قال هؤلاء: وما في الخبر أن "الندم توبة" إنما نص? على معظمه كما قال صلى الله عليه وسلم: "الحج
عرفه"، أي معظم أركانه عرفه، أي الوقوف ?ا، لا أنه لا ركن في الحج سوى الوقوف بعرفات، ولكن
معظم أركانه الوقوف ?ا.
وكذلك قوله "الندم توبة" أي معظم أركا?ا الندم.
ومن أهل التحقيق من قال: يكفي الندم في تحقيق ذلك؛ لأن الندم يستتبع الركنين الآخرين فإنه يستحيل
تقدير أن يكون نادماً على ما هو مصر على مثله؛ أو عازم على الإتيان بمثله.
وهذا معنى التوبة على جهة التحديد والإجمال.
فام?ا على جهة الشرح والإبانة، فن للتوبة أسباباً وترتيباً وأقساماً فأول ذلك: انتباه القلب عن رقدة الغفلة،
ورؤية العبد ما هو عليه من سوء الحالة.
ويصل إلى هذه الجملة بالتوفيق للاصغاء إلى ما يخطر بباله من زواجر الحق، سبحانه. يسمع قلبه، فإنه جاء
في الخبر "واع ُ ظ الله في قلب كل امرىء مسلم".
وفي الخبر: "إن في البدن لمضغة إذا صلح?ت صلح جميع البدن وإذا فسدت فسد جميع البدن، ألا وهي:
القلب".
فذا فكر بقلبه في سوء ما يصنعه، وأبصر ما هو عليه من قبيح الأفعال، سنح في قلبه إرادة التوبة، والإقلا ? ع
عن قبيح المعاملات فيمد?ه الحق، سبحانه بتصحيح العزيمة، والأخذ في جميل الروجعي، والتأهب لأسباب
التوبة: فأو?ل ذلك: هجران إخوان السوء؛ فإ?م هم الذين يحملونه على رد? هذا القصد ويشوشون عليه
صحة هذا العزم.
ولا يتم ذلك: إلا بالمواظبة على المشاهدة التي تزيد رغبته في التوبة وتوفَر دواعيه على إتمام ما عزم عليه.
مما يقو?ي خوفه ورجاءه: فعند ذلك تنحل من قلبه عقدة الإصرار على ما هو عليه من قبيح الأفعال،
فيقف عن تعاطي المحظورت، ويكبح لجام نفسه عن متابعة الشهوات فيفارق الزلةَّ في الحال، ويبرم العزيمة
على أن لا يعود إلى مثلها في الاستقبال.
فإن مضى على موجب قصده، ونفذ بمقتضى عزمه فهو الموفق صدقا.
وإن نقض التوبة مر?ة أو مرات، وتحمله إرادته على تجديدها فقد يكون مثل هذا أيضاً كثيراً، فلا ينبغي
قطع الرجاء عن توبة أمثال هؤلاء، فإن لكل أجل كتاباً.
حكي عن أبي سليمان الداراني، أنه قال: أختلفت إلى مجلس قاض، فأثر كلامه في قلبي، فلما قمت لم يبق
في قلبي منه شيء.. فعدت ثانياً؛ فبقي أثر كلامه في قلبي، حتى رجعت إلى مترلي.
فكسرب آلات المخالفات ولزمت الطريق.
الرسالة القشيرية-القشيري 97
فحكى هذه الحكاية لحيي بن معاذ فقال: عصوراً اصطاد كركي?اً!! أراد بالعصفور. ذلك القاص?،
وبالكركي?، أبا سليمان الداراني ويحكى عن أبي حفص الحد?اد أنه قال: تركت العمل كذا، وكذا مرة،
فعدت إليه، ثم تركني العمل، فلم أعد بعد إليه.
وقيل: إن أبا عمرو بن نجيد، في ابتداء أمره، أختلفت إلى مجلس أبي عثمان، فأثرت في قلبه كلامه، فتاب.
ثم إنه وقعت له فترة، فكان يهرب من أبي عثمان إذا رآه، ويتأخر عن مجلسه فاستقبله أبو عثمان يوماً
فحاج أبو عمرو عن طريقه، وسلك طريقاً أخرى، فتبعه أبو عثمان فما زال به يقفو أثره، حتى لحقه،
فقال له: يا ?بني، لا تصحب من لا يحبك إلا معصوماً، إنما ينفعك أبو عثمان في مثل هذه الحالة. قال:
فتاب أبو عمرو بن نجيد، وعاد لى الإرادة، ونفذ فيها.
سمعت الشيخ أبا علي? الد?قاق، رحمه الله، يقول: تاب بعض المريدين، ثم وقعت له فترة، فكان يفكر وقتاً:
لو عاد إلى توبته كيف حكمه؟ فهتف به هاتف: يا فلان، أطعتنا فشكرناك، ثم تركتنا فأمهلناك، وإن
عدت إلينا قبلناك.
فعاد الفتى إلى الإرادة، ونفذ فيها.
فإذا ترك المعاصي، وحل عن قلبه عقدة الإصرار، وعزم أن لا يعود إلى مثله، فعند ذلك يخلق إلى قلبه
صادق الندم. فيتأسف على ما عمله، ويأخذ في التحسر على ما صنعه من أحواله، وارتكبه من قبيح
أعماله، فتتم توبته، وتصدق مجاهدته، واستبدل بمخالطته العزلة، وبصحبته مع أخوان السوء التوحش
عنهم، والخلوة دو?م ويصل ليله بنهار في التلهف، ويعتنق في عموم أ؛واله بصدق التأسف، يمحو بصوب
عبرته آثار عثرته، ويأسو بحسن توبته كلوم حوبته ويعرف من بين أمثاله بذبوله، ويستدل صحة حاله
بنحوله.
ولن يتم له شيء من ذلك إلا بعد فراغه من إرضاء خصومه، والخروج عما لزمه من مظالمه، فإن أول
مترلة من التوبة إرضاء الخصوم بما أمكنه، فإن اتسع ذات يده لإيصال حقوقهم إليهم، أو سمحت أنفسهم
بإحلاله والبراءة عنه، وإلا فالعزم بقلبه على أن يخرج عن حقوقهم عند الإمكان والرجو ? ع إلى الله سبحانه
بصدق الابتهال والدعاء لهم.
وللتائبين صفات وأحوال: هي من خصالهم، يعد? ذلك من جملة التوبة، لكو?ا من صفا?م، لا لأ?ا من
شرط صحتها، وإلى ذلك تشير أقاويل الشيوخ في معنى التوبة: سمعت الأستاذ أبا علي? الد?قاق، رحمه الله
تعالى، يقول: التوبة على ثلاثة اقسام: أو?لها التوبة، وأوسطها الإنابة، وآخرها الأوبة.
فجعل التوبة بداية، والأوبة ?اية، والإنابة واسطنهما.
الرسالة القشيرية-القشيري 98
فكلُّ ما تاب لخوف العقوبة فهو صاحب إنابة.
ومن تاب مراعاة للأمر لا للرغبة في الثواب أو رهبة من العقاب فهو صاحب أوبة.
ويقال أيضاً: التوبة صفة المؤمنين، قال الله تعالى: "وتوبوا إلى الله جميعاً أيه المؤمنون".
والإنابة: صفة الأولياء والمقر?بين، قال الله تعالى: "وجاء بقلب منيب".
والأوبة: صفة الأنبياء والمرسلين، قال الله تعالى: "نعم العبد إنه أو?اب".
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت جعفر بن نصير
يقول: سمعت الجنيد يقول: التوبة على ثلاثة معان: أولها: الندم، والثاني العزم على ترك المعاودة إلى ما ?ى
الله عنه، والثالث السعي في أداء المظالم.
وقال سهل بن عبد الله: التوبة: ترك التسويف.
سمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أبا بكر الرازي، يقول: سمعت أبا عبد الله القرشي
يقول: سمعت الجنيد يقول: سمعت الحارث يقول: ما قلت قط، اللهم إني إسألك التوبة، ولكني أقول:
أسألك شهوة التوبة.
أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي، رحمه الله قال: سمعت أبا عبد الله بن مصلح، بالأهواز يقول. سمعت ابن
زيري يقول: سمعت الجنيد يقول: دخلت على السر?ي يوماً فرأيته متغيراً، فقلت له: مالك؟ فقال: دخل
علي شاب فسألني عن التوبة، فقلت له: أن لا تنسى ذنبك!! فعارضني، وقال: بل التوبة أن تنسى ذنبك.
فقلت: إن الأمر عندي ما قاله الشاب.
فقال: لِم؟ قلت: لأني إذا كنت في حال الجفاء فنقلني إلى حال الوفاء؛ فذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء
فسكت.
سمعت أبا حاتم السجستاني، رحمه الله، يقول: سمعت أبا نصر السراج الصوفي يقول: سئل سهل بن عبد
الله عن التوبة، فقال: أن لا تنسى ذنبك وسئل الجنيد عن التوبة فقال: أن لا تنسى ذنبك.
قال أبو نصر السراج: أشار سهل إلى أحوال المريدين والمتعرضين، تارة لهم، وتارة عليهم، فأما الجنيد فإنه
أشار إلى توبة المحققين فإ?م لا يذكرون ذنو?م بما غلب على قلو?م من عظمة الله تعالى، ودوام ذكره.
قال: وهو مثل ما سئل رويم عن التوبة، فقال: هي التوبة من التوبة.
وسئل ذا الن?ون المصري عن التوبة: فقال: توبة العوام? من الذنوب وتوبة الخواص من الغفلة.
وقال أبو الحسين النوري: التوبة أن تتوب من كل شيء سوى الله عز وجل.
سمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفي يقول: سمعت عبد الله بن علي ابن محمد التميمي يقول: شتان ما
بين تائب يتوب من الزلات، وتائب يتوب من الغفلات، وتائب يتوب من رؤية الحسنات.
الرسالة القشيرية-القشيري 99
وقال الواسطي: التوبة النصوح لا تبقي على صاحبها أثراً من المعصية سراً ولا جهراً ومن كانت توبته
نصوحاً لا يبالي كيف أمسى أو أصبح.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت محمد بن إبراهيم بن الفضل الهاشمي يقول: سمعت
محمد بن الرومي يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: إلهي، لا أقول تبت، ولا أعود لما أعرف من خلقي،
ولا أضمن ترك الذنوب لما أعرف من ضعفي، ثم إنيِّ أقول: لا أعود لعلي أن أموت قبل أن أعود.
وقال ذو النون: الاستغفار من غير إقلاع توبة الكاذبين.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت النصراباذي يقول: سمعت ابن يزدانيار يقول، وقد سئل عن العبد إذا
خرج إلى الله على أي? أصل يخرج؟ فقال: على أن لا يعود إلى ما منه خرج، ولا يراعي غير من إليه
خرج، ويحفظ سر?ه عن ملاحظة ما تبرأ منه.
فقيل له: هذا حكم من خرج عن وجود، فكيف حكم من خرج عن عدم؟ فقال: وجو?د الحلاوة في
المستأنف عوضاً عن المرارة في السالف.
وسئل البوشنجي عن التوبة فقال: إذا ذكرت? الذنب ثم لا تجد حلاوته عند ذكره، فهو التوبة.
وقال ذو النون: حقيقة التوبة أن تضيق عليك الأرض بما رحبت، حتى لا يكون لك قرار.. ثم تضيق
عليك نفسك، كما أخبر الله تعالى في كتابه بقوله: "وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله
إلا إليه، ثم تاب عليهم ليتوبوا".
وقال ابن عطاء: التوبة: توبتان: توبة الإقامة، وتوبة الاستجابة.
فتوبة الإنابة: أن يتوب العبد خوفاً من عقوبته.
وتوبة الاستجابة: أن يتوب حياء من كرمه: وقيل لأبي حفص: لم يبغض التائب الدنيا؟ قال: لأ?ا دار
باشر فيها الذنوب.
فقيل له: فهي ايضاً دار أكرمه الله فيها بالتوبة؟ فقال: إنه الذنب على يقين، ومن قبول توبته على خطر.
وقال الواسطي: طرب داوود عليه السلام، وما هو فيه من حلاوة الطاعة أوقعه في أنفاس متصاعدة، وهو
في الحالة الثانية أتم منه في وقت ما ستر عليه من أمره.
وقال بعضهم: توبة الكذابين على أطراف ألسنتهم يعني قوله: "أستغفر الله".
وسئل أبو حفص عن التوبة، فقال: ليس للعبد في التوبة شيء!! لأن التوبة إليه، لا منه.
وقيل: أوحى الله سبحانه، إلى آدم ورثت ذريتك التعب والنصب، وورثتهم التوبة، من دعاني منهم
يدعونك لب?يته كتلبيتك، يا آدم أحشر التائبين، من القبور مستبشرين ضاحكين، ودعاؤهم مستجاب.
الرسالة القشيرية-القشيري 100
وقال رجل لرابعة: إني أكثرت من الذنوب والمعاصي، فلو تبت هل يتوب علي؟ فقالت: لا بل لو تاب
عليك لتبت.
وإعلم أن الله تعالى قال: "إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ومن قارف الزلة فهو من خطئه على
يقين، فإذا تاب، فإنه من القبول على شكل، لاسيما إذا كان من شرطه وحقه أن يكون مستحقاً لمحبة
الحق وإلى أن يبلغ العاصي محلاً يجد في أوصافه أمارة محبة الله إيه مسافة بعيدة، فالواجب إذن على العبد
إذا علم أنه أرتكب ما تجب منه التوبة دوام الإنكسار، وملازمة التنصل والاستغفار. كما قالوا: "استشعار
الوجل إلى الأجل"، وقال عز? من قائل: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله".
وكان من سنته صلى الله عليه وسلم: دوام الاستغفار، وقال صلى الله عليه وسلم: "إنه ليغان على قلبي
فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة".
سمعت أبا عبد الله الصوفي يقول: سمعت الحسين بن علي يقول: سمعت محمد بن أحمد يقول: سمعت عبد
الله بن سهل يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: زلة واحدة بعد التوبة أقبح من سبعين قبلها: سمعت محمد
بن الحسين يقول: سمعت أبا عبد الله الرازي يقول: سمعت أبا عثمان يقول في قوله عز وجل: "إن إلينا
إيا?م" قال: رجوعهم، وإن تمادى يهم الجولان في المخالفات.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا عمرو الأنماطي يقول:
ركب علي بن عيسى الوزير في موكب عظيم فجعل الغرباء يقولون: من هذا؟ من هذا؟ فقالت امرأة
قائمة على الطريق: إلى متى تقولون من هذا؟ من هذا؟! هذا عبد سقط من عين الله فابتلاه الله بما ترون.
فسمع على بن عيسى ذلك، فرجع إلى مترله واستغنى عن الوزارة، وذهب إلى مكة وجاور ?ا.
باب التوكل
قال الله عز وجل: "ومن يتوكل على الله فهو حسيه".
وقال: "وعلى الله فليتوكل المؤمنون".
وقال: "وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين".
أخبرنا الإمام أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر بن أحمد الأصبهاني قال:
حدثنا يونسف بن حبيب بن عبد القاهر قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا بن سلمة، عن
عاصم بن ?دلة، عن زر بن حبيش؛ عن عبد الله بن مسعود؛ رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: "أريت الأمم بالموسم، فرأيت أمتي قد ملئوا السهل والجبل، فأعجبني كثر?م وهيئتهم، فقيل
لي: أرضيت؟ فقلت: نعم. قال: ومع هؤلاء سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، لا يكتوون، ولا
يتطيرون، ولا يسترقون، وعلى ر?م يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن الأسدي، فقال: يا رسول الله، أدع
أن يجعلني منهم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم? اجعله منهم.
فقال آخر، فقال: أدع الله أن يجعلني منهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "سبقك ?ا عكاشة".
سمعت عبد الله بن يوسف الأصبهاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: سمعت أبا بكر الوجيهي يقول:
قال أبو علي الروذباري قلت: لعمرو بن سنان: أحك عن سهل بن عبد الله حكاية،فقال إنه قال: علامة
المتوكل ثلاث لا يسأل، ولا يرد، ولا يحبس.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله يقول: سمعت منصور ابن عبد الله يقول: سمعت أبا عبد
الله الشرازي يقول: سمعت أبا موسى الديبلي يقول: قيل لأبي يزيد؛ ما التوكل؟ فقال لي: ما تقول أنت؟
فقلت: إن أصحابنا يقولون: لو أن السباع والأفاعي عن يمينك ويسارك ما تحرك لذلك سرك.
الرسالة القشيرية-القشيري 150
فقال أب يزيد: نعم؛ هذا قريب؛ ولكن لو أن أهل الجنة في الجنة ينتعمون وأهل النار في النار يعذبون: ثم
وقع لك تمييز عليهما خرجت من جملة التوكل.
وقال سهل بن عبد الله: أول مقام في التوكل: نيكون العبد بين يدين الله عز? وجل كالميت بين يدي
الغاسل، يقلبه كيف شاء؛ لا يكون له حركة ولا تدبير.
وقال حمدون: التوكل: هو الاعتصام بالله تعالى.
سمعت محمد بن الحسين يقول:سمعت أبا بكر محمد بن أحمد البلخي يقول: سمعت محمد بن حامد يقول:
سمعت أحمد خضرويه يقول: قال رجل لحاتم الأصم?: من أين تأكل؟
فقال: "ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون".
واعلن أن التوكل محله القلب، والحركة بالظاهر لا تنافي التوكل بالقلب، بعدما تحقق العبد أن التقدير من
قبل الله تعالى؛ فإن تعسر شيء فبتقديره، وإن اتفق شيء فبتيسيره.
أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان قال: حدثنا أحمد بن عبيد البصري قال: حدثنا غيلان بن عبد الصمد قال:
حدثنا إسماعيل بن مسعود الجحدري قال: حدثنا خالد بن يحيى قال: حدثنا عمي المغيرة بن أبي قرة، عن
أنس بن مالك قال: "جاء رجل على ناقة له، يا رسول الله، أد?عها وأتوكل؟. فقال: اعقلها وتوكلَّ".
وقال إبراهيم الخواص:من صح? توكله في نفسه، صح? توكله في غيره.
وقال بشر الجافي: يقول أحدهم: توكلت على الله، ويكذب على الله تعالى، لو توكلَّ على الله لرضي بما
يفعله الله به.
وسئل يحيى بن معاذ: متى يكون الرجل متوكلاً؟ فقال: إذا رضي بالله تعالى وكيلاً.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت محمد ابن علي بن الحسين يقول: سمعت
عبد الله بن محمد بن الصامت يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: بينما أنا أسير في البادية، وإذا ?اتف
يهتف، فالتفت إليه، فإذا أعرابي يسير فقال لي: يا إبراهيم: التوكل عندنا: أقم عندنا حتى يصح توكلك،
ألم تعلم أن رجاءك لدخول بلد فيه أطعمة يحملك؟، إقطع رجاءك عن البلدان، وتوكل.
وسمعته يقول سمعت محمد بن أحمد الفلاسي يقول: سمعت ابن عطاء، وقد سئل عن حقيقة التوكل، فقال:
أن لا يظهر فيك انزعاج إلى الأسباب مع شدة فاقتك إليها، ولا تزول عن حقيقة السكون إلى الحق مع
وقوفك عليها.
سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السر?اج يقول: شرط التوكل ما قاله أبو تراب النخشبي،
وهو: طرح البدن في العبودية، وتعّلق القلب بالربوبية، والطمأنينة إلى الكفاية، فإن أعطى شكر وإن منع
صبر.
الرسالة القشيرية-القشيري 151
وكما قال ذو النون: التوكل: ترك تدبير النفس، والإنخلاع منالحول والقوة، وإنما يقوي العبد على التوكل
إذا علم أن الله سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمت أبا الفرج الورثاني يقول: سمعت أحمد بن محمد القرمسيني يقول:
سمعت الكتانيِّ يقول: سمعت أبا جعفر ابن أبيالفرج يقول: رأيت رجلاًُ يعرف بجمل عائشة مع الشطار
يضرب بالسياط، فقلت له: أي? وقت يكون ألم الضرب عليكم أسهل؟ فقال: إذا كان م ? ن ضربنا لأجله
يرانا.
وسمعته يقول: سمعت عبد الله بن محمد يقول: قال الحسين بن منصور لإبراهيم الخواص: ماذا صنعت في
هذه الأسفار، وقطع هذه المفوز؟ قال بقيت في التوكل أصحح نفسي عليه.
فقال الحسين: أفنيت ? عمرك في عمران باطنك، فأين الفناء في التوحيد.
سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السر?اج يقول: التوكل: ما قاله أبو بكر الدقاق، وهو:
رد العيش إلى يوم واحد، واسقاط هم? غد.
قال: وهو: كما قال سهل بن عبد الله، التوكل: الاسترسال مع الله تعالى، على ما يريد.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت محمد ابن جعفر بن محمد يقول سمعت أبا
بكر البرذعي يقول: سمعت أبا يعقوب النهرجوري يقول: الوكل على الله تعالى بكمال الحقيقة، ما وقع
لإبراهيم، عليه السلام، في الوقت الذي قال لجبريل، عليه السلام: أما إليك فلا، لأنه غابت نفسه بالله
تعالى، فلم يرمع الله غير الله عز? وجلَّ.
وسمعت يقول: سمعت سعيد بن أحمد بن محمد يقول سمعت محمد بن أحمد بن سهل يقول، سمعت سعيد
بن عثمان الخياط يقول، سمعت ذا النون المصري، وسال رجل فقال، ما التوكل. فقال: خلع الأرباب
وقطع الأسباب.
فقال السائل: زدني.
فقال: إلقاء النفس في العبودية وإخراجها من الربوبية.
وسمعته يقول: سمعت عبد الله بن محمد المعلم يقول. سمعت عبد الله ابن المبارك يقول: سمعت حمدون
القصار، وسئل عن التوكل، فقال: إن كان لك عشرة آلاف درهم، وعليك دانق دين، لم تأمن أن تموت
ويبقى ذلك في عنقك، ولو كان عليك عشرة آلاف درهم دين،ومن غير أن تترك لهاوفاء، لا تيأس من الله
تعالى أن يقضيه عنك.
وسئل أبو عبد الله القرشي عن التوكل فقال: التعلق بالله تعالى في كل حال.
فقال السائل: زدني. فقال: ترك كل سبب يوص?ل إلى سبب حتى يكون الحق هو المتولىِّ لذلك.
الرسالة القشيرية-القشيري 152
وقال سهل بن عبد الله: التوكل حال النبي صلى الله عليه وسلم، والكسب? سنته؛ فمن بقي على حاله،
فلا يتركن سنت?ه: وقال أبو سعيد الخراز: التوكل: اضطراب بلا سكون، وسكون بلا اضطراب.
وقيل: التوكل: أن يستوي عندك الإكثار والتقلل.
وقال ابن مسروق: التوكُّل: الاستسلام لجريان القضاء والأحكام.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الله الرازي? يقول: سمعت أبا عثمان الحيري يقول: التوكل:
الاكتفاء بالله، تعالى، مع الاعتماد عليه.
وسمعته: يقول: سمعت محمد بن غالب يحكي عن الحسين بن منصور قال: المتوكل المحق لا يأكل شيئاً وفي
البلد من هو أحق به منه.
وسمعته يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت منصور بن أحمد الحربي يقول حكي لنا ابن أبي شيخ
قال: سمعت عمر بن سنان يقول: اجتاز بنا إبراهيم الخواص، فقلنا له: حدثنا بأجب ما رأيته في أسفارك،
فقال: لقيني الخضر عليه السلام، فسألني الصحبة، فخشيت أن ?يفسد علي? توكلي بسكوني إليه. ففارقته.
وسئل سهل بن عبد الله عن التوكل، فقال: هو قلب عاش مع الله تعالى بلا علاقة.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقَّاق، رحمه الله، يقول: للمتوكل ثلاث درجات: التوكل، ثم التسليم، ثم
التفويض.
فالمتوكل يسكن إلى وعده، وصاحب التسليم يكتفي بعلمه وصاحب التفويض يرضي بحكمه.
وسمعته يقول: التوكل: بداية، والتسليم: واسطة، والتفويض ?اية.
وسئل الدقاق عن التوكل، فقال: الأكل بلا طمع.
وقال يحيى بن معاذ: لبس الصوف حانوت، والكلام في الزهد حرفة، وصحبة القوافل تعرض، وهذه كلها
علاقات.
وجاء رجل إلى الشبلي يشكو إليه كثرة العيال، فقال: ارجع إلى بيتك، فمن ليس رزقه على الله، تعالى،
فاطرده عنك.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت أحمد بن
عطاء يقول: قرأت على محمد بن الحسين؛ قال سهل بن عبد الله: من طعن في الحركة فقد طعن في السنة،
ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان.
وسمعته يقول: سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول: سمعت جعفراً الخلدي يقول: قال إبراهيم الخواص:
كنت في طريق مكة، فرأيت شخصاً وحشياً.. فقلت: جنى أم نسي؟ فقال: جنى. فقلت إلى أين؟ فقال:
الرسالة القشيرية-القشيري 153
إلى مكة. فقلت: بلازاد؟ فقال. فينا أيضاً من يسفر على التوكل فقلت: إيش الوكل؟ فقال: الأخذ من الله
تعالى.
وسمته يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: سمعت الفرغاني يقول: كان إبراهيم الخواص مجرداً في
التوكل، يدقق فيه، وكان لا يفارقه إبرة وخيوط وكورة. ومقراض فقيل له: يا أبا اسحاق، لم تحمل هذا
وأنت تمتنع من كل شيء؟ فقال: مثل هذا لا ينقض التوكل، لأن الله، سبحانه، علينا فرائض، والفقير لا
يكون عليه غلا ثوب واحد؛ فرب?ما يت?خرق ثوبه، فإن لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته، فتفسد عليه
صلاته، وإذا لم يكن معه ركوة تفسد عليه طهارته، فإذا رأيت? الفقير بلا ركوة ولا إبرة، ولا خيوط،
فا?مه في صلاته.
وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله؛ يقول: التوكل: صفة المؤمنين، والتسليم: صفة الأولياء،
والتفويض: صفة الموحد?ين، فالتوكل: صفة العوام?، والتسليم: صفة الخواص: والتفويض صفة خواص
الخواص.
وسمعته يقول؛ التوكل صفة الأنبياء، والتسليم صفة إبراهيم عليه السلام، والتفويض: صفة نبينا محمد صلى
الله عليه وسلم.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول:
سمعت أبا جعفر الحد?اد يقول: مكثت بضع عشرة سنة أعتقد التوكل وأنا أعمل في السوق، وآخذ كل
يوم أجرتي؛ ولا أنتفع منها بشربة ماء، لا بدخلة حمام ولكن كنت أجيء بأجرتي إلى الفقراء في الشونزية
وأكون مستمراً على حالي.
وسمعته يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت الخواص? يقول: سمعت الحسين أخا
سنان يقول: حججت اربع عشرة حجة، حافياً، على التوكل، فكان يدخل في رجلي شوكة فأذكر أني
قد اعتقدت على نفسي التوكل، فأحكها في الأرض وأمشي.
وسمعته يقول: سمعت محمد بن عبد الله الواعظ يقول: سمعت خيراً لنساج يقول: سمعت أب حمزة يقول:
إني لأستحي من الله تعالى أن أدخل مادية وأنا شبعان، وقد اعتقدت التوكل، لئلا يكون سعي على الشبع
زاداً أتزود به.. وسئل حمدون التوكل. فقال:
تلك درجة لم أبلغها بعد، وكيف يتكلم في التوكل من لم يصح له حال الإيمان؟ وقيل: المتوكل كالطفل،
لا يعرف شيئاً يأوي إليه إلا ثدي أمه، كذلك المتوكل لا يهتدي إلى إلى ربه تعالى.
وعن بعضهم قال؟ كنت في البادية فتقدمت القافلة فرأيت قدامي واحداً. فتسارعت حتى أدركته، فإذا
هي امرأة بيدها عكاز، تمشي على التؤدة.. فظننت أ?ا أعيت، فأدخلت يدي في جيبي، فأخرجت عشرين
الرسالة القشيرية-القشيري 154
درهما، فقلت: خذيها وامكثي حتى تلحقك القافلة فتكتري ?ا. ثم ائتيني الليلة حتى أصلح أمرك.
فقالت: بيدها هكذا في الهواء، فإذا في كفها دنانير، فقالت: أنت أخذت الدراهممن الجيب، وأنا أخذت
الدنانير من الغيب.
ورأى أبو سليمان الداراني رجلاً بمكة، لا يتناول شيئاً إلا شربة من ماء زمزم، فمضى عليه أيام، فقال له
سليمان يوماً: أرأيت لو غارت زمزم إيش كنت تشرب؟ فقام، وقبل رأسه، وقال: جزاك الله خيراً، حيث
أرشدتني، فإني كنت أعبد زمزم منذ أيام. ومضى.
وقال إبراهيم الخواص: رأيت في طريق الشام شاباً حدثاً، حسن المراعاة، فقال لي: هل لك في الصحبة؟
فقلت: إني أجوع. فقال: إن جعت? جعت معك.
فبقينا أربعة أيام، ففتح علينا بشيء، فقلت: هلم. فقال: اعتقدت أني لا آخذ بواسطة فقلت: يا غلام
دققت. فقال: يا إبراهيم، لا تتبهرج، فإن الناقد بصير، مالك والتوكل؟ ثم قال: أل التوكل: أن ترد عليك
موارد الفاقات فلا تسمو نفسك إلا إلى من إليه الكفايات.
وقيل: التوكل: نفي الشكوك، والتفويض إلى ملك الملوك.
وقيل: دخل جماعة على الجنيد رحمه الله، فقالوا: أين نطلب الرزق؟ فقال:إن علمتم في أي موضوع هو،
فقالوا: ندخل البيت فنتوكل؟ فقال: التجربة شك.
قالوا: فما الحيلة؟ فقال: ترك الحيلة.
وقال أبو سليمان الداراني لأحمد بن الحواري: يا أحمد، إن طرق الآخرة كثيرة، وشيخك عارف بكثير
منها إلا هذا التوكل المبارك، فإني ما شممت منه رائحة.
وقيل: التوكل: الثقة بما في يد الله تعالى، واليأس عما في أيدي الناس وقيل التوكل: فراغ السر عن التفكر
في التقاضي في طلب الرزق.
وسئل الحارث المحاسبي، رحمه الله، عن المتوكل: هل يلحقه طمع؟ فقال: يلحقه من طريق الطباع
خطرات، ولا تضره شيئاً، ويقويه على إسقاط الطمع اليأس مما في أيدي الناس.
وقيل: جاع النوري في البادية، فهتف به هاتف: أيما أحب? إليك: سبب أو كفاية.
فقال: الكفاية ليس فوقها ?اية، فبقي سبعة عشر يوماً لم يأكل.
وقال أبو علي الروذباري: إذا قال الفقير بعد خمسة أيام: أنا جائع، فالزموه السوق، ومروه بالعمل
والكسب.
وقيل: نظر أبو تراب النخشبي إلى صوفي مد يده إلى قشر بطيخ ليأكله بعد ثلاثة أيام.
فقال له: لا يصلح لك التصوف إلزم السوق.
الرسالة القشيرية-القشيري 155
وقال أبو يعقوب الأقطع البصري: جعت مرة بالحرم عشرة أيام فوجدت ضعفاً. فحدثتني نفسي،
فخرجت إلى الوادي، لعلي أَجد شيئاً يسكن ضعفي.. فرأيت سلجمة مطروحة.. فأخذ?ا.. فوجدت في
قلبي منها وحشة. وكأن قائلاً يقول لي: جعت عشرة أيام وآخره يكون حظك سلجمة متغيرة. فرميت
?ا ودخلت المسجد فقعدت، فإذا أنا برجل أعجمي، جلس بين يدي ووضع قمطرة، وقال: هذه لك.
فقلت: كيف خصصتني ?ا؟ فقال: أعلم أنا كنا في البحر منذ عشر أيام. وأشرفت السفينة على الغرق::
فنذر كل واحد منا: إن خلصنا الله، تعالى، أن يتصدق بشيء، ونذرت أنا: إن خلصني الله تعالى أن
أتصدق ?ذه على أول من يقع بصري عليه من ا?اورين وأنت أو ُ ل من لقيته.
فقلت: افتحها ففتحها، فإذا فيها: كعك سميد مصري، ولوز مقشور، وسكر كعاب فقبضت قبضته من
ذا، وقبضة من ذا، وقبضة من ذا.
وقلت رد? الباقي إلى صبيانك، هو هدية مني لكم، وقد قبلتها.
ثم قلت في نفسي: رزقك يسير إليك من عشرة أيام وأنت تطلبه من الوادي..
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: كنت عند ممشاد
الدينوري، فجرى حيث الد?ين، فقال: كان علي دين. فاشتغل قلبي. فرأيت في النوم كأن قائلاً يقول: يا
بخيل، أخذت علينا هذا المقدار، خذ؛ عليك الأخذ، وعلينا العطاء فما حاسبت بعد ذلك بقالاً، ولا
قصاباً، ولا غيرهم.
ويحكى عن بنان الحمال، قال: كنت في طريق مكة حرسها الله أجيء من مصر، ومعي زاد، فجاءتني
امرأة، وقالت لي: يا بنان، أنت حمال تحمل على ظهرك الزاد، وتتوهم أنه لا يرزقك؟؟. قال فرميت
بزادي. ثم أتي على ثلاث لم آكل فوجدت خلخالا في الطريق.. فقلت في نفسي: أحمله حتى يجيء
صاحبه، فربما يعطيني شيئاً فأرده عليه فإذا أنا بتلك المرأة، فقالت لي: أنت تاجر؟؟ تقول: حتى يجيء
صاحبه فآخذ منه شيئاً؟ ثم رمت إليه شيئاً من الدراهم، وقالت: أنفقها فاكتفيت ?ا إلى قريب من مكة.
ويحكى عن بنان أنه أحتاج إلى جارية تخدمه، فانبسط إلى إخوانه فجمعوا له ثمنها، وقالوا: هو ذا، يجيء
النفر فتشتري ما يوافقك.
فلما ورد النفر، اجتمع رأيهم على واحدة، وقالوا: إ?ا تصلح له.
فقالوا لصاحبها: بكم هذه؟ فقال: إ?ا ليست للبيع: فالحوا عليه، فقال: إ?ا لبنان الحمال، أهد?ا إليه امرأة
من سمرقند فحملت إلى بنان، وذكرت له القصة.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن الحسين المخزومي يقول: حدثنا أحمد بن محمد بن صالح
الرسالة القشيرية-القشيري 156
قال: حدثنا محمد بن عبدون، قال: حدثنا الحسن الخياط قال: كنت عند بشر الحافيِّ، فجاء نفر فسلموا
عليه، فقال: من أين أنتم.
قالوا: نحن من الشام جئنا لنسلم عليك، ونريد الحج.
فقال: شكر الله تعالى لكم فقالوا: تخرج معنا. فقال: بثلاث شرائط لا تحمل معنا شيئاً، ولا نسأل أحد?
شيئاً، وإن أعطانا أحد شيئاً لا نقبله؟ قالوا: أما أن لا نحمل، فنعم. وأما أن لا نسأل، فنعم، وأما أن لا
نقبل إن أعطينا، فهذا لا نستطيعه.
فقال: خرجتم متوكلين على زاد الحجيج: ثم قال: يا حسن، الفقراء ثلاثة: فقير لا يسأل، وإن أعطى لا
يأخذ، فذاك من جملة الروحانيين.
وفقير لا يسأل، وإن أعطي قبل، فذاك مما يوضع له موائد في حظائر القدس.
وفقير يسأل، وإن أعطي قبل قدر الكفاية، فكفارته صدقة.
وقيل لحبيب العجمي: لم تركت التجارة؟ فقال: وجدت الكفيل ثقة.
وقيل: كان في الزمن الأول رجل في سفر ومعه قرص، فقال: إن أكلت مت.
فوكل الله تعالى به ملكاً، وقال: إن أكله فارزقه، وإن لم يأكله فلا تطه غيره، فلم يزل القرص معه حتى
مات، ولم يأكل، وبقي عنده القرص.
وقيل: من وقع في ميدان التفويض يزف إليه المراد كما نزف العروس إلى أهلها، والفرق بين التضييع
والتفويض: أن التضييع في حق الله تعالى، وذلك مذموم،والتفويض في حقك، وهو محمود.
وقال عبد الله بن المبارك: من أخذ فلساً من حرام. فليس بمتوكل.
سمعت محمد بن عبد الله الصوفي، رحمه الله، يقول سمعت نصر بن أبي نصر العطار يقول: سمعت علياً بن
محمد المصري يقول: سمعت أبا سعيد الخراز يقول: دخلت البادية مرة بغير زاد، فأصابتني فاقة، فرأيت
المرحلة من بعيد، فسررت بأني وصلت. ثم فكرت في نفسي: أني سكنت واتكلت على غيره، فآليت أن
لا أدخل المرحلة إلا أن أحمل إليها فحفرت لنفسي في الرمل حفرة. وداريت جسدي فيها إلى صدري،
فسمعوا صوتاً في نصف الليل عالياً يقول: يا أهل المرحلة، إن الله تعالى ولياً، حبس نفسه في هذا الرمل؛
فألحقوه.
فجاءني جماعة فاخرجوني وحملوني إلى القرية.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن الحسين المخزومي يقول: سمعت
ابن المالكي يقول: قال أبو حمزة الخراساني: حججت سنة من السنين، فبينما أنا أمشي في الطريق، إذ
وقعت في بئر فنازعتني نفسي أن أستغيث، فقلت: لا والله، لا استغيث فما استتمت هذا الخاطر حتى مر
الرسالة القشيرية-القشيري 157
برأس البئر رجلان: فقال أحدهما للآخر: تعالي حتى نسد رأس هذه البئر، لئلا يقع فيها أحد.. فأتوا:
بصب وباربة، وطمو رأس البئر، فهممت أن أصيح ثم قلت في نفسي: أصيح إلى من هو أقرب منهما!!.
وسكنت، فبينما أنا بعد ساعة، إذ أنا بشيء جاء.. وكشف عن رأس البئر، وأدلى رجله، وكأنه يقول لي:
تعلق بي، في همهمة له كنت أعرف ذلك منه، فتعلقت به.. فأخرجني، فإذا هو سبع، فمر. وهتف بي
هاتف: يا أبا حمزة، أليس هذا أحسن!! نجيناك من التلف بالتلف فمشيت وأنا أقول:
أهابك أن أبدي إليك الذي أخفي وسري يبدي ما يقول له طرفي
نهاني حيائي منك أن أكتم الهوي وأغنيتني بالفهم منك عن الكشف
وتلطف في أمري. فأبديت شاهدي إلى غائبي واللطف يدرك باللطف
تراءيت لي بالغيب، حتى كأنما تبشرني في الغيب أنك في الكف
اراك وبي من هيبتي لك وحشة فتؤنسني باللطف منك وبالعطف
وتحيي محباً أنت في الحب حتفه وذا عجب كون الحياة مع الحتف
سمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا سعدان التاهرتي
يقول: سمعت حذيفة المرعشي يقول: وكان قد خدم إبراهيم بن أدهم، وصحبه، فقيل له: ما أعجب ما
رأيت منه؟ فقال: بقينا في طريق مكة أياماً لم نجد طعاماً، ثم دخلنا الكوفة، فأوينا إلى مسجد خراب،
فنظر إلى إبراهيم بن أدهم، وقال: يا حذيفة، أرى بك أثر الجوع!! فقلت: هو ما رأة الشيخ. فقال علي?
بدواة، وقرطاس.
فجئت به، فكتب: "بسم الله الرحمن الرحيم، أنت المقصود إليه بكل حال"، والمشار إليه بكل معنى:
أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر أنا جائع أنا نائع أنا عاري
هي ستة وأنا الضمين لنصفها فكن الضمين لنصفها يا باري
مدحي لغيرك لهب نار خضتها فأجر عبيدك من دخول النار
والنار عندي كالسؤال فهل ترى أن لاتكلفني دخول النار
ثم دفع إلى الرقعة: قال: أخرج، ولا تعلق قلبك بغير الله تعالى، وادفع الرقعة إلى أول من يلقاك.
قال: فخرجت.. فأول من لقيني رجل كان على بغلة، فدفعتها إليه، فأخذها وبكى، وقال: ما فعل
صاحب هذه الرقعة؟ فقلت: هو في المسجد الفلاني.
فدفع إلي صرة فيها ستمائة دينار.
ثم لقيت رجلاً آخر، فقلت له: من صاحب هذه البغلة؟ فقال لي: هو نصراني فجئت إلى إبراهيم بن
أدهم، وأخبرته بالقصة، فقال: لا تمسها، فإنه يجيء الساعة.
فلما كان بعد ساعة، وافى النصراني؛ وأكب على رأس إبراهيم بن أدهم وأسلم.
قال الله عز وجل: "ومن يتوكل على الله فهو حسيه".
وقال: "وعلى الله فليتوكل المؤمنون".
وقال: "وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين".
أخبرنا الإمام أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر بن أحمد الأصبهاني قال:
حدثنا يونسف بن حبيب بن عبد القاهر قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا بن سلمة، عن
عاصم بن ?دلة، عن زر بن حبيش؛ عن عبد الله بن مسعود؛ رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: "أريت الأمم بالموسم، فرأيت أمتي قد ملئوا السهل والجبل، فأعجبني كثر?م وهيئتهم، فقيل
لي: أرضيت؟ فقلت: نعم. قال: ومع هؤلاء سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، لا يكتوون، ولا
يتطيرون، ولا يسترقون، وعلى ر?م يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن الأسدي، فقال: يا رسول الله، أدع
أن يجعلني منهم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم? اجعله منهم.
فقال آخر، فقال: أدع الله أن يجعلني منهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "سبقك ?ا عكاشة".
سمعت عبد الله بن يوسف الأصبهاني يقول: سمعت أبا نصر السراج يقول: سمعت أبا بكر الوجيهي يقول:
قال أبو علي الروذباري قلت: لعمرو بن سنان: أحك عن سهل بن عبد الله حكاية،فقال إنه قال: علامة
المتوكل ثلاث لا يسأل، ولا يرد، ولا يحبس.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله يقول: سمعت منصور ابن عبد الله يقول: سمعت أبا عبد
الله الشرازي يقول: سمعت أبا موسى الديبلي يقول: قيل لأبي يزيد؛ ما التوكل؟ فقال لي: ما تقول أنت؟
فقلت: إن أصحابنا يقولون: لو أن السباع والأفاعي عن يمينك ويسارك ما تحرك لذلك سرك.
الرسالة القشيرية-القشيري 150
فقال أب يزيد: نعم؛ هذا قريب؛ ولكن لو أن أهل الجنة في الجنة ينتعمون وأهل النار في النار يعذبون: ثم
وقع لك تمييز عليهما خرجت من جملة التوكل.
وقال سهل بن عبد الله: أول مقام في التوكل: نيكون العبد بين يدين الله عز? وجل كالميت بين يدي
الغاسل، يقلبه كيف شاء؛ لا يكون له حركة ولا تدبير.
وقال حمدون: التوكل: هو الاعتصام بالله تعالى.
سمعت محمد بن الحسين يقول:سمعت أبا بكر محمد بن أحمد البلخي يقول: سمعت محمد بن حامد يقول:
سمعت أحمد خضرويه يقول: قال رجل لحاتم الأصم?: من أين تأكل؟
فقال: "ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون".
واعلن أن التوكل محله القلب، والحركة بالظاهر لا تنافي التوكل بالقلب، بعدما تحقق العبد أن التقدير من
قبل الله تعالى؛ فإن تعسر شيء فبتقديره، وإن اتفق شيء فبتيسيره.
أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان قال: حدثنا أحمد بن عبيد البصري قال: حدثنا غيلان بن عبد الصمد قال:
حدثنا إسماعيل بن مسعود الجحدري قال: حدثنا خالد بن يحيى قال: حدثنا عمي المغيرة بن أبي قرة، عن
أنس بن مالك قال: "جاء رجل على ناقة له، يا رسول الله، أد?عها وأتوكل؟. فقال: اعقلها وتوكلَّ".
وقال إبراهيم الخواص:من صح? توكله في نفسه، صح? توكله في غيره.
وقال بشر الجافي: يقول أحدهم: توكلت على الله، ويكذب على الله تعالى، لو توكلَّ على الله لرضي بما
يفعله الله به.
وسئل يحيى بن معاذ: متى يكون الرجل متوكلاً؟ فقال: إذا رضي بالله تعالى وكيلاً.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت محمد ابن علي بن الحسين يقول: سمعت
عبد الله بن محمد بن الصامت يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: بينما أنا أسير في البادية، وإذا ?اتف
يهتف، فالتفت إليه، فإذا أعرابي يسير فقال لي: يا إبراهيم: التوكل عندنا: أقم عندنا حتى يصح توكلك،
ألم تعلم أن رجاءك لدخول بلد فيه أطعمة يحملك؟، إقطع رجاءك عن البلدان، وتوكل.
وسمعته يقول سمعت محمد بن أحمد الفلاسي يقول: سمعت ابن عطاء، وقد سئل عن حقيقة التوكل، فقال:
أن لا يظهر فيك انزعاج إلى الأسباب مع شدة فاقتك إليها، ولا تزول عن حقيقة السكون إلى الحق مع
وقوفك عليها.
سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السر?اج يقول: شرط التوكل ما قاله أبو تراب النخشبي،
وهو: طرح البدن في العبودية، وتعّلق القلب بالربوبية، والطمأنينة إلى الكفاية، فإن أعطى شكر وإن منع
صبر.
الرسالة القشيرية-القشيري 151
وكما قال ذو النون: التوكل: ترك تدبير النفس، والإنخلاع منالحول والقوة، وإنما يقوي العبد على التوكل
إذا علم أن الله سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمت أبا الفرج الورثاني يقول: سمعت أحمد بن محمد القرمسيني يقول:
سمعت الكتانيِّ يقول: سمعت أبا جعفر ابن أبيالفرج يقول: رأيت رجلاًُ يعرف بجمل عائشة مع الشطار
يضرب بالسياط، فقلت له: أي? وقت يكون ألم الضرب عليكم أسهل؟ فقال: إذا كان م ? ن ضربنا لأجله
يرانا.
وسمعته يقول: سمعت عبد الله بن محمد يقول: قال الحسين بن منصور لإبراهيم الخواص: ماذا صنعت في
هذه الأسفار، وقطع هذه المفوز؟ قال بقيت في التوكل أصحح نفسي عليه.
فقال الحسين: أفنيت ? عمرك في عمران باطنك، فأين الفناء في التوحيد.
سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السر?اج يقول: التوكل: ما قاله أبو بكر الدقاق، وهو:
رد العيش إلى يوم واحد، واسقاط هم? غد.
قال: وهو: كما قال سهل بن عبد الله، التوكل: الاسترسال مع الله تعالى، على ما يريد.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت محمد ابن جعفر بن محمد يقول سمعت أبا
بكر البرذعي يقول: سمعت أبا يعقوب النهرجوري يقول: الوكل على الله تعالى بكمال الحقيقة، ما وقع
لإبراهيم، عليه السلام، في الوقت الذي قال لجبريل، عليه السلام: أما إليك فلا، لأنه غابت نفسه بالله
تعالى، فلم يرمع الله غير الله عز? وجلَّ.
وسمعت يقول: سمعت سعيد بن أحمد بن محمد يقول سمعت محمد بن أحمد بن سهل يقول، سمعت سعيد
بن عثمان الخياط يقول، سمعت ذا النون المصري، وسال رجل فقال، ما التوكل. فقال: خلع الأرباب
وقطع الأسباب.
فقال السائل: زدني.
فقال: إلقاء النفس في العبودية وإخراجها من الربوبية.
وسمعته يقول: سمعت عبد الله بن محمد المعلم يقول. سمعت عبد الله ابن المبارك يقول: سمعت حمدون
القصار، وسئل عن التوكل، فقال: إن كان لك عشرة آلاف درهم، وعليك دانق دين، لم تأمن أن تموت
ويبقى ذلك في عنقك، ولو كان عليك عشرة آلاف درهم دين،ومن غير أن تترك لهاوفاء، لا تيأس من الله
تعالى أن يقضيه عنك.
وسئل أبو عبد الله القرشي عن التوكل فقال: التعلق بالله تعالى في كل حال.
فقال السائل: زدني. فقال: ترك كل سبب يوص?ل إلى سبب حتى يكون الحق هو المتولىِّ لذلك.
الرسالة القشيرية-القشيري 152
وقال سهل بن عبد الله: التوكل حال النبي صلى الله عليه وسلم، والكسب? سنته؛ فمن بقي على حاله،
فلا يتركن سنت?ه: وقال أبو سعيد الخراز: التوكل: اضطراب بلا سكون، وسكون بلا اضطراب.
وقيل: التوكل: أن يستوي عندك الإكثار والتقلل.
وقال ابن مسروق: التوكُّل: الاستسلام لجريان القضاء والأحكام.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الله الرازي? يقول: سمعت أبا عثمان الحيري يقول: التوكل:
الاكتفاء بالله، تعالى، مع الاعتماد عليه.
وسمعته: يقول: سمعت محمد بن غالب يحكي عن الحسين بن منصور قال: المتوكل المحق لا يأكل شيئاً وفي
البلد من هو أحق به منه.
وسمعته يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت منصور بن أحمد الحربي يقول حكي لنا ابن أبي شيخ
قال: سمعت عمر بن سنان يقول: اجتاز بنا إبراهيم الخواص، فقلنا له: حدثنا بأجب ما رأيته في أسفارك،
فقال: لقيني الخضر عليه السلام، فسألني الصحبة، فخشيت أن ?يفسد علي? توكلي بسكوني إليه. ففارقته.
وسئل سهل بن عبد الله عن التوكل، فقال: هو قلب عاش مع الله تعالى بلا علاقة.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقَّاق، رحمه الله، يقول: للمتوكل ثلاث درجات: التوكل، ثم التسليم، ثم
التفويض.
فالمتوكل يسكن إلى وعده، وصاحب التسليم يكتفي بعلمه وصاحب التفويض يرضي بحكمه.
وسمعته يقول: التوكل: بداية، والتسليم: واسطة، والتفويض ?اية.
وسئل الدقاق عن التوكل، فقال: الأكل بلا طمع.
وقال يحيى بن معاذ: لبس الصوف حانوت، والكلام في الزهد حرفة، وصحبة القوافل تعرض، وهذه كلها
علاقات.
وجاء رجل إلى الشبلي يشكو إليه كثرة العيال، فقال: ارجع إلى بيتك، فمن ليس رزقه على الله، تعالى،
فاطرده عنك.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت أحمد بن
عطاء يقول: قرأت على محمد بن الحسين؛ قال سهل بن عبد الله: من طعن في الحركة فقد طعن في السنة،
ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان.
وسمعته يقول: سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول: سمعت جعفراً الخلدي يقول: قال إبراهيم الخواص:
كنت في طريق مكة، فرأيت شخصاً وحشياً.. فقلت: جنى أم نسي؟ فقال: جنى. فقلت إلى أين؟ فقال:
الرسالة القشيرية-القشيري 153
إلى مكة. فقلت: بلازاد؟ فقال. فينا أيضاً من يسفر على التوكل فقلت: إيش الوكل؟ فقال: الأخذ من الله
تعالى.
وسمته يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: سمعت الفرغاني يقول: كان إبراهيم الخواص مجرداً في
التوكل، يدقق فيه، وكان لا يفارقه إبرة وخيوط وكورة. ومقراض فقيل له: يا أبا اسحاق، لم تحمل هذا
وأنت تمتنع من كل شيء؟ فقال: مثل هذا لا ينقض التوكل، لأن الله، سبحانه، علينا فرائض، والفقير لا
يكون عليه غلا ثوب واحد؛ فرب?ما يت?خرق ثوبه، فإن لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته، فتفسد عليه
صلاته، وإذا لم يكن معه ركوة تفسد عليه طهارته، فإذا رأيت? الفقير بلا ركوة ولا إبرة، ولا خيوط،
فا?مه في صلاته.
وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله؛ يقول: التوكل: صفة المؤمنين، والتسليم: صفة الأولياء،
والتفويض: صفة الموحد?ين، فالتوكل: صفة العوام?، والتسليم: صفة الخواص: والتفويض صفة خواص
الخواص.
وسمعته يقول؛ التوكل صفة الأنبياء، والتسليم صفة إبراهيم عليه السلام، والتفويض: صفة نبينا محمد صلى
الله عليه وسلم.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول سمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول:
سمعت أبا جعفر الحد?اد يقول: مكثت بضع عشرة سنة أعتقد التوكل وأنا أعمل في السوق، وآخذ كل
يوم أجرتي؛ ولا أنتفع منها بشربة ماء، لا بدخلة حمام ولكن كنت أجيء بأجرتي إلى الفقراء في الشونزية
وأكون مستمراً على حالي.
وسمعته يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت الخواص? يقول: سمعت الحسين أخا
سنان يقول: حججت اربع عشرة حجة، حافياً، على التوكل، فكان يدخل في رجلي شوكة فأذكر أني
قد اعتقدت على نفسي التوكل، فأحكها في الأرض وأمشي.
وسمعته يقول: سمعت محمد بن عبد الله الواعظ يقول: سمعت خيراً لنساج يقول: سمعت أب حمزة يقول:
إني لأستحي من الله تعالى أن أدخل مادية وأنا شبعان، وقد اعتقدت التوكل، لئلا يكون سعي على الشبع
زاداً أتزود به.. وسئل حمدون التوكل. فقال:
تلك درجة لم أبلغها بعد، وكيف يتكلم في التوكل من لم يصح له حال الإيمان؟ وقيل: المتوكل كالطفل،
لا يعرف شيئاً يأوي إليه إلا ثدي أمه، كذلك المتوكل لا يهتدي إلى إلى ربه تعالى.
وعن بعضهم قال؟ كنت في البادية فتقدمت القافلة فرأيت قدامي واحداً. فتسارعت حتى أدركته، فإذا
هي امرأة بيدها عكاز، تمشي على التؤدة.. فظننت أ?ا أعيت، فأدخلت يدي في جيبي، فأخرجت عشرين
الرسالة القشيرية-القشيري 154
درهما، فقلت: خذيها وامكثي حتى تلحقك القافلة فتكتري ?ا. ثم ائتيني الليلة حتى أصلح أمرك.
فقالت: بيدها هكذا في الهواء، فإذا في كفها دنانير، فقالت: أنت أخذت الدراهممن الجيب، وأنا أخذت
الدنانير من الغيب.
ورأى أبو سليمان الداراني رجلاً بمكة، لا يتناول شيئاً إلا شربة من ماء زمزم، فمضى عليه أيام، فقال له
سليمان يوماً: أرأيت لو غارت زمزم إيش كنت تشرب؟ فقام، وقبل رأسه، وقال: جزاك الله خيراً، حيث
أرشدتني، فإني كنت أعبد زمزم منذ أيام. ومضى.
وقال إبراهيم الخواص: رأيت في طريق الشام شاباً حدثاً، حسن المراعاة، فقال لي: هل لك في الصحبة؟
فقلت: إني أجوع. فقال: إن جعت? جعت معك.
فبقينا أربعة أيام، ففتح علينا بشيء، فقلت: هلم. فقال: اعتقدت أني لا آخذ بواسطة فقلت: يا غلام
دققت. فقال: يا إبراهيم، لا تتبهرج، فإن الناقد بصير، مالك والتوكل؟ ثم قال: أل التوكل: أن ترد عليك
موارد الفاقات فلا تسمو نفسك إلا إلى من إليه الكفايات.
وقيل: التوكل: نفي الشكوك، والتفويض إلى ملك الملوك.
وقيل: دخل جماعة على الجنيد رحمه الله، فقالوا: أين نطلب الرزق؟ فقال:إن علمتم في أي موضوع هو،
فقالوا: ندخل البيت فنتوكل؟ فقال: التجربة شك.
قالوا: فما الحيلة؟ فقال: ترك الحيلة.
وقال أبو سليمان الداراني لأحمد بن الحواري: يا أحمد، إن طرق الآخرة كثيرة، وشيخك عارف بكثير
منها إلا هذا التوكل المبارك، فإني ما شممت منه رائحة.
وقيل: التوكل: الثقة بما في يد الله تعالى، واليأس عما في أيدي الناس وقيل التوكل: فراغ السر عن التفكر
في التقاضي في طلب الرزق.
وسئل الحارث المحاسبي، رحمه الله، عن المتوكل: هل يلحقه طمع؟ فقال: يلحقه من طريق الطباع
خطرات، ولا تضره شيئاً، ويقويه على إسقاط الطمع اليأس مما في أيدي الناس.
وقيل: جاع النوري في البادية، فهتف به هاتف: أيما أحب? إليك: سبب أو كفاية.
فقال: الكفاية ليس فوقها ?اية، فبقي سبعة عشر يوماً لم يأكل.
وقال أبو علي الروذباري: إذا قال الفقير بعد خمسة أيام: أنا جائع، فالزموه السوق، ومروه بالعمل
والكسب.
وقيل: نظر أبو تراب النخشبي إلى صوفي مد يده إلى قشر بطيخ ليأكله بعد ثلاثة أيام.
فقال له: لا يصلح لك التصوف إلزم السوق.
الرسالة القشيرية-القشيري 155
وقال أبو يعقوب الأقطع البصري: جعت مرة بالحرم عشرة أيام فوجدت ضعفاً. فحدثتني نفسي،
فخرجت إلى الوادي، لعلي أَجد شيئاً يسكن ضعفي.. فرأيت سلجمة مطروحة.. فأخذ?ا.. فوجدت في
قلبي منها وحشة. وكأن قائلاً يقول لي: جعت عشرة أيام وآخره يكون حظك سلجمة متغيرة. فرميت
?ا ودخلت المسجد فقعدت، فإذا أنا برجل أعجمي، جلس بين يدي ووضع قمطرة، وقال: هذه لك.
فقلت: كيف خصصتني ?ا؟ فقال: أعلم أنا كنا في البحر منذ عشر أيام. وأشرفت السفينة على الغرق::
فنذر كل واحد منا: إن خلصنا الله، تعالى، أن يتصدق بشيء، ونذرت أنا: إن خلصني الله تعالى أن
أتصدق ?ذه على أول من يقع بصري عليه من ا?اورين وأنت أو ُ ل من لقيته.
فقلت: افتحها ففتحها، فإذا فيها: كعك سميد مصري، ولوز مقشور، وسكر كعاب فقبضت قبضته من
ذا، وقبضة من ذا، وقبضة من ذا.
وقلت رد? الباقي إلى صبيانك، هو هدية مني لكم، وقد قبلتها.
ثم قلت في نفسي: رزقك يسير إليك من عشرة أيام وأنت تطلبه من الوادي..
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: كنت عند ممشاد
الدينوري، فجرى حيث الد?ين، فقال: كان علي دين. فاشتغل قلبي. فرأيت في النوم كأن قائلاً يقول: يا
بخيل، أخذت علينا هذا المقدار، خذ؛ عليك الأخذ، وعلينا العطاء فما حاسبت بعد ذلك بقالاً، ولا
قصاباً، ولا غيرهم.
ويحكى عن بنان الحمال، قال: كنت في طريق مكة حرسها الله أجيء من مصر، ومعي زاد، فجاءتني
امرأة، وقالت لي: يا بنان، أنت حمال تحمل على ظهرك الزاد، وتتوهم أنه لا يرزقك؟؟. قال فرميت
بزادي. ثم أتي على ثلاث لم آكل فوجدت خلخالا في الطريق.. فقلت في نفسي: أحمله حتى يجيء
صاحبه، فربما يعطيني شيئاً فأرده عليه فإذا أنا بتلك المرأة، فقالت لي: أنت تاجر؟؟ تقول: حتى يجيء
صاحبه فآخذ منه شيئاً؟ ثم رمت إليه شيئاً من الدراهم، وقالت: أنفقها فاكتفيت ?ا إلى قريب من مكة.
ويحكى عن بنان أنه أحتاج إلى جارية تخدمه، فانبسط إلى إخوانه فجمعوا له ثمنها، وقالوا: هو ذا، يجيء
النفر فتشتري ما يوافقك.
فلما ورد النفر، اجتمع رأيهم على واحدة، وقالوا: إ?ا تصلح له.
فقالوا لصاحبها: بكم هذه؟ فقال: إ?ا ليست للبيع: فالحوا عليه، فقال: إ?ا لبنان الحمال، أهد?ا إليه امرأة
من سمرقند فحملت إلى بنان، وذكرت له القصة.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن الحسين المخزومي يقول: حدثنا أحمد بن محمد بن صالح
الرسالة القشيرية-القشيري 156
قال: حدثنا محمد بن عبدون، قال: حدثنا الحسن الخياط قال: كنت عند بشر الحافيِّ، فجاء نفر فسلموا
عليه، فقال: من أين أنتم.
قالوا: نحن من الشام جئنا لنسلم عليك، ونريد الحج.
فقال: شكر الله تعالى لكم فقالوا: تخرج معنا. فقال: بثلاث شرائط لا تحمل معنا شيئاً، ولا نسأل أحد?
شيئاً، وإن أعطانا أحد شيئاً لا نقبله؟ قالوا: أما أن لا نحمل، فنعم. وأما أن لا نسأل، فنعم، وأما أن لا
نقبل إن أعطينا، فهذا لا نستطيعه.
فقال: خرجتم متوكلين على زاد الحجيج: ثم قال: يا حسن، الفقراء ثلاثة: فقير لا يسأل، وإن أعطى لا
يأخذ، فذاك من جملة الروحانيين.
وفقير لا يسأل، وإن أعطي قبل، فذاك مما يوضع له موائد في حظائر القدس.
وفقير يسأل، وإن أعطي قبل قدر الكفاية، فكفارته صدقة.
وقيل لحبيب العجمي: لم تركت التجارة؟ فقال: وجدت الكفيل ثقة.
وقيل: كان في الزمن الأول رجل في سفر ومعه قرص، فقال: إن أكلت مت.
فوكل الله تعالى به ملكاً، وقال: إن أكله فارزقه، وإن لم يأكله فلا تطه غيره، فلم يزل القرص معه حتى
مات، ولم يأكل، وبقي عنده القرص.
وقيل: من وقع في ميدان التفويض يزف إليه المراد كما نزف العروس إلى أهلها، والفرق بين التضييع
والتفويض: أن التضييع في حق الله تعالى، وذلك مذموم،والتفويض في حقك، وهو محمود.
وقال عبد الله بن المبارك: من أخذ فلساً من حرام. فليس بمتوكل.
سمعت محمد بن عبد الله الصوفي، رحمه الله، يقول سمعت نصر بن أبي نصر العطار يقول: سمعت علياً بن
محمد المصري يقول: سمعت أبا سعيد الخراز يقول: دخلت البادية مرة بغير زاد، فأصابتني فاقة، فرأيت
المرحلة من بعيد، فسررت بأني وصلت. ثم فكرت في نفسي: أني سكنت واتكلت على غيره، فآليت أن
لا أدخل المرحلة إلا أن أحمل إليها فحفرت لنفسي في الرمل حفرة. وداريت جسدي فيها إلى صدري،
فسمعوا صوتاً في نصف الليل عالياً يقول: يا أهل المرحلة، إن الله تعالى ولياً، حبس نفسه في هذا الرمل؛
فألحقوه.
فجاءني جماعة فاخرجوني وحملوني إلى القرية.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن الحسين المخزومي يقول: سمعت
ابن المالكي يقول: قال أبو حمزة الخراساني: حججت سنة من السنين، فبينما أنا أمشي في الطريق، إذ
وقعت في بئر فنازعتني نفسي أن أستغيث، فقلت: لا والله، لا استغيث فما استتمت هذا الخاطر حتى مر
الرسالة القشيرية-القشيري 157
برأس البئر رجلان: فقال أحدهما للآخر: تعالي حتى نسد رأس هذه البئر، لئلا يقع فيها أحد.. فأتوا:
بصب وباربة، وطمو رأس البئر، فهممت أن أصيح ثم قلت في نفسي: أصيح إلى من هو أقرب منهما!!.
وسكنت، فبينما أنا بعد ساعة، إذ أنا بشيء جاء.. وكشف عن رأس البئر، وأدلى رجله، وكأنه يقول لي:
تعلق بي، في همهمة له كنت أعرف ذلك منه، فتعلقت به.. فأخرجني، فإذا هو سبع، فمر. وهتف بي
هاتف: يا أبا حمزة، أليس هذا أحسن!! نجيناك من التلف بالتلف فمشيت وأنا أقول:
أهابك أن أبدي إليك الذي أخفي وسري يبدي ما يقول له طرفي
نهاني حيائي منك أن أكتم الهوي وأغنيتني بالفهم منك عن الكشف
وتلطف في أمري. فأبديت شاهدي إلى غائبي واللطف يدرك باللطف
تراءيت لي بالغيب، حتى كأنما تبشرني في الغيب أنك في الكف
اراك وبي من هيبتي لك وحشة فتؤنسني باللطف منك وبالعطف
وتحيي محباً أنت في الحب حتفه وذا عجب كون الحياة مع الحتف
سمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا سعدان التاهرتي
يقول: سمعت حذيفة المرعشي يقول: وكان قد خدم إبراهيم بن أدهم، وصحبه، فقيل له: ما أعجب ما
رأيت منه؟ فقال: بقينا في طريق مكة أياماً لم نجد طعاماً، ثم دخلنا الكوفة، فأوينا إلى مسجد خراب،
فنظر إلى إبراهيم بن أدهم، وقال: يا حذيفة، أرى بك أثر الجوع!! فقلت: هو ما رأة الشيخ. فقال علي?
بدواة، وقرطاس.
فجئت به، فكتب: "بسم الله الرحمن الرحيم، أنت المقصود إليه بكل حال"، والمشار إليه بكل معنى:
أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر أنا جائع أنا نائع أنا عاري
هي ستة وأنا الضمين لنصفها فكن الضمين لنصفها يا باري
مدحي لغيرك لهب نار خضتها فأجر عبيدك من دخول النار
والنار عندي كالسؤال فهل ترى أن لاتكلفني دخول النار
ثم دفع إلى الرقعة: قال: أخرج، ولا تعلق قلبك بغير الله تعالى، وادفع الرقعة إلى أول من يلقاك.
قال: فخرجت.. فأول من لقيني رجل كان على بغلة، فدفعتها إليه، فأخذها وبكى، وقال: ما فعل
صاحب هذه الرقعة؟ فقلت: هو في المسجد الفلاني.
فدفع إلي صرة فيها ستمائة دينار.
ثم لقيت رجلاً آخر، فقلت له: من صاحب هذه البغلة؟ فقال لي: هو نصراني فجئت إلى إبراهيم بن
أدهم، وأخبرته بالقصة، فقال: لا تمسها، فإنه يجيء الساعة.
فلما كان بعد ساعة، وافى النصراني؛ وأكب على رأس إبراهيم بن أدهم وأسلم.
باب الجود والسخاء
قال الله عز? وجلّ: "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ?م خصاصة" .
أخبرنا علي? بن أحمد بن عبدان قال: أخبرنا أحمد بن عبيد قال: حدثنا الحسن بن العباس قال: حدثنا سهل
قال: حدثنا سعيد بن مسلم، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة، عن عائشة، رضي الله
عنهما، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السخس?: قريب من الله تعالى، قريب من الناس،
قريب من الجنة، بعيد عن النار.
والبخيل: بعيد من الله تعالى، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار.
والجاهل السخي? أحب إلى الله تعالى من العابد البخيل" .
قال الأستاذ: ولا فرق -على لسان القوم- بين الجود والسخاء، ولا يوصف الحق، سبحانه، بالسخاء
والسماحة؛ لعدم التوقيف.
وحقية الجود: أن لا يصعب عليه البذل.
وعند القوم، السخاء: هو الرتبة الأولى، ثو الجود بعده، ثم الإيثار؛ فمن أعطى البعض وأبقى البعض فهو
صاحب سخاء، ومن بذل الأكثر، وأبقى لنفسه شيئاً، فهو صاحب إيثار، كذلك سمعت الأستاذ أبا علي?
الدقاق، رحمه الله، يقول: أسماء بن خارجة: ما أحب? أن أرد أحداً عن حاجة طلبهامني؛ لأنه إن كان
كريماً أصون عرضه، وإن كان لئيما أصون عنه عرضي.
وقيل: كان مور?ق العجلي يتلطف في إدخال الرفق على إخوانه؛ يضع عندهم ألف درهم، فيقول:
أمسكوها عندكم حتى أعود إليكم. ثم يرسل إليهم: أنتم منها في حلّ.
وقيل: لقي رجل من أهل منبج رجلا من أهل المدينة، فقال: ممن الرجل؟ فقال: من أهل المدينة، فقال له:
لقد أتانا رجل منكم يقال له الحكم ابن عبد المطلب فأغنانا. فقال له المدني: وكيف؟ وما أتاكم إلا في
الرسالة القشيرية-القشيري 215
جبة صوف! فقال: ما أغنانا بمال، ولكنه علمنا الكرم. فعاد بعضنا على بعض حتى استغنينا.
سمعت الأستاذ أبا علي? الدقاق يقول: لما سعى غلام الخليل بالصوفية إلى الخليغة أمر بضرب أعناقهم؛ فأما
الجنيد فإنه تستر بالفقر، وكان بفتى علي مذهب أبي ثور ، وأما الشحام، والرقام، والنوري، وجماعة،
فقبض عليهم؛ فبسط الن?طع لضرب أعناقهم.. فتقدم النوري فقال له الس?ياف: تدري الى ماذا تبادر؟.
فقال: نعم فقال وما يعجلك؟ فقال أوثر علي? أصحابي بحياة ساعة.
فتحير السي?اف، وأ?ى الخبر إلىالخليفة، فردهم إلى القاضي؛ ليتعرف حالهم؛ فألقى القاضي على أبي
الحسين النوري مسائل فقهية، فأجابه الكل، ثم أخذ يقول: وبعد؛ فإنه لله عباداً قاموا بالله، وإذا نطقوا
نطقوا بالله، وسرد ألفاظاً أبكى ?ا القاضي فأرسل القاضي إلى الخليفة، وقال: إن كان هؤلاء زنادقة: فما
على وجه الأرض مسلم.
وقيل: كان علي? بن الفضيل يشتري من باعة المحلة؛ فقيل له: لو دخلت السوق فاسترخصت.
فقال: هؤلاء نزلوا بقربنا رجاء منفعتنا.
وقيل: بعث رجل إلى جبلة يجارية، وكان بين أصحابه، فقال: قبيح أن اتخذها لنفسي وأنتم حضور؛
وأكره أن أخص ?ا واحداً، وكلكم له حق وحرمة. وهذه لا تحتمل القسمة، وكانوا ثمانين؛ فأمر لكل
واحد بجارية أو وصيف.
وقيل: عطش عبيد الله بن أبي بكرة يوماً في طريقه، فاستسقى من مترل امرأة، فأخرجت له كوزاً، وقامت
خلف الباب، وقالت: تنحوا عن الباب، وليأخذه بعض غلمانكم، فإني امرأة من العرب: مات خادمي
منذ أيام، فشرب عبيد الله تسخر بي؟. فقال: احمل إليها عشرين ألف درهم. فقالت: اسأل الله تعالى
العافية. فقال: يا غلام أحمل إليها ثلاثين ألف درهم، فرد?ت الباب وقالت: أف لك. فحمل إليها ثلاثين
ألف درهم، فأخذ?ا فما أمست حتى كثر خطا?ا.
وقيل: الجود: إجابة الخاطر الأول:
سمعت بعض أصحاب أبي الحسن البوشنجي، رحمه الله، يقول: كان أبو الحسن البوشجني في الخلاء، فدعا
تلميذاً له، وقال له: انزع عني هذا القميص، وادفعه إلى فلان؛ فقيل له: هلا صبرت حتى تخرج من الخلاء؟
فقال: لم آمن على نفسي أن يتغير على ما وقع لي من التخلف منه بذلك القميص.
وقيل لقيس بن سعد بن عبادة: هل رأيت أحداً أسخى منك؟ فقال له: نعم؛ نزلنا بالبادية على امرأة،
فحضر زوجها، فقالت له: إنه نزل بك ضيفان، فجاء بناقة ونحرها، وقال: شأنكم ?ا..
فلما كان بالغد جاء بأخرى ونحرها، وقال: شأنكم ?ا، فقلنا: ما أكلنا من التي نحرت لنا البارحة إلا
اليسير: فقال: إني لاأطعم أضيافي الغاب. فبقينا عنده يومين أو ثلاثة، والسماء تمطر، وهو يفعل كذلك.
الرسالة القشيرية-القشيري 216
فلما أردنا الرحيل وضعنا له مائة دينار في بيته، وقلنا للمرأة: اعتذري لنا إليه.. ومضينا، فلما م?تع النهار
إذا نحن برجل يصيح خلفنا: قفوا أيها الركب اللئام: أعطيتموني ثمن قراي... ثم إنه لحقنا وقال: لنأخذنه،
وإلا طعنتكم برمحي هذا. فأخذناه وانصرف، فأنشأ يقول:
وإذا أخذت ثواب ما أعطيته فكفى بذاك لنائلٍ تكديرا
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله يقول: دخل أبو عبد الله الروزباري دار بعض أصحابه،
فوجده غائباً، وباب بيت له مقفل، فقال: صوفيَّ وله باب بيت مقفل!! كسروا القفل، فكسروا القفل
وأمر بجميع ما وجد في الدار والبيت، وأنفذه إلى السوق، وباعوه، وأصلحوا وقتاً من الثمن، وقعدوا في
الدار.. فدخل صاحب المترل ولم يمكنه أن يقول شيئاً.
فدخلت امرأته بعدهم الدار، وعليها كساء، فدخلت بيتاً، ورمت الكساء، وقالت: يا أصحابنا، هذا أيضاً
من جملة المتاع فبيعوه. فقال الزوج لها: لِم? تكلفت هذا باختيارك؟ فقالت له: اسكت، مثل هذا الشيخ
يباسطنا، ويحكم علينا، ويبقى لناشىء ندخره عنه؟ وقال بشر بن الحارث: النظر إلى البخيل يقسى القلب.
وقيل مرض قيس بن سعد بن عبادة، فاستبطأ إخوانه. فسأل عنهم، فقيل له: إ?م يستحيون مما لك عليهم
من الدين؛ فقال: أخزى الله مالا يمنع الإخوان من الزيارة!! ثم أمر من ينادي م?ن كان لقيس عليه دين فهو
منه في حل، فكسرت عتبته بالعشى، لكثرة ما عاده.
وقيل لعبد الله بن جعفر: إنك تبذل الكثير إذا سئلت، وتضن? في القليل إذا ?نجزت?.
فقال: إني أبذل مالي وأضن? بعقلي.
وقيل: خرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له.. فترل على نخيل قوم: وفيها غلام أسود يعمل فيها؛ إذ أتى
الغلام بقوته، فدخل كلب الخائط ودنا من الغلام، فرمى إليه الغلام بقرص، فأكله، ثم رمى إليه بالثاني،
والثالث، فأكله، وعبد الله بن جعفر ينظر إليه فقال له: يا غلام، كم ُقوتك كلَّ يوم؟ قال: ما رأيت: قال:
فلم آثرت هذا الكلب؟ قال: ما هي بأرض كلاب، نه جاء من مسافة بعيدة جائعاً، فكرهت رده.
قال: فما أنت صانع اليوم؟ قال له: أطوي يومي هذا. فقال عبد الله بن جعفر: أأَلام على السخاء؟! إنَّ
هذا الأسخى مني، فاشتري الحائط والغلام وما فيها من آلات، فأعتق الغلام ووهبها له.
وقيل: أتى رجل صديقاً له، ودق عليه الباب، فلما خرج إليه قال: لماذا جئتني؟ قال لأربعمائة درهم دين
ركبتني، فدخل الدار، ووزن له أربعمائة درهم وأخرجها إليه، ودخل الدار باكياً، فقالت له امرأته: هلا
تعللت حين شق عليك الإجابة؟! فقال: إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى أحتاج إلى مفاتحتي به.
وقال مطرف بن الشخير: ذا أراد أحدكم مني حاجة فليرفها في رقعة؟ فإني أكره أن أرى في وجهه ذلّ
الرسالة القشيرية-القشيري 217
الحاجة.
وقيل: أراد رجل أن يضار عبد الله بن العباس، فأتى وجوه البلد وقال لهم: يقول لكم ابن العباس تغدوا
عندي اليوم. فأتوه، فملئوا الدار، فقال: ما هذا؟ فأخبر الخبر فأمر بشراء الفواكه الوقت، وأمر بالخبز،
والطبخ، وأصلح أمراً، فلما فرغوا قال لوكلائه: أموجوج لنا كل يوم هذا؟ فقالوا: نعم. فقال: فليتغد
هؤلاء كلهم عندنا كل يوم.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: كان الأستاذ أبو سهل الصعلوكي يتوضأ يوما في
صحن داره، فدخل إليه إنسان وسله شيئاً من الدنيا، ولم يحضر شيء، فقال: أصبر حتى أفرغ.
فصبر.. فلما فرغ قال له: خذ القمقمة واخرج. فأخذها، وخرج، ثم صبر حتى علم أنه ب?عد، فصاح
وقال: دخل إنسان وأخذ القمقمة. فمشوا خلفه، فلم يدركوه.
وإنما فعل ذلك: لأن أهل المترل كانوا يلومونه على كثرة البذل.
وسمعته يقول: و?هب? الأستاذ أبو سهل ج?بته من إنسان في الشتاء، وكان يلبس جبة النساء حين يخرج إلى
التدريس، إذ لم تكن له جبة أخرى، فقدم الوفد المعروفون من فارس، فيهم من كل نوع: إمام من
الفقهاء، والمتكلمين، والنحويين، فأرسل أليه صاحب لجيش أبو الحسن وأمره بأن يركب للاستقبال فلبس
?دراعةً فوق تلك الجبة التي للنساء، وركب، فقال صاحب لجيش: إنه يستخف بي أمام البلد؛ يركب في
جبة النسا..!! ثم إنه ناظرهم أجمعين فظهر كلامه على كلام جميعهم في كل فن.
وسمعته يقول: لم يناول الأستاذ أبو سهل أحداً شيئاً بيده، وكان يطرحه على الأرض ليأخذه الآخذ من
الأرض، وكان يقول: الدنيا أقل خطراً ن أن أرى لأجلها يدي فوق يد أحد.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: "اليد العليا خ ? ير من اليد السفلى".
وقيل: كان أبو مرتد، رحمه الله، أحد الكرام، فمدحه بعض الشعراء، فقال: ما عندي ما أعطيك، ولكن
قدمني إلى القاضي، وادع علي? عشرة آلاف درهم، حتى أقر? لك ?ا، ثم أحبسني، فإن أهلي لا يتركوني
مسجوناً. ففعل ذلك، فلم ?يمس حتى ?دفع إليه عشرة آلاف درهم، وخر من السجن.
وقيل: سأل رجل الحسن بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه شيئاً فأعطاه خمسين ألف درهم وخمسمائة
دينار، وقيل: أئت بحمال يحمله لك. فأتى بحمال فأعطاه طيلسانه وقال: يكون كِراءُ الحمال من قِبلي.
وسألت امرأة الليث بن سعد سكرجة عسل، فأمر لها بزقٍ من عسل فقيل له في ذلك، فقال: إ?ا سألت
علي قدر حاجتها، ونحن نعطيها على قدر نعمنا.
وقال بعضهم صليت في مسجد الأشعث بالكوفة الصبح أطلب غريماً لي، فلما سلمت و?ضِع بين يدي كلِّ
الرسالة القشيرية-القشيري 218
واحد حلة ونعلين. وكذلك وضع بين يدي، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: إن الأشعث قدم من مكة، فأمر ?ذا
لأهل جماعة مسجده.
فقلت: إنما جئت أطلب غريماً لي، ولست من جماعته.
فقالوا: و لكلِّ من حضر.
وقيل: لما قربت وفاة الشافعي، رضي الله تعالى عنه، قال: ?مروا فلاناً يغس?لني.
وكان الرجل غائباً.. فلما قدم أخبر بذلك، فدعا بتذكرته. فوجد عليه سبعين ألف درهم ديناً، فقضها،
وقال: هذا غسلي إياه.
وقيل: لما قدم الشافعي من صنعاء إلى مكة كان معه عشرة آلاف دينار، فقيل له: تشتري ?ا قنية فضرب
خيمته خارج مكة، وصب? الدنانير، فكل من دخل عليه كان يعطيه قبضة قبضة، فلما جاء وقت الظهر
قام ونفض الثوب ولم يبق شيء.
وقيل: خرج السري? يوم عيد، فاستقبله رجل كبير الشأن، فسلم السري عليه سلاماً ناقصاً. فقيل له: هذا
رجل كبير الشأن. فقال: قد عرفته، ولكن روي مسنداً: أنه إذا التقى المسلمان ُقسمت بينهما مائة رحمة:
تسعون لأبشهما، فأردت أن يكون معه الأكثر.
وقيل: بكرى أمير المؤمنين علي? بن أبي طالب رضي الله عنه يوماً، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: لم يأتني
ضيف منذ سبعة أيام، وأخاف أن يكون الله تعالى قد أهانني.
وروي عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أنه قال: زكاُة الد?ار أن يتخذ فيها بيت للضيافة.
وقيل في قوله تعالى: "هل أتاك حديث ضيف إبرهيم المكرمين..". قيل قيامه عليهم بنفسه، وقيل: لأن
ضيف الكريم كريم.
وقال إبراهيم بن الجنيد: كان يقال: أربعة لاينبغي للشريف أن ينف منهن، وإن كان أميراً: قيامه من
مجلسه لأبيه، وخدمته لضيفه، وخدمته لعالم يتعلم منه، والسؤال عما لم يعلم.
وقال أبن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: "ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً": إ?م
كانوا يتحرجون في أن يأكل أحدهم وحده؛ فرخص لهم في ذلك.
وقيل: أضاف عبد الله بن عامر بن كريز رجلاً، فأحسن قراه، فلما أراد الرجل أن يرتحل عنه لم ?يعنه
غلمانه، فقيل له في ذلك. فقال عبد الله: إ?م لايعينون من يرتحل عنا.
أنشد عبد الله بن باكوية الصوفي قال: أنشدنا المتني في معناه:
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا أن لا يفارقهم فالراحلون ه ?م
وقال عبد الله بن المبارك: سخاء النفس عما في أيدي الناس أفضل من سخاء النفس بالبذل.
وقال بعضهم: دخلت على بشر بن الحارث في يوم شديد البرد وقد تعرى من الثياب وهو ينتفض،
فقلت: يا أبا نصر، الناس يزيدون في الثياب في مثل هذا اليوم وأنت قد نقصت؟!! فقال: ذكرت الفقراء
وما هم فيه، ولم يكن لي ما أواسيهم به، فأردت أن أرافقم بنفسي في مقاساة البرد.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه الله يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت الدقاق يقول:
ليس السخاء أن يعطي الواج ? د المعدم، إنما السخاء أن ?يعطى المعد?م الواجد.
قال الله عز? وجلّ: "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ?م خصاصة" .
أخبرنا علي? بن أحمد بن عبدان قال: أخبرنا أحمد بن عبيد قال: حدثنا الحسن بن العباس قال: حدثنا سهل
قال: حدثنا سعيد بن مسلم، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة، عن عائشة، رضي الله
عنهما، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السخس?: قريب من الله تعالى، قريب من الناس،
قريب من الجنة، بعيد عن النار.
والبخيل: بعيد من الله تعالى، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار.
والجاهل السخي? أحب إلى الله تعالى من العابد البخيل" .
قال الأستاذ: ولا فرق -على لسان القوم- بين الجود والسخاء، ولا يوصف الحق، سبحانه، بالسخاء
والسماحة؛ لعدم التوقيف.
وحقية الجود: أن لا يصعب عليه البذل.
وعند القوم، السخاء: هو الرتبة الأولى، ثو الجود بعده، ثم الإيثار؛ فمن أعطى البعض وأبقى البعض فهو
صاحب سخاء، ومن بذل الأكثر، وأبقى لنفسه شيئاً، فهو صاحب إيثار، كذلك سمعت الأستاذ أبا علي?
الدقاق، رحمه الله، يقول: أسماء بن خارجة: ما أحب? أن أرد أحداً عن حاجة طلبهامني؛ لأنه إن كان
كريماً أصون عرضه، وإن كان لئيما أصون عنه عرضي.
وقيل: كان مور?ق العجلي يتلطف في إدخال الرفق على إخوانه؛ يضع عندهم ألف درهم، فيقول:
أمسكوها عندكم حتى أعود إليكم. ثم يرسل إليهم: أنتم منها في حلّ.
وقيل: لقي رجل من أهل منبج رجلا من أهل المدينة، فقال: ممن الرجل؟ فقال: من أهل المدينة، فقال له:
لقد أتانا رجل منكم يقال له الحكم ابن عبد المطلب فأغنانا. فقال له المدني: وكيف؟ وما أتاكم إلا في
الرسالة القشيرية-القشيري 215
جبة صوف! فقال: ما أغنانا بمال، ولكنه علمنا الكرم. فعاد بعضنا على بعض حتى استغنينا.
سمعت الأستاذ أبا علي? الدقاق يقول: لما سعى غلام الخليل بالصوفية إلى الخليغة أمر بضرب أعناقهم؛ فأما
الجنيد فإنه تستر بالفقر، وكان بفتى علي مذهب أبي ثور ، وأما الشحام، والرقام، والنوري، وجماعة،
فقبض عليهم؛ فبسط الن?طع لضرب أعناقهم.. فتقدم النوري فقال له الس?ياف: تدري الى ماذا تبادر؟.
فقال: نعم فقال وما يعجلك؟ فقال أوثر علي? أصحابي بحياة ساعة.
فتحير السي?اف، وأ?ى الخبر إلىالخليفة، فردهم إلى القاضي؛ ليتعرف حالهم؛ فألقى القاضي على أبي
الحسين النوري مسائل فقهية، فأجابه الكل، ثم أخذ يقول: وبعد؛ فإنه لله عباداً قاموا بالله، وإذا نطقوا
نطقوا بالله، وسرد ألفاظاً أبكى ?ا القاضي فأرسل القاضي إلى الخليفة، وقال: إن كان هؤلاء زنادقة: فما
على وجه الأرض مسلم.
وقيل: كان علي? بن الفضيل يشتري من باعة المحلة؛ فقيل له: لو دخلت السوق فاسترخصت.
فقال: هؤلاء نزلوا بقربنا رجاء منفعتنا.
وقيل: بعث رجل إلى جبلة يجارية، وكان بين أصحابه، فقال: قبيح أن اتخذها لنفسي وأنتم حضور؛
وأكره أن أخص ?ا واحداً، وكلكم له حق وحرمة. وهذه لا تحتمل القسمة، وكانوا ثمانين؛ فأمر لكل
واحد بجارية أو وصيف.
وقيل: عطش عبيد الله بن أبي بكرة يوماً في طريقه، فاستسقى من مترل امرأة، فأخرجت له كوزاً، وقامت
خلف الباب، وقالت: تنحوا عن الباب، وليأخذه بعض غلمانكم، فإني امرأة من العرب: مات خادمي
منذ أيام، فشرب عبيد الله تسخر بي؟. فقال: احمل إليها عشرين ألف درهم. فقالت: اسأل الله تعالى
العافية. فقال: يا غلام أحمل إليها ثلاثين ألف درهم، فرد?ت الباب وقالت: أف لك. فحمل إليها ثلاثين
ألف درهم، فأخذ?ا فما أمست حتى كثر خطا?ا.
وقيل: الجود: إجابة الخاطر الأول:
سمعت بعض أصحاب أبي الحسن البوشنجي، رحمه الله، يقول: كان أبو الحسن البوشجني في الخلاء، فدعا
تلميذاً له، وقال له: انزع عني هذا القميص، وادفعه إلى فلان؛ فقيل له: هلا صبرت حتى تخرج من الخلاء؟
فقال: لم آمن على نفسي أن يتغير على ما وقع لي من التخلف منه بذلك القميص.
وقيل لقيس بن سعد بن عبادة: هل رأيت أحداً أسخى منك؟ فقال له: نعم؛ نزلنا بالبادية على امرأة،
فحضر زوجها، فقالت له: إنه نزل بك ضيفان، فجاء بناقة ونحرها، وقال: شأنكم ?ا..
فلما كان بالغد جاء بأخرى ونحرها، وقال: شأنكم ?ا، فقلنا: ما أكلنا من التي نحرت لنا البارحة إلا
اليسير: فقال: إني لاأطعم أضيافي الغاب. فبقينا عنده يومين أو ثلاثة، والسماء تمطر، وهو يفعل كذلك.
الرسالة القشيرية-القشيري 216
فلما أردنا الرحيل وضعنا له مائة دينار في بيته، وقلنا للمرأة: اعتذري لنا إليه.. ومضينا، فلما م?تع النهار
إذا نحن برجل يصيح خلفنا: قفوا أيها الركب اللئام: أعطيتموني ثمن قراي... ثم إنه لحقنا وقال: لنأخذنه،
وإلا طعنتكم برمحي هذا. فأخذناه وانصرف، فأنشأ يقول:
وإذا أخذت ثواب ما أعطيته فكفى بذاك لنائلٍ تكديرا
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله يقول: دخل أبو عبد الله الروزباري دار بعض أصحابه،
فوجده غائباً، وباب بيت له مقفل، فقال: صوفيَّ وله باب بيت مقفل!! كسروا القفل، فكسروا القفل
وأمر بجميع ما وجد في الدار والبيت، وأنفذه إلى السوق، وباعوه، وأصلحوا وقتاً من الثمن، وقعدوا في
الدار.. فدخل صاحب المترل ولم يمكنه أن يقول شيئاً.
فدخلت امرأته بعدهم الدار، وعليها كساء، فدخلت بيتاً، ورمت الكساء، وقالت: يا أصحابنا، هذا أيضاً
من جملة المتاع فبيعوه. فقال الزوج لها: لِم? تكلفت هذا باختيارك؟ فقالت له: اسكت، مثل هذا الشيخ
يباسطنا، ويحكم علينا، ويبقى لناشىء ندخره عنه؟ وقال بشر بن الحارث: النظر إلى البخيل يقسى القلب.
وقيل مرض قيس بن سعد بن عبادة، فاستبطأ إخوانه. فسأل عنهم، فقيل له: إ?م يستحيون مما لك عليهم
من الدين؛ فقال: أخزى الله مالا يمنع الإخوان من الزيارة!! ثم أمر من ينادي م?ن كان لقيس عليه دين فهو
منه في حل، فكسرت عتبته بالعشى، لكثرة ما عاده.
وقيل لعبد الله بن جعفر: إنك تبذل الكثير إذا سئلت، وتضن? في القليل إذا ?نجزت?.
فقال: إني أبذل مالي وأضن? بعقلي.
وقيل: خرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له.. فترل على نخيل قوم: وفيها غلام أسود يعمل فيها؛ إذ أتى
الغلام بقوته، فدخل كلب الخائط ودنا من الغلام، فرمى إليه الغلام بقرص، فأكله، ثم رمى إليه بالثاني،
والثالث، فأكله، وعبد الله بن جعفر ينظر إليه فقال له: يا غلام، كم ُقوتك كلَّ يوم؟ قال: ما رأيت: قال:
فلم آثرت هذا الكلب؟ قال: ما هي بأرض كلاب، نه جاء من مسافة بعيدة جائعاً، فكرهت رده.
قال: فما أنت صانع اليوم؟ قال له: أطوي يومي هذا. فقال عبد الله بن جعفر: أأَلام على السخاء؟! إنَّ
هذا الأسخى مني، فاشتري الحائط والغلام وما فيها من آلات، فأعتق الغلام ووهبها له.
وقيل: أتى رجل صديقاً له، ودق عليه الباب، فلما خرج إليه قال: لماذا جئتني؟ قال لأربعمائة درهم دين
ركبتني، فدخل الدار، ووزن له أربعمائة درهم وأخرجها إليه، ودخل الدار باكياً، فقالت له امرأته: هلا
تعللت حين شق عليك الإجابة؟! فقال: إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى أحتاج إلى مفاتحتي به.
وقال مطرف بن الشخير: ذا أراد أحدكم مني حاجة فليرفها في رقعة؟ فإني أكره أن أرى في وجهه ذلّ
الرسالة القشيرية-القشيري 217
الحاجة.
وقيل: أراد رجل أن يضار عبد الله بن العباس، فأتى وجوه البلد وقال لهم: يقول لكم ابن العباس تغدوا
عندي اليوم. فأتوه، فملئوا الدار، فقال: ما هذا؟ فأخبر الخبر فأمر بشراء الفواكه الوقت، وأمر بالخبز،
والطبخ، وأصلح أمراً، فلما فرغوا قال لوكلائه: أموجوج لنا كل يوم هذا؟ فقالوا: نعم. فقال: فليتغد
هؤلاء كلهم عندنا كل يوم.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: كان الأستاذ أبو سهل الصعلوكي يتوضأ يوما في
صحن داره، فدخل إليه إنسان وسله شيئاً من الدنيا، ولم يحضر شيء، فقال: أصبر حتى أفرغ.
فصبر.. فلما فرغ قال له: خذ القمقمة واخرج. فأخذها، وخرج، ثم صبر حتى علم أنه ب?عد، فصاح
وقال: دخل إنسان وأخذ القمقمة. فمشوا خلفه، فلم يدركوه.
وإنما فعل ذلك: لأن أهل المترل كانوا يلومونه على كثرة البذل.
وسمعته يقول: و?هب? الأستاذ أبو سهل ج?بته من إنسان في الشتاء، وكان يلبس جبة النساء حين يخرج إلى
التدريس، إذ لم تكن له جبة أخرى، فقدم الوفد المعروفون من فارس، فيهم من كل نوع: إمام من
الفقهاء، والمتكلمين، والنحويين، فأرسل أليه صاحب لجيش أبو الحسن وأمره بأن يركب للاستقبال فلبس
?دراعةً فوق تلك الجبة التي للنساء، وركب، فقال صاحب لجيش: إنه يستخف بي أمام البلد؛ يركب في
جبة النسا..!! ثم إنه ناظرهم أجمعين فظهر كلامه على كلام جميعهم في كل فن.
وسمعته يقول: لم يناول الأستاذ أبو سهل أحداً شيئاً بيده، وكان يطرحه على الأرض ليأخذه الآخذ من
الأرض، وكان يقول: الدنيا أقل خطراً ن أن أرى لأجلها يدي فوق يد أحد.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: "اليد العليا خ ? ير من اليد السفلى".
وقيل: كان أبو مرتد، رحمه الله، أحد الكرام، فمدحه بعض الشعراء، فقال: ما عندي ما أعطيك، ولكن
قدمني إلى القاضي، وادع علي? عشرة آلاف درهم، حتى أقر? لك ?ا، ثم أحبسني، فإن أهلي لا يتركوني
مسجوناً. ففعل ذلك، فلم ?يمس حتى ?دفع إليه عشرة آلاف درهم، وخر من السجن.
وقيل: سأل رجل الحسن بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه شيئاً فأعطاه خمسين ألف درهم وخمسمائة
دينار، وقيل: أئت بحمال يحمله لك. فأتى بحمال فأعطاه طيلسانه وقال: يكون كِراءُ الحمال من قِبلي.
وسألت امرأة الليث بن سعد سكرجة عسل، فأمر لها بزقٍ من عسل فقيل له في ذلك، فقال: إ?ا سألت
علي قدر حاجتها، ونحن نعطيها على قدر نعمنا.
وقال بعضهم صليت في مسجد الأشعث بالكوفة الصبح أطلب غريماً لي، فلما سلمت و?ضِع بين يدي كلِّ
الرسالة القشيرية-القشيري 218
واحد حلة ونعلين. وكذلك وضع بين يدي، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: إن الأشعث قدم من مكة، فأمر ?ذا
لأهل جماعة مسجده.
فقلت: إنما جئت أطلب غريماً لي، ولست من جماعته.
فقالوا: و لكلِّ من حضر.
وقيل: لما قربت وفاة الشافعي، رضي الله تعالى عنه، قال: ?مروا فلاناً يغس?لني.
وكان الرجل غائباً.. فلما قدم أخبر بذلك، فدعا بتذكرته. فوجد عليه سبعين ألف درهم ديناً، فقضها،
وقال: هذا غسلي إياه.
وقيل: لما قدم الشافعي من صنعاء إلى مكة كان معه عشرة آلاف دينار، فقيل له: تشتري ?ا قنية فضرب
خيمته خارج مكة، وصب? الدنانير، فكل من دخل عليه كان يعطيه قبضة قبضة، فلما جاء وقت الظهر
قام ونفض الثوب ولم يبق شيء.
وقيل: خرج السري? يوم عيد، فاستقبله رجل كبير الشأن، فسلم السري عليه سلاماً ناقصاً. فقيل له: هذا
رجل كبير الشأن. فقال: قد عرفته، ولكن روي مسنداً: أنه إذا التقى المسلمان ُقسمت بينهما مائة رحمة:
تسعون لأبشهما، فأردت أن يكون معه الأكثر.
وقيل: بكرى أمير المؤمنين علي? بن أبي طالب رضي الله عنه يوماً، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: لم يأتني
ضيف منذ سبعة أيام، وأخاف أن يكون الله تعالى قد أهانني.
وروي عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أنه قال: زكاُة الد?ار أن يتخذ فيها بيت للضيافة.
وقيل في قوله تعالى: "هل أتاك حديث ضيف إبرهيم المكرمين..". قيل قيامه عليهم بنفسه، وقيل: لأن
ضيف الكريم كريم.
وقال إبراهيم بن الجنيد: كان يقال: أربعة لاينبغي للشريف أن ينف منهن، وإن كان أميراً: قيامه من
مجلسه لأبيه، وخدمته لضيفه، وخدمته لعالم يتعلم منه، والسؤال عما لم يعلم.
وقال أبن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: "ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً": إ?م
كانوا يتحرجون في أن يأكل أحدهم وحده؛ فرخص لهم في ذلك.
وقيل: أضاف عبد الله بن عامر بن كريز رجلاً، فأحسن قراه، فلما أراد الرجل أن يرتحل عنه لم ?يعنه
غلمانه، فقيل له في ذلك. فقال عبد الله: إ?م لايعينون من يرتحل عنا.
أنشد عبد الله بن باكوية الصوفي قال: أنشدنا المتني في معناه:
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا أن لا يفارقهم فالراحلون ه ?م
وقال عبد الله بن المبارك: سخاء النفس عما في أيدي الناس أفضل من سخاء النفس بالبذل.
وقال بعضهم: دخلت على بشر بن الحارث في يوم شديد البرد وقد تعرى من الثياب وهو ينتفض،
فقلت: يا أبا نصر، الناس يزيدون في الثياب في مثل هذا اليوم وأنت قد نقصت؟!! فقال: ذكرت الفقراء
وما هم فيه، ولم يكن لي ما أواسيهم به، فأردت أن أرافقم بنفسي في مقاساة البرد.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه الله يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت الدقاق يقول:
ليس السخاء أن يعطي الواج ? د المعدم، إنما السخاء أن ?يعطى المعد?م الواجد.
باب الحرية
قال الله عز وجل: "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ?م خصاصة".
قال: إنما آثروا على أنفسهم لتجردهم عما خرجوا منه، وآثروا به.
أخبرنا: علي بن أحمد الأهوازي، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصري قال: حدثنا ابن أبي قماش قال:
حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال: حدثنا نعيم بن مورع بن توبة، عن إسماعيل المكي، عن عمرو بن
دينار، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما يكفي أحدكم: ما
الرسالة القشيرية-القشيري 193
قنعت به نفسه، قال: وإنما يصير إلى أربعة أذرع وشبر، وإنما يرجع الأمر إلى آخر".
قال: الحرية: أن لايكون العبد تحت رق المخلوقات، ولا يجري عليه سلطان المكونات، وعلامة صحته:
سقوط التمييز عن قلبه بين الأشياء، فيتساوى عنده أخطار الأعراض.
قال حارثة رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: عزفت نفسي عن الدنيا؛ فاستوى عندي
حجرها وذهبها.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: من دخل الدنيا وهو عنها حر ارتحل إلى الآخرة وهو
عنها ? حر.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا محمد المراغي يحكي عن الرقي، عن الدقاق: يقول: من كان في
الدنيا حراً منها كان في الآخرة حراً منها.
واعلم أن حقيقة الحرية في كمال العبودية؛ فإذا صدقت لله تعالى عبوديته خلصت عن رق الأغيار حريته.
فأما من توهم أن العبد يسلم له أن يخلع وقتاً عذار العبودية، ويحيد بلحظه عن حد المر والنهي وهو مميز،
في دار التكليف، فذلك انسلاخ من الدين.
قال الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: "وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين" يعني: الأجل، وعليه أجمع
المفسرون.
وأن الذي أشار إليه القوم من الحرية هو: أن لايكون العبد تحت رق شيء من المخلوقات لا من أعراض
الدنيا، ولا من أعراض الآخرة؛ فرداً لفرد لم يسترقه عاجل دنيا، ولا حاصل هوى، ولا أجل مني، ولا
سؤال، ولا تصد ولا أرب، ولاحظ.
وقيل للشبلي: ألم تعلم أنه تعالى رحمن؟ فقال: بلى ولكن منذ عرفت رحمته ما سألته أن يرحمني.
ومقام الحرية عزيز.
سمعت الشيخ أبا علي?، رحمه الله، يقول. كان أبو العباس السياري يقول: لو صحت صلاة بغير قرآن
لصحت ?ذا البيت:
أنمى على الزمان محالاً أن تر ? ى مقلتي طلع َ ة ? ح ? ر
وأما أقاويل المشايخ في الحرية؛ فقال الحسين بن منصور: من أراد الحرية فليصل العبودية.
وسئل الجنيد عمن لم يبق عليه من الدنيا إلا مقدار مص نواة، فقال: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا عمرو الأنماطي يقول:
سمعت الجنيد يقول: إنك لا تصل إلى صريح الحرية وعليك من حقيقة عبوديته بقية.
وقال بشر الحافي: ما أراد أن يذوق طعم الحرية، يستريح من العبودية فليطهر السريرة بينه وبين الله تعالى.
وقال الحسن بن منصور: إذا استوفة العبد مقامات العبودية كلها يصير ? حراً من تعب العبودية، فيترسم
بالعبودية بلا عناء ولا كلفة، وذلك ما قام الأنبياء والصديقين، يعني يصير محمولاً، لا يلحقه بقلبه مشقة
وإن كان متحليا ?ا شرعاً، أنشدنا الشيخ أبو عبد الرحمن قال: أنشدنا أبو بكر الرازي قال: أنشدني
منصور الفقيه لنفسه:
ما بقي في الإنس حر لا، ولا في الجن ح ? ر
قد مضى حر الفريقين فحلو العيش م ? ر
واعلم أن معظم الحرية في خدمة الفقراء.
سمعت الشيخ أبا علي? الدقاق، رحمه الله، يقول: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: إذا رأيت لي طالباً
فكن له خادماً.
وقال صلى الله عليه وسلم: "سيد القوم خادمهم".
سمعت محمد بن الحسين، رحمه الله يقول: سمعت محمد بن إبراهيم بن الفضل يقول: سمعت محمد بن
الرومي يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: أبناء الدنيا تخدمهم الإماء والعبيد، وأبناء الآخرة تخدمهم
الأحرار والأبرار.
وسمعته يقول: سمعت عبد الله بن عثمان بن يحيى يقول: سمعت علي بن محمد المصري يقول: سمعت
يوسف بن موسى يقول: سمعت بن خبيق يقول: سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت إبراهيم بن أدهم
يقول: إن الحر الكريم يخرج من الدنيا قبل أن ?يخرج منها.
وقال إبراهيم بن أدهم: لا تصحب إلا حراً كريماً؛ يسمع ولا يتكلم.
قال الله عز وجل: "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ?م خصاصة".
قال: إنما آثروا على أنفسهم لتجردهم عما خرجوا منه، وآثروا به.
أخبرنا: علي بن أحمد الأهوازي، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصري قال: حدثنا ابن أبي قماش قال:
حدثنا محمد بن صالح بن النطاح قال: حدثنا نعيم بن مورع بن توبة، عن إسماعيل المكي، عن عمرو بن
دينار، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما يكفي أحدكم: ما
الرسالة القشيرية-القشيري 193
قنعت به نفسه، قال: وإنما يصير إلى أربعة أذرع وشبر، وإنما يرجع الأمر إلى آخر".
قال: الحرية: أن لايكون العبد تحت رق المخلوقات، ولا يجري عليه سلطان المكونات، وعلامة صحته:
سقوط التمييز عن قلبه بين الأشياء، فيتساوى عنده أخطار الأعراض.
قال حارثة رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: عزفت نفسي عن الدنيا؛ فاستوى عندي
حجرها وذهبها.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: من دخل الدنيا وهو عنها حر ارتحل إلى الآخرة وهو
عنها ? حر.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا محمد المراغي يحكي عن الرقي، عن الدقاق: يقول: من كان في
الدنيا حراً منها كان في الآخرة حراً منها.
واعلم أن حقيقة الحرية في كمال العبودية؛ فإذا صدقت لله تعالى عبوديته خلصت عن رق الأغيار حريته.
فأما من توهم أن العبد يسلم له أن يخلع وقتاً عذار العبودية، ويحيد بلحظه عن حد المر والنهي وهو مميز،
في دار التكليف، فذلك انسلاخ من الدين.
قال الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: "وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين" يعني: الأجل، وعليه أجمع
المفسرون.
وأن الذي أشار إليه القوم من الحرية هو: أن لايكون العبد تحت رق شيء من المخلوقات لا من أعراض
الدنيا، ولا من أعراض الآخرة؛ فرداً لفرد لم يسترقه عاجل دنيا، ولا حاصل هوى، ولا أجل مني، ولا
سؤال، ولا تصد ولا أرب، ولاحظ.
وقيل للشبلي: ألم تعلم أنه تعالى رحمن؟ فقال: بلى ولكن منذ عرفت رحمته ما سألته أن يرحمني.
ومقام الحرية عزيز.
سمعت الشيخ أبا علي?، رحمه الله، يقول. كان أبو العباس السياري يقول: لو صحت صلاة بغير قرآن
لصحت ?ذا البيت:
أنمى على الزمان محالاً أن تر ? ى مقلتي طلع َ ة ? ح ? ر
وأما أقاويل المشايخ في الحرية؛ فقال الحسين بن منصور: من أراد الحرية فليصل العبودية.
وسئل الجنيد عمن لم يبق عليه من الدنيا إلا مقدار مص نواة، فقال: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا عمرو الأنماطي يقول:
سمعت الجنيد يقول: إنك لا تصل إلى صريح الحرية وعليك من حقيقة عبوديته بقية.
وقال بشر الحافي: ما أراد أن يذوق طعم الحرية، يستريح من العبودية فليطهر السريرة بينه وبين الله تعالى.
وقال الحسن بن منصور: إذا استوفة العبد مقامات العبودية كلها يصير ? حراً من تعب العبودية، فيترسم
بالعبودية بلا عناء ولا كلفة، وذلك ما قام الأنبياء والصديقين، يعني يصير محمولاً، لا يلحقه بقلبه مشقة
وإن كان متحليا ?ا شرعاً، أنشدنا الشيخ أبو عبد الرحمن قال: أنشدنا أبو بكر الرازي قال: أنشدني
منصور الفقيه لنفسه:
ما بقي في الإنس حر لا، ولا في الجن ح ? ر
قد مضى حر الفريقين فحلو العيش م ? ر
واعلم أن معظم الحرية في خدمة الفقراء.
سمعت الشيخ أبا علي? الدقاق، رحمه الله، يقول: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: إذا رأيت لي طالباً
فكن له خادماً.
وقال صلى الله عليه وسلم: "سيد القوم خادمهم".
سمعت محمد بن الحسين، رحمه الله يقول: سمعت محمد بن إبراهيم بن الفضل يقول: سمعت محمد بن
الرومي يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: أبناء الدنيا تخدمهم الإماء والعبيد، وأبناء الآخرة تخدمهم
الأحرار والأبرار.
وسمعته يقول: سمعت عبد الله بن عثمان بن يحيى يقول: سمعت علي بن محمد المصري يقول: سمعت
يوسف بن موسى يقول: سمعت بن خبيق يقول: سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت إبراهيم بن أدهم
يقول: إن الحر الكريم يخرج من الدنيا قبل أن ?يخرج منها.
وقال إبراهيم بن أدهم: لا تصحب إلا حراً كريماً؛ يسمع ولا يتكلم.
باب الحسد
قال الله تعالى: "قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق".
ثم قال: "ومن شر حاسد إذا حسد".
فختم السورة التي جعلها عوذة بذكر الحسد.
أخبرنا أبو الحسين الأهوازي، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصري قال: حدثنا اسماعيل بن الفضل قال:
حدثنا يحيى بن مخلد، قال: حدثنا معاً في ابن عمران، عن الحارث بن شهاب، عن معبد، عن ابن مسعود
قال: ن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث هن? أصل كل خطيئة فاتقوهن واحذروهن: إياكم والكبر،
فإن إبليس حمله الكبر على أن لا يسجد لآدم.
وإياكم والحرص، فإن آدم حمله الحرص على أن أكل من الشجرة.
وإياكم والحسد، فإن ابني آدم إنما قتل أحدهما صاحبه حسداً.
وقال بعضهم: الحاسد جاحد، لأنه لا يرضى بقضاء الواحد.
وقيل: الحسود لا يسود.
وقيل في قوله تعالى: "قل نما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن"، قيل ما بطن: الحسد. وفي بعض
الكتب: الحاسد عدو نعمتي.
وقيل: أثر الحسد يتبين فيك قبل أن يتبين في عدوك.
وقال الأصمعي: رأيت أعرابياً أتى عليه مائة وعشرين سنة، فقلت له: ما أطول عمرك.
فقال: ترك ? ت الحسد فبقيت.
الرسالة القشيرية-القشيري 144
وقال ابن المبارك: الحمد لله الذي لم يجعل في قلب أميري ما جعله في قلب حاسدي.
وفي بعض الآثار إن في السماء الخامسة ملسكاً يمر به عمل عبد، له ضوء كضوء الشمس، فيقول له
الملك: قف فأنا ملك الحسد. اضرب به وجه صاحبه، فإنه حاسد.
وقال معاوية: كل إنسان أقدر على أن أرضيه، إلا الحاسد، فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة.
ويقال: الحاسد ظالم غشوم، لا يبقي ولا يذر.
وقال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد: غم دائم ونفس متتابع.
وقيل: من علامات الحاسد أن يتعلق إذا شهد، ويغتاب إذا غاب، ويشمت بالمصيبة إذا نزلت.
وقال معاوية: ليس في خلال الشرخلة أعدل من الحسد، تقتل الحاسد قبل المحسود.
وقيل: أوحي الله، سبحانه، إلى سليمان بن داود، عليهما السلام: أوصيك بسبعة أشياء: لا تغتابن صالح
عبادي، ولا تحسدن أحداً من عبادي. فقال سليمان: يا رب، حسبي.
وقيل رأى موسى عليه السلام، رجلاً عند العرش فغبطه، فقال: ما صفته؟ فقيل: كان لا يحسد الناس على
ما آناهم الله من فضله.
وقيل: الحاسد إذا رأى نعمة ?ت، وإذا رأى عثرة شمت.
وقيل: إذا أردت? أن تسلم من الحاسد، فلبس عليه أمرك.
وقيل: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له، بخيل بما لا يملكه.
وقيل: إياك أن تتعنى في مودة من يحسدك، فإنه لا يقبل إحسانك وقيل. إذا أراد الله تعالى أن يسلط على
عبد عدواً لا يرحمه سلط عليه حاسده: وأنشدوا:
وحسبك من حادث بامري ترى حاسديه له راحمينا
وأنشدوا:
كلُّ العداوة قد ترجى إمانتها إلا عداوة من عاداك من حسد
وقال ابن المعتز:
قل للحسود إذا تنفس: طعنة يا ظالماً وكأنه مظلوم
وأنشدوا:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ طويت أتاح لها لسان حسود
ومن الأخلاق المذمومة للنفس: اعتياد الغيبة.
قال الله تعالى: "قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق".
ثم قال: "ومن شر حاسد إذا حسد".
فختم السورة التي جعلها عوذة بذكر الحسد.
أخبرنا أبو الحسين الأهوازي، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصري قال: حدثنا اسماعيل بن الفضل قال:
حدثنا يحيى بن مخلد، قال: حدثنا معاً في ابن عمران، عن الحارث بن شهاب، عن معبد، عن ابن مسعود
قال: ن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث هن? أصل كل خطيئة فاتقوهن واحذروهن: إياكم والكبر،
فإن إبليس حمله الكبر على أن لا يسجد لآدم.
وإياكم والحرص، فإن آدم حمله الحرص على أن أكل من الشجرة.
وإياكم والحسد، فإن ابني آدم إنما قتل أحدهما صاحبه حسداً.
وقال بعضهم: الحاسد جاحد، لأنه لا يرضى بقضاء الواحد.
وقيل: الحسود لا يسود.
وقيل في قوله تعالى: "قل نما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن"، قيل ما بطن: الحسد. وفي بعض
الكتب: الحاسد عدو نعمتي.
وقيل: أثر الحسد يتبين فيك قبل أن يتبين في عدوك.
وقال الأصمعي: رأيت أعرابياً أتى عليه مائة وعشرين سنة، فقلت له: ما أطول عمرك.
فقال: ترك ? ت الحسد فبقيت.
الرسالة القشيرية-القشيري 144
وقال ابن المبارك: الحمد لله الذي لم يجعل في قلب أميري ما جعله في قلب حاسدي.
وفي بعض الآثار إن في السماء الخامسة ملسكاً يمر به عمل عبد، له ضوء كضوء الشمس، فيقول له
الملك: قف فأنا ملك الحسد. اضرب به وجه صاحبه، فإنه حاسد.
وقال معاوية: كل إنسان أقدر على أن أرضيه، إلا الحاسد، فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة.
ويقال: الحاسد ظالم غشوم، لا يبقي ولا يذر.
وقال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد: غم دائم ونفس متتابع.
وقيل: من علامات الحاسد أن يتعلق إذا شهد، ويغتاب إذا غاب، ويشمت بالمصيبة إذا نزلت.
وقال معاوية: ليس في خلال الشرخلة أعدل من الحسد، تقتل الحاسد قبل المحسود.
وقيل: أوحي الله، سبحانه، إلى سليمان بن داود، عليهما السلام: أوصيك بسبعة أشياء: لا تغتابن صالح
عبادي، ولا تحسدن أحداً من عبادي. فقال سليمان: يا رب، حسبي.
وقيل رأى موسى عليه السلام، رجلاً عند العرش فغبطه، فقال: ما صفته؟ فقيل: كان لا يحسد الناس على
ما آناهم الله من فضله.
وقيل: الحاسد إذا رأى نعمة ?ت، وإذا رأى عثرة شمت.
وقيل: إذا أردت? أن تسلم من الحاسد، فلبس عليه أمرك.
وقيل: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له، بخيل بما لا يملكه.
وقيل: إياك أن تتعنى في مودة من يحسدك، فإنه لا يقبل إحسانك وقيل. إذا أراد الله تعالى أن يسلط على
عبد عدواً لا يرحمه سلط عليه حاسده: وأنشدوا:
وحسبك من حادث بامري ترى حاسديه له راحمينا
وأنشدوا:
كلُّ العداوة قد ترجى إمانتها إلا عداوة من عاداك من حسد
وقال ابن المعتز:
قل للحسود إذا تنفس: طعنة يا ظالماً وكأنه مظلوم
وأنشدوا:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ طويت أتاح لها لسان حسود
ومن الأخلاق المذمومة للنفس: اعتياد الغيبة.
باب الحزن
قال الله تعالى: "وقالوا الحمد الله الذي أذهب عنا الحزن".
أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد، قال: أخبرنا علي بن جيش قال: حدثنا أحمد
بن عيسى قال: حدثنا ابن وهب قال: حدثنا أسامة بن زيد الليثي، عن محمد بن عمرو بن عطاء قال:
سمعت عطاء بن يسار قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"ما من شيء يصيب العبد المؤمن، من وصب، أو نصب، أو حزن، أو ألم يهمه إلا كفر الله تعالى عنه من
سيئاته".
الحزن: حال يقبض القلب عن التفرق في أودية الغفلة.
والحزن من أوصاف أهل السلوك.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله تعالى، يقول: صاحب الحزن يقطع من طريق الله في شهر مالا
يقطعه من فقد حزنه سنين، وفي الخبر: "إن الله يحب? كل قلب حزين".
وفي التوراة: "إذا أحب الله عبداً جعل في قلبه نائحة، وإذا بغض عبداً جعل في قلبه مزماراً".
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متواصل الأحزان دائم الفكر.
وقال بشر بن الحارث.
الرسالة القشيرية-القشيري 131
الحزن ملك، فإذا سكن في موضع لم يرض أن يساكنه أحد.
وقيل: القلب إذا لم يكن فيه ? حزن خرب، كما أنَّ الدار إذا لم يكن فيها ساكن تخرب.
وقال أبو سعيد القرشي: بكاء الحزن يعمى، وبكاء الشوق يعشي البصر ولا يعمي: قال الله تعالى:
"وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم".
وقال ابن خفيف: الحزن: حصر النفس عن النهوض في الطرب.
وسمعت رابعة العدوية رجلاً يقول: واحزناه! فقالت: قل: واقلة حزناه، لو كنت محزوناً لم يتهيأ لكن أن
تتنفس.
وقال سفيان بن عيينه: لو أن محزوناً بكى في أم?ة لرحم الله تعالى تلك الأم?ة ببكائه.
وكان داود الطائي الغالب عليه الحزن، وكان يقول بالليل: إلهي، همك عطل على الهموم، وحال بيني
وبين الرقاد.
وكان يقول: "كيف يتسلى من الحزن من تتجدد عليه المصائب في كل وقت؟".
وقيل: الحزن: يمنع من الطعام، والخوف: يمنع من الذنوب.
وسئل بعضهم: بم يستدل على حزن الرجل؟ فقال: بكثرة أنينه.
وقال سري السقطي: وددت أن حزن كل الناس ألقي علي.
وتكلم الناس في الحزن، فكلهم قالوا: إنما يحمد حزن الآخرة، وأما حزن الدنيا فغير محمود، إلا أبا عثمان
الحيري، فإنه قال: الحزن بكل وجه فضيلة، وزيادة للمؤمن، ما لم يكن بسبب معصية، لأنه إن لم يوجب
تخصيصاً فإنه يوجب تمحيصاً.
وعن بعض المشايخ أنه كان إذا سافر واحد من أصحابه يقول له: إن رأيت محزوناً، فاقرئه مني السلام.
سمعت الأستاذ أبا علي? الدقاق يقول: كان بعضهم يقول للمشس عند غرو?ا، هل طلعت اليوم على
محزون؟ وكان الحسن البصري لا يراه أحد إلا ظن أنه حديث عهد بمصيبة.
وقال وكيع لما مات الفضيل، ذهب الحزن اليوم من الأرض.
قال بعض السلف، أكثر ما يجده المؤمن في صحيفته من الحسنات لهم. الحزن.
سمعت أبا عبد الله الشيرازي يقول: سمعت علي بن بكران يقول: سمعت محمد بن علي المروزي يقول،
سمعت أحمد بن أبي روح يقول: سمعت أبي يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: كان السلف يقولون:
إن على كل شيء زكاة وزكاة العقل طول الحزن.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن أحمد الفراء يقول: سمعت أبا
الحسين الوراق يقول، سألت أبا عثمان الحيري يوماص عن الحزن فقال: الحزين لا يتفرغ إلى سؤال
الرسالة القشيرية-القشيري 132
الحزن، فاجتهد في طلب الحزن، ثم سل.
باب الجوع وترك الشهوة قال الله تعالى: "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع".
ثم قال في اخر الآية: "وبشر الصابرين" فبشرهم بجميل الثواب على الصبر على مقاساة الجوع.
وقال تعالى: "ويؤثرون على أنفسهم، ولو كان ?م خصاصة".
أخبرنا علي بن أحمد الأهوازي قال: أخبرنا أحمج بن عبيد الصفَّار قال: حدثنا عبد الله بن أيوب قال:
حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال: حدثنا أبو هاشم صاحب الزعفراني قال: حدثنا محمد بن عبد الله، عن
أنس بنمالك أنه حدثه قال: "جاءت فاطمة، رضي الله عنها، بكسرة خبز لرسول الله صلى الله عليه
وسلم، فقال: ما هذه الكسرة يا فاطمة؟".
قالت: قرص خبزته، ولم تطب نفسي حتى أتيتك ?ذه الكسرة.
فقال: أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام.
وفي بعض الروايات: جاءت فاطمة، رضي الله عنها، بقرص شعير.
ولهذا كان الجوع من صفات القوم، وهو أحد أركان ا?اهدة، فإن أرباب السلوك تدرجوا إلى اعتياد
الجوع والإمساك عن الأكل، ووجدوا ينابيع الحكمة في الجوع، وكثرت الحكايات عنهم في ذلك.
سمعت محمد بن أحمد بن الصوفيَّ يقول: سمعت عبد الله بن علي التميمي يقول: سمعت ابن سالم يقول:
أدب الجوع أن لا ينقص من عادته إلا مثل أذن السنور.
وقيل: كان سهل بن عبد الله لا يأكل الطعام إلا في كل خمسة عشر يوماً؛ فإذا دخل شهر رمضان كان لا
يأكل حتى يرى الهلال، وكان يفطر كل ليلة على الماء القراح.
وقال يحيى بن معاذ: لو أن لجوع يباع في السوق لما كان ينبغي لطلاب الآخرة إذا دخلوا السوق أن
يشتروا غيره.
أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبيد الله قال: حدثنا علي بن الحسين الأرجاني قال: حدثنا أبو محمد عبد الله
بن أحمد الأصطخري بمكة -حرسها الله تعالى- قال: قال سهل بن عبد الله: لما خلق الله تعالى الدنيا جعل
في الشبع: المعصية والجهل، وجعل في الجوع: العلم والحكمة.
وقال يحيى بن معاذ: الجوع للمريدين رياضة، وللتائبين تجربة، وللزهاد سياسة، وللعارفين مك?رمة.
سمعت الأستاذ أبا علي? الد?قاق، رحمه الله، يقول: دخل بعضهم على بعض الشيوخ، فرآه يبكي، فقال له:
مالك تبكي؟ فقال: إني جائع.
فقال: ومثل يكبي من الجوع؟! فقال: أسكت، أما علمت أن مراده من جوعي أن أبكي.
الرسالة القشيرية-القشيري 133
سمعت أبا عبد الله الشيرازي، رحمه الله، يقول: حد?ثنا محمد بن بشر قال: حد?ثنا الحسين بن منصور قال:
حد?ثنا دود بن معاذ قال: سمعت مخلداً يقول: كان الحجاج بن فرافصة معنا بالشام، فمكث خمسين ليلة لا
يشرب الماء، ولا يشبع من شيء يأكله.
وسمعته يقول: سمعت أبا بكر الغزالي يقول: سمعت محمد بن علي يقول: سمعت أبا عبد الله أحمد بن يحيى
الجلاء يقول: دخل أو تراب النخشي من بادية البصرة مكة -حرسها الله تعالى- فسألناه عن أكله، فقال:
خرجت من البصرة.. وأكلت بنباج. ثم بذات عرق.. ومن ذات عرق إليكم فقطع البادية بأكلتين.
وسمعته يقول: حدثنا علي بن النحاس المصري قال: حدثنا هارون بن محمد الدقاق قال: حدثنا أبو عبد
الرحمن بن الدرقش قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت عبد العزيز بن عمير يقول: نجو?ع صنف
من الطير أربعين صباحاً، ثم طاروا في الهواء، فرجعوا بعد أيام، فكان يفوح منهم رائحة المسك.
وكان سهل بن عبد الله إذا جاع قوي، وإذا أكل شيئاً ضعف.
وقال أبو عثمان المغربي: الر?باني لا يأكل في أربعين يوماً، والصمداني في ثمانين يوماً.
وسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله يقول: سمعت محمد ابن العلوي يقول: سمعت علي بن
إبراهيم القاضي بدمشق، يقول سمعت محمد بن علي بن خلف يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول:
سمعت أبا سليمان الداراني يقول: مفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع.
سمعت محمد بن عبد الله بن عبيد الله يقول: سمعت علي بن الحسين الأرجاني يقول: سمعت أبا محمد
الإصطخري يقول: سمعت سهل بن عبد الله، وقيل له: الرجل يأكل في اليوم أكلة، فقال أكل الصديقين.
قال: فأكلتين. قال: أكل المؤمنين. قال: فثلاثة: قال: قل لأهلك يبنون لك معلفاً.
وسمعته يقول: حدثنا عبد العزيز بن الفضل قال: حدثنا أبو بكر السائح قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول:
الجوع نور، والشبع نار، والشهوة مثل الحطب يتولد منه الاحتراق، ولا تطفأ ناره حتى يحرق صاحبه.
سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج العلومي يقول: دخل يوماً رجل من الصوفية
على شيخ، فقدم إليه طعاماً.. ثم قال له: منذ كم يوم لم تأكل؟.
فقال: منذ خمسة ايام. فقال جوعك جوع بخل!! عليك ثياب وأنت تجوع؟! ليس هذا جوع فقر!.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن أحمد بن سعيد الرازي يقول: سمعت العباس بن حمزة
يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: قال أبو سليمان الداراني: لأن أترك من عشائي لقمة أحب إلي
من أن أقوم الليل إلى آخره.
وسمعته يقول سمعت أبا القاسم جعفر بن أحمد الرازي يقول: اشتهى أبو الخير العسقلاني السمك سنين، ثم
الرسالة القشيرية-القشيري 134
ظهر له ذلك من موضع حلال، فلما مد يده إليه ليأكل أخذت شوكة من عظامه أصبعه، فذهبت في ذلك
يده، فقال: يا رب، هذا لمن مد يده بشهوة لى حلال، فكيف بمن مد يده بشهوة إلى حرام؟ سمعت
الأستاذ أبا بكر بن فورك يقول: شغل العيال نتيجة متابعة الشهوة بالحلال. فما ظنك بقضية شهوة
الحرام؟.
سمعت رستم الشيرازي الصوفي يقول: كان أبو عبدالله بن خفيف في دعوة فمد? واحد من أصحابه يده إلى
الطعام قبل الشيخ، هذا كان به من فأراد بعض أصحاب الشيخ أن ينكروا عليه لسوء أدبه، حيث مد? يده
إلى الطعام قبل الشيخ، فوضع شيئاً بين يدي هذا الفقير، فعلم الفقير أنه أنكر عليه لسوء أدبه، فاعتقد أن
لا يأكل خمسة عشر يوماً، عقوبة لنفسه، وتأديباً لها، وإظهاراً لتوبته من سوء أدبه وكان قد أصابته فاقة
قبل ذلك.
سمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول: حدثنا أبو الفرج الورثاني قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر،
قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث قال: حدثنا سليمان بن داود قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال:
سمعت مالك ابن دينار يقول: من غلب شهوات الدنيا فذلك الذي يفرق الشيطان من ظله.
وسمعته يقول: سمعت منصور بن عبد الله الأصبهاني يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: إذا قال
الصوفي بعد خمسة أيام أنا جائع فالزموه السوق، وأمروه بالكسب.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، يقول، حاكياً عن بعض المشايخ أنه قال: ن أهل النار غلبت شهو?م
حميتهم، فلذلك افتضحوا.
وسمعته يقول: قيل لبعضهم: ألا تشتهي؟ فقال: أشتهي ولكن أحتمي.
قال: وقيل لبعضهم: ألا تشتهي؟ فقال: اشتهي أن لا أشتهي وهذا تم.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: أخبرنا أحمد بن منصور قال: أخبرنا ابن مخلد قال: حدثنا أبو
الحسين الحسن بن عمرو بن الجهم قال: سمعت أبا نصر التمار، يقول: أتاتي بشر ليلة، فقلت: الحمد الله
الذي جاء بك: جاءنا قطن من خراسان فغزلته البنت، وباعته، واشترت لنا لحماً، فتفطر عندنا.
فقال: لو أكلت عند أحد أكلت عندكم ثم قال: إني لأشتهي الباذنجان منذ سنين، ولم يتفق لي أكله!!
فقلت: إن فيها الباذنجان من الحلال. فقال: حتى يصفو لي حب الباذنجان.
سمعت عبد الله بن باكويه الصوفي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا أ؛مد الصغير يقول: أمرني أبو عبد الله بن
خفيف أن أقدم إليه كل ليلة عشر حبات زبيب، لإفطاره، فليلة اشفقت عليه، فحملت إليه خمس عشرة
حبة، فنظر إلي وقال: من أمرك ?ذا؟ وأكل عشر حبات، وترك الباقي.
سمعت محمد بن عبد الله بن عبيد الله يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن عبد الله بن الفرغاني
يقول: سمعت أبا الحسين الرازي يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سمعت أبا تراب النخشبي يقول:
ما تمنعت نفسي من الشهوات، إلا مرة واحدة، تمنت خبزاً وبيضاً وأنا في سفر، فعدل ? ت إلى قرية، فقام
واحد وتعلق بي وقال: هذا كان مع اللصوص. فضربوني سبعين درة. ثم عرفني رجل منهم، فقال: هذا أبو
تراب النخشبي!! فاعتذروا إلي، فحملني رجل إلى مترله، إكراماً لي، وشفقة علي.. وقدم لي خبزاً وبيضاَ،
فقلت لنفسي: كلي بعد سبعين درة!
قال الله تعالى: "وقالوا الحمد الله الذي أذهب عنا الحزن".
أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد، قال: أخبرنا علي بن جيش قال: حدثنا أحمد
بن عيسى قال: حدثنا ابن وهب قال: حدثنا أسامة بن زيد الليثي، عن محمد بن عمرو بن عطاء قال:
سمعت عطاء بن يسار قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"ما من شيء يصيب العبد المؤمن، من وصب، أو نصب، أو حزن، أو ألم يهمه إلا كفر الله تعالى عنه من
سيئاته".
الحزن: حال يقبض القلب عن التفرق في أودية الغفلة.
والحزن من أوصاف أهل السلوك.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله تعالى، يقول: صاحب الحزن يقطع من طريق الله في شهر مالا
يقطعه من فقد حزنه سنين، وفي الخبر: "إن الله يحب? كل قلب حزين".
وفي التوراة: "إذا أحب الله عبداً جعل في قلبه نائحة، وإذا بغض عبداً جعل في قلبه مزماراً".
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متواصل الأحزان دائم الفكر.
وقال بشر بن الحارث.
الرسالة القشيرية-القشيري 131
الحزن ملك، فإذا سكن في موضع لم يرض أن يساكنه أحد.
وقيل: القلب إذا لم يكن فيه ? حزن خرب، كما أنَّ الدار إذا لم يكن فيها ساكن تخرب.
وقال أبو سعيد القرشي: بكاء الحزن يعمى، وبكاء الشوق يعشي البصر ولا يعمي: قال الله تعالى:
"وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم".
وقال ابن خفيف: الحزن: حصر النفس عن النهوض في الطرب.
وسمعت رابعة العدوية رجلاً يقول: واحزناه! فقالت: قل: واقلة حزناه، لو كنت محزوناً لم يتهيأ لكن أن
تتنفس.
وقال سفيان بن عيينه: لو أن محزوناً بكى في أم?ة لرحم الله تعالى تلك الأم?ة ببكائه.
وكان داود الطائي الغالب عليه الحزن، وكان يقول بالليل: إلهي، همك عطل على الهموم، وحال بيني
وبين الرقاد.
وكان يقول: "كيف يتسلى من الحزن من تتجدد عليه المصائب في كل وقت؟".
وقيل: الحزن: يمنع من الطعام، والخوف: يمنع من الذنوب.
وسئل بعضهم: بم يستدل على حزن الرجل؟ فقال: بكثرة أنينه.
وقال سري السقطي: وددت أن حزن كل الناس ألقي علي.
وتكلم الناس في الحزن، فكلهم قالوا: إنما يحمد حزن الآخرة، وأما حزن الدنيا فغير محمود، إلا أبا عثمان
الحيري، فإنه قال: الحزن بكل وجه فضيلة، وزيادة للمؤمن، ما لم يكن بسبب معصية، لأنه إن لم يوجب
تخصيصاً فإنه يوجب تمحيصاً.
وعن بعض المشايخ أنه كان إذا سافر واحد من أصحابه يقول له: إن رأيت محزوناً، فاقرئه مني السلام.
سمعت الأستاذ أبا علي? الدقاق يقول: كان بعضهم يقول للمشس عند غرو?ا، هل طلعت اليوم على
محزون؟ وكان الحسن البصري لا يراه أحد إلا ظن أنه حديث عهد بمصيبة.
وقال وكيع لما مات الفضيل، ذهب الحزن اليوم من الأرض.
قال بعض السلف، أكثر ما يجده المؤمن في صحيفته من الحسنات لهم. الحزن.
سمعت أبا عبد الله الشيرازي يقول: سمعت علي بن بكران يقول: سمعت محمد بن علي المروزي يقول،
سمعت أحمد بن أبي روح يقول: سمعت أبي يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: كان السلف يقولون:
إن على كل شيء زكاة وزكاة العقل طول الحزن.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن أحمد الفراء يقول: سمعت أبا
الحسين الوراق يقول، سألت أبا عثمان الحيري يوماص عن الحزن فقال: الحزين لا يتفرغ إلى سؤال
الرسالة القشيرية-القشيري 132
الحزن، فاجتهد في طلب الحزن، ثم سل.
باب الجوع وترك الشهوة قال الله تعالى: "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع".
ثم قال في اخر الآية: "وبشر الصابرين" فبشرهم بجميل الثواب على الصبر على مقاساة الجوع.
وقال تعالى: "ويؤثرون على أنفسهم، ولو كان ?م خصاصة".
أخبرنا علي بن أحمد الأهوازي قال: أخبرنا أحمج بن عبيد الصفَّار قال: حدثنا عبد الله بن أيوب قال:
حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال: حدثنا أبو هاشم صاحب الزعفراني قال: حدثنا محمد بن عبد الله، عن
أنس بنمالك أنه حدثه قال: "جاءت فاطمة، رضي الله عنها، بكسرة خبز لرسول الله صلى الله عليه
وسلم، فقال: ما هذه الكسرة يا فاطمة؟".
قالت: قرص خبزته، ولم تطب نفسي حتى أتيتك ?ذه الكسرة.
فقال: أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام.
وفي بعض الروايات: جاءت فاطمة، رضي الله عنها، بقرص شعير.
ولهذا كان الجوع من صفات القوم، وهو أحد أركان ا?اهدة، فإن أرباب السلوك تدرجوا إلى اعتياد
الجوع والإمساك عن الأكل، ووجدوا ينابيع الحكمة في الجوع، وكثرت الحكايات عنهم في ذلك.
سمعت محمد بن أحمد بن الصوفيَّ يقول: سمعت عبد الله بن علي التميمي يقول: سمعت ابن سالم يقول:
أدب الجوع أن لا ينقص من عادته إلا مثل أذن السنور.
وقيل: كان سهل بن عبد الله لا يأكل الطعام إلا في كل خمسة عشر يوماً؛ فإذا دخل شهر رمضان كان لا
يأكل حتى يرى الهلال، وكان يفطر كل ليلة على الماء القراح.
وقال يحيى بن معاذ: لو أن لجوع يباع في السوق لما كان ينبغي لطلاب الآخرة إذا دخلوا السوق أن
يشتروا غيره.
أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبيد الله قال: حدثنا علي بن الحسين الأرجاني قال: حدثنا أبو محمد عبد الله
بن أحمد الأصطخري بمكة -حرسها الله تعالى- قال: قال سهل بن عبد الله: لما خلق الله تعالى الدنيا جعل
في الشبع: المعصية والجهل، وجعل في الجوع: العلم والحكمة.
وقال يحيى بن معاذ: الجوع للمريدين رياضة، وللتائبين تجربة، وللزهاد سياسة، وللعارفين مك?رمة.
سمعت الأستاذ أبا علي? الد?قاق، رحمه الله، يقول: دخل بعضهم على بعض الشيوخ، فرآه يبكي، فقال له:
مالك تبكي؟ فقال: إني جائع.
فقال: ومثل يكبي من الجوع؟! فقال: أسكت، أما علمت أن مراده من جوعي أن أبكي.
الرسالة القشيرية-القشيري 133
سمعت أبا عبد الله الشيرازي، رحمه الله، يقول: حد?ثنا محمد بن بشر قال: حد?ثنا الحسين بن منصور قال:
حد?ثنا دود بن معاذ قال: سمعت مخلداً يقول: كان الحجاج بن فرافصة معنا بالشام، فمكث خمسين ليلة لا
يشرب الماء، ولا يشبع من شيء يأكله.
وسمعته يقول: سمعت أبا بكر الغزالي يقول: سمعت محمد بن علي يقول: سمعت أبا عبد الله أحمد بن يحيى
الجلاء يقول: دخل أو تراب النخشي من بادية البصرة مكة -حرسها الله تعالى- فسألناه عن أكله، فقال:
خرجت من البصرة.. وأكلت بنباج. ثم بذات عرق.. ومن ذات عرق إليكم فقطع البادية بأكلتين.
وسمعته يقول: حدثنا علي بن النحاس المصري قال: حدثنا هارون بن محمد الدقاق قال: حدثنا أبو عبد
الرحمن بن الدرقش قال: حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت عبد العزيز بن عمير يقول: نجو?ع صنف
من الطير أربعين صباحاً، ثم طاروا في الهواء، فرجعوا بعد أيام، فكان يفوح منهم رائحة المسك.
وكان سهل بن عبد الله إذا جاع قوي، وإذا أكل شيئاً ضعف.
وقال أبو عثمان المغربي: الر?باني لا يأكل في أربعين يوماً، والصمداني في ثمانين يوماً.
وسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله يقول: سمعت محمد ابن العلوي يقول: سمعت علي بن
إبراهيم القاضي بدمشق، يقول سمعت محمد بن علي بن خلف يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول:
سمعت أبا سليمان الداراني يقول: مفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع.
سمعت محمد بن عبد الله بن عبيد الله يقول: سمعت علي بن الحسين الأرجاني يقول: سمعت أبا محمد
الإصطخري يقول: سمعت سهل بن عبد الله، وقيل له: الرجل يأكل في اليوم أكلة، فقال أكل الصديقين.
قال: فأكلتين. قال: أكل المؤمنين. قال: فثلاثة: قال: قل لأهلك يبنون لك معلفاً.
وسمعته يقول: حدثنا عبد العزيز بن الفضل قال: حدثنا أبو بكر السائح قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول:
الجوع نور، والشبع نار، والشهوة مثل الحطب يتولد منه الاحتراق، ولا تطفأ ناره حتى يحرق صاحبه.
سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج العلومي يقول: دخل يوماً رجل من الصوفية
على شيخ، فقدم إليه طعاماً.. ثم قال له: منذ كم يوم لم تأكل؟.
فقال: منذ خمسة ايام. فقال جوعك جوع بخل!! عليك ثياب وأنت تجوع؟! ليس هذا جوع فقر!.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن أحمد بن سعيد الرازي يقول: سمعت العباس بن حمزة
يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: قال أبو سليمان الداراني: لأن أترك من عشائي لقمة أحب إلي
من أن أقوم الليل إلى آخره.
وسمعته يقول سمعت أبا القاسم جعفر بن أحمد الرازي يقول: اشتهى أبو الخير العسقلاني السمك سنين، ثم
الرسالة القشيرية-القشيري 134
ظهر له ذلك من موضع حلال، فلما مد يده إليه ليأكل أخذت شوكة من عظامه أصبعه، فذهبت في ذلك
يده، فقال: يا رب، هذا لمن مد يده بشهوة لى حلال، فكيف بمن مد يده بشهوة إلى حرام؟ سمعت
الأستاذ أبا بكر بن فورك يقول: شغل العيال نتيجة متابعة الشهوة بالحلال. فما ظنك بقضية شهوة
الحرام؟.
سمعت رستم الشيرازي الصوفي يقول: كان أبو عبدالله بن خفيف في دعوة فمد? واحد من أصحابه يده إلى
الطعام قبل الشيخ، هذا كان به من فأراد بعض أصحاب الشيخ أن ينكروا عليه لسوء أدبه، حيث مد? يده
إلى الطعام قبل الشيخ، فوضع شيئاً بين يدي هذا الفقير، فعلم الفقير أنه أنكر عليه لسوء أدبه، فاعتقد أن
لا يأكل خمسة عشر يوماً، عقوبة لنفسه، وتأديباً لها، وإظهاراً لتوبته من سوء أدبه وكان قد أصابته فاقة
قبل ذلك.
سمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول: حدثنا أبو الفرج الورثاني قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر،
قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث قال: حدثنا سليمان بن داود قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال:
سمعت مالك ابن دينار يقول: من غلب شهوات الدنيا فذلك الذي يفرق الشيطان من ظله.
وسمعته يقول: سمعت منصور بن عبد الله الأصبهاني يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: إذا قال
الصوفي بعد خمسة أيام أنا جائع فالزموه السوق، وأمروه بالكسب.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، يقول، حاكياً عن بعض المشايخ أنه قال: ن أهل النار غلبت شهو?م
حميتهم، فلذلك افتضحوا.
وسمعته يقول: قيل لبعضهم: ألا تشتهي؟ فقال: أشتهي ولكن أحتمي.
قال: وقيل لبعضهم: ألا تشتهي؟ فقال: اشتهي أن لا أشتهي وهذا تم.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: أخبرنا أحمد بن منصور قال: أخبرنا ابن مخلد قال: حدثنا أبو
الحسين الحسن بن عمرو بن الجهم قال: سمعت أبا نصر التمار، يقول: أتاتي بشر ليلة، فقلت: الحمد الله
الذي جاء بك: جاءنا قطن من خراسان فغزلته البنت، وباعته، واشترت لنا لحماً، فتفطر عندنا.
فقال: لو أكلت عند أحد أكلت عندكم ثم قال: إني لأشتهي الباذنجان منذ سنين، ولم يتفق لي أكله!!
فقلت: إن فيها الباذنجان من الحلال. فقال: حتى يصفو لي حب الباذنجان.
سمعت عبد الله بن باكويه الصوفي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا أ؛مد الصغير يقول: أمرني أبو عبد الله بن
خفيف أن أقدم إليه كل ليلة عشر حبات زبيب، لإفطاره، فليلة اشفقت عليه، فحملت إليه خمس عشرة
حبة، فنظر إلي وقال: من أمرك ?ذا؟ وأكل عشر حبات، وترك الباقي.
سمعت محمد بن عبد الله بن عبيد الله يقول: سمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن عبد الله بن الفرغاني
يقول: سمعت أبا الحسين الرازي يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سمعت أبا تراب النخشبي يقول:
ما تمنعت نفسي من الشهوات، إلا مرة واحدة، تمنت خبزاً وبيضاً وأنا في سفر، فعدل ? ت إلى قرية، فقام
واحد وتعلق بي وقال: هذا كان مع اللصوص. فضربوني سبعين درة. ثم عرفني رجل منهم، فقال: هذا أبو
تراب النخشبي!! فاعتذروا إلي، فحملني رجل إلى مترله، إكراماً لي، وشفقة علي.. وقدم لي خبزاً وبيضاَ،
فقلت لنفسي: كلي بعد سبعين درة!
باب الحياء
قال الله تعالى: "ألم يعلم بأن الله يرى".
وأخبرنا أبو بكر محمد بن عبدوس الحيري! المزكي قال: أخبرنا أبو سهل أحمد ابن محمد بترياد النحوي?
ببغداد قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن الهيثم قال: حدثنا موسى بن حيان قال: حدثنا المقدمي، عن عبيد
الرسالة القشيرية-القشيري 190
الله بن عمر، عن نافقع، عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"الحياء من الإيمان".
وأخبرنا أبو سعيد محمد بن إبراهيم الاسماعيلي قال: حدثنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري قال:
حدثنا أبو أحمد بن عبد الوهاب قال: حدثنا يعلى بن عبيد قال: حدثنا أبان بن إسحق، عن الصباح بن
محمد، عن ?مر?ة الهمذاني، عن ابن مسعود، رضي الله عنه، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، قال ذات يوم
لأصحابه: "استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: إنا نستحي يا نبي الله، والحمد الله.
قال: ليس ذلك، ولكن ن استحيا من الله حق الحياء، فليحفظ الرأس وما وعي، وليحفظ البطن وما
حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله
حق الحياء".
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: أخبرنا أبو نصر الوزيري قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن
محمد قال: حدثنا الغلابي قال: حدثنا محمد بن مخلد، عن أبيه قال: قال بعض الحكماء: أحيوا الحياء
بمجالسة من ?يست?حا منه.
وسمعته يقول سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت ابن عطاء يقول: العلم الأكبر: الهيبة والحياء؛ فإذا ذهبت
الهيبة والحياء لم يبق فيه خير.
وسمعته يقول: سمعت أبا الفرج الورثاني يقول: سمعت محمد بن أحمد بن يعقوب يقول: حدثني محمد بن
عبد الملك قال: سمعت ذا النون المصري يقول: الحياء وجود الهيبة في القلب، مع وحشة ما سبق منك إلى
ربك تعالى.
وقال ذو النون المصري: الحب? ينطق، والحياة يسكب، والخوف يقلق.
وقال أبو عثمان: من تكلم في الحياء ولا يستحي من الله عز وجل فيما يتكلم به، فهو مستدرج.
سمعت أبا بكر بن أشكيب، يقول: دخل الحسن بن الحداد على عبد الله ابن منازل، فقال: من أين تجيء؟
فقال: من مجلس أبي القاسم المذكر. قال: في ماذا كان يتكلم؟ فقال: في الحياء. فقال عبد الله: واعجباه!!
من لم يستح من الله تعالى كيف يتكلم في الحياء؟! سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا العباس
البغدادي يقول: سمعت أحمد بن صالح يقول: سمعت محمد بن عبدون يقول: سمعت أبا العباس المؤدب
يقول: قال السري?: إن الحياء والأنس يطرقان القلب؛ فإن وجدا فيه الزهد والورع حطا، وإلا رحلا.
وسمعته يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت الجريري يقول: تعامل القرن الأول من
الناس فيما بينهم بالدين، حتى رق الدين.. ثم تعامل القرن الثاني بالوفاء حتى ذهب الوفاء، ثم تعامل القرن
الثالث بالمروءة حتى ذهبت المروءة، ثم تعامل القرن الرابع بالحياء حتى ذهب الحياء، ثم صار الناس يتعاملون
الرسالة القشيرية-القشيري 191
بالرغبة والرهبة.
وقيل في قوله تعالى: "ولقد همت به وهم? ?ا لولا أن رأى برهان ربه".
البرهان: أ?ا ألقت ثوباً على وجه صنم في زاوية البيت، فقال يوسف عليه السلام: ماذا تفعلين؟ فقالت:
استحي منه، قال يوسف عليه السلام: أنا أولى منك أن أستحي من الله تعالى.
وقيل في قوله تعالى: "فجاءته إحداهما تمشي على استحياء" قيل: إنما استحيت منه؛ لأ?ا كانت تدعوه إلى
الضيافة، فاستحيت أن لا يجيب موسى عليه السلام، فصفة المضيف الاستحياء، وذلك استحياء الكرم.
سمعت محمد بن الحسين، رحمه الله. يقول: سمعت عبد الله بن الحسين يقول. سمعت محمد بن الحسين،
رحمه الله. يقول: سمعت أبا عبد الله العمري يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت أبا سليمان
الداراتي يقول: قال ألله تعالى: "يا عبدي إنك ما استحييت مني؛ أنسي ? ت الناس عيوبك، وأنسيت بقاع
الأرض ذنوبك، ومحوت من أم الكتاب زلاتك، ولا أناقشك في الحساب يوم القيامة".
وقيل: رؤى رجل يصلي خارج المسجد، فقيل له: لم لا تدخل المسجد فتصلي فيه؟ فقال: استحى منه
تعالى أن أدخل بيته، قد عصيته!! وقيل: من علامات المستحي: أن لايرى بموضع يستحيا منه.
وقال بعضهم: خرجنا ليلة فمررنا بأجمة، فإذا رجل نائم، وفرص عند رأسه ترعى، فحركناه، وقلنا له: ألا
تخاف أن تنام في مثل هذا الموضع المخوف وهو م?سبع؟
فرفع رأسه، وقال: أنا أستحي منه تعالى، أن أخاف غيره، ووضع رأسه ونام.
وأوحى الله سبحانه إلى عيسى عليه السلام: عظ نفسك؛ فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستح مني أن
تعظ الناس.
وقيل: الحياء على وجوه: حياء الجناية؛ كآدم، عليه السلام، لما قيل له: أفراراً منا!! فقال: لا، بل حياء
منك.
وحياء التقصير؛ كالملائكة يقولون: سبحانه: ما عبدناك حق عبادتك.
وحياء الإجلال؛ كإسرافيل، عليه السلام، تسربل بجناحه حياء من الله عز? وجلَّ.
وحياء الكرم؛ كالنبي صلى الله عليه وسلم، كان يستحي من أمته أن يقول لهم: أخرجوا، فقال الله عز
وجلَّ: "ولا مستأنسين لحديث".
وحياء حشمة؛ كعلى، رضي الله عنه، حين سأل المقداد بن الأسود حتى سأل رسول الله صلى الله عليه
وسلم عن حكم خروج المذي، لمكان فاطمة رضي الله عنها.
وحياء الاستحقار؛ كموسى عليه السلام، قال: إني لنعرِض لي الحاجة من الدنيا، فاستحي أن أسألك يا
رب، فقال لله عز وجل له: سلني حتى عن ملح عجينك، وعلق شاتك.
وحياء الإنعام، هو حياء الرب سبحانه، يدفع إلى العبد كتاباً مختوماً بعد ما عبر الصراط، وإذا فيه: فعلت?
ما فعلت?، وقد استحييت أن أظهره عليك، فاذهب، فإني قد غفرت لك.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول في هذا الخبر: إن يحيى بن معاذ قال: سبحان من يذنب العبد فيستحي
هو منه.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن جعفر يقول: سمعت زنجوية اللباد يقول: سمعت
علي بن الحسين الهلالي يقول: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: خمس
من علامات الشقاء: القسوة في القلب، وجمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل.
وفي بعض الكتب: ما أنصفني عبدي، يدعوني فأستحي ن أرده، ويعصيني فلا يستحي مني.
وقال يحيى بن معاذ: من استحيا من الله مطيعاً استحيا الله تعالى منه وهو مذنب.
وأعلم أن الحياء: يوجب التذويب، فقال: الحياء: ذوبان الحشا لاطلاع المولى.
ويقال: الحياء: انقباض القلب، لتعظيم الرب وقيل: إذا جلس الرجل ليعظ الناس ناداه ملكاه: عظ نفسك
بما تعظ به أخاك، وإلا فاستحي من سيدك؛ فإنه يراك.
وسئل الجنيد عن الحياء، فقال: رؤية الآلاء، ورؤية التقصير، فيتولد من بينهما حالة تسمى الحياء.
وقال الواسطي: لم يذق لذعات الحياء من لابس خرق حد? أو نقض عهد.
وقال الواسطي أيضاً: المستحي يسيل منه العرق، وهو الفضل الذي فيه،وما دام في النفس شيء فهو
مصروف عن الحياء.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: الحياء: ترك الدعوى بين يدي الله عز? وجلَّ.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن عبد الله الصوفي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا العباس بن
الوليد الزوزني يقول: سمعت محمد بن أحمد الجوزجاني يقول: سمعت أبا بكر الوراق يقول: ربما أصلي لله
تعالى ركعتين، فأنصرف عنهما، وأنا بمترلة من ينصرف عن السرقة من الحياء.
قال الله تعالى: "ألم يعلم بأن الله يرى".
وأخبرنا أبو بكر محمد بن عبدوس الحيري! المزكي قال: أخبرنا أبو سهل أحمد ابن محمد بترياد النحوي?
ببغداد قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن الهيثم قال: حدثنا موسى بن حيان قال: حدثنا المقدمي، عن عبيد
الرسالة القشيرية-القشيري 190
الله بن عمر، عن نافقع، عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"الحياء من الإيمان".
وأخبرنا أبو سعيد محمد بن إبراهيم الاسماعيلي قال: حدثنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري قال:
حدثنا أبو أحمد بن عبد الوهاب قال: حدثنا يعلى بن عبيد قال: حدثنا أبان بن إسحق، عن الصباح بن
محمد، عن ?مر?ة الهمذاني، عن ابن مسعود، رضي الله عنه، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، قال ذات يوم
لأصحابه: "استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: إنا نستحي يا نبي الله، والحمد الله.
قال: ليس ذلك، ولكن ن استحيا من الله حق الحياء، فليحفظ الرأس وما وعي، وليحفظ البطن وما
حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله
حق الحياء".
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: أخبرنا أبو نصر الوزيري قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن
محمد قال: حدثنا الغلابي قال: حدثنا محمد بن مخلد، عن أبيه قال: قال بعض الحكماء: أحيوا الحياء
بمجالسة من ?يست?حا منه.
وسمعته يقول سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت ابن عطاء يقول: العلم الأكبر: الهيبة والحياء؛ فإذا ذهبت
الهيبة والحياء لم يبق فيه خير.
وسمعته يقول: سمعت أبا الفرج الورثاني يقول: سمعت محمد بن أحمد بن يعقوب يقول: حدثني محمد بن
عبد الملك قال: سمعت ذا النون المصري يقول: الحياء وجود الهيبة في القلب، مع وحشة ما سبق منك إلى
ربك تعالى.
وقال ذو النون المصري: الحب? ينطق، والحياة يسكب، والخوف يقلق.
وقال أبو عثمان: من تكلم في الحياء ولا يستحي من الله عز وجل فيما يتكلم به، فهو مستدرج.
سمعت أبا بكر بن أشكيب، يقول: دخل الحسن بن الحداد على عبد الله ابن منازل، فقال: من أين تجيء؟
فقال: من مجلس أبي القاسم المذكر. قال: في ماذا كان يتكلم؟ فقال: في الحياء. فقال عبد الله: واعجباه!!
من لم يستح من الله تعالى كيف يتكلم في الحياء؟! سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا العباس
البغدادي يقول: سمعت أحمد بن صالح يقول: سمعت محمد بن عبدون يقول: سمعت أبا العباس المؤدب
يقول: قال السري?: إن الحياء والأنس يطرقان القلب؛ فإن وجدا فيه الزهد والورع حطا، وإلا رحلا.
وسمعته يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت الجريري يقول: تعامل القرن الأول من
الناس فيما بينهم بالدين، حتى رق الدين.. ثم تعامل القرن الثاني بالوفاء حتى ذهب الوفاء، ثم تعامل القرن
الثالث بالمروءة حتى ذهبت المروءة، ثم تعامل القرن الرابع بالحياء حتى ذهب الحياء، ثم صار الناس يتعاملون
الرسالة القشيرية-القشيري 191
بالرغبة والرهبة.
وقيل في قوله تعالى: "ولقد همت به وهم? ?ا لولا أن رأى برهان ربه".
البرهان: أ?ا ألقت ثوباً على وجه صنم في زاوية البيت، فقال يوسف عليه السلام: ماذا تفعلين؟ فقالت:
استحي منه، قال يوسف عليه السلام: أنا أولى منك أن أستحي من الله تعالى.
وقيل في قوله تعالى: "فجاءته إحداهما تمشي على استحياء" قيل: إنما استحيت منه؛ لأ?ا كانت تدعوه إلى
الضيافة، فاستحيت أن لا يجيب موسى عليه السلام، فصفة المضيف الاستحياء، وذلك استحياء الكرم.
سمعت محمد بن الحسين، رحمه الله. يقول: سمعت عبد الله بن الحسين يقول. سمعت محمد بن الحسين،
رحمه الله. يقول: سمعت أبا عبد الله العمري يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت أبا سليمان
الداراتي يقول: قال ألله تعالى: "يا عبدي إنك ما استحييت مني؛ أنسي ? ت الناس عيوبك، وأنسيت بقاع
الأرض ذنوبك، ومحوت من أم الكتاب زلاتك، ولا أناقشك في الحساب يوم القيامة".
وقيل: رؤى رجل يصلي خارج المسجد، فقيل له: لم لا تدخل المسجد فتصلي فيه؟ فقال: استحى منه
تعالى أن أدخل بيته، قد عصيته!! وقيل: من علامات المستحي: أن لايرى بموضع يستحيا منه.
وقال بعضهم: خرجنا ليلة فمررنا بأجمة، فإذا رجل نائم، وفرص عند رأسه ترعى، فحركناه، وقلنا له: ألا
تخاف أن تنام في مثل هذا الموضع المخوف وهو م?سبع؟
فرفع رأسه، وقال: أنا أستحي منه تعالى، أن أخاف غيره، ووضع رأسه ونام.
وأوحى الله سبحانه إلى عيسى عليه السلام: عظ نفسك؛ فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستح مني أن
تعظ الناس.
وقيل: الحياء على وجوه: حياء الجناية؛ كآدم، عليه السلام، لما قيل له: أفراراً منا!! فقال: لا، بل حياء
منك.
وحياء التقصير؛ كالملائكة يقولون: سبحانه: ما عبدناك حق عبادتك.
وحياء الإجلال؛ كإسرافيل، عليه السلام، تسربل بجناحه حياء من الله عز? وجلَّ.
وحياء الكرم؛ كالنبي صلى الله عليه وسلم، كان يستحي من أمته أن يقول لهم: أخرجوا، فقال الله عز
وجلَّ: "ولا مستأنسين لحديث".
وحياء حشمة؛ كعلى، رضي الله عنه، حين سأل المقداد بن الأسود حتى سأل رسول الله صلى الله عليه
وسلم عن حكم خروج المذي، لمكان فاطمة رضي الله عنها.
وحياء الاستحقار؛ كموسى عليه السلام، قال: إني لنعرِض لي الحاجة من الدنيا، فاستحي أن أسألك يا
رب، فقال لله عز وجل له: سلني حتى عن ملح عجينك، وعلق شاتك.
وحياء الإنعام، هو حياء الرب سبحانه، يدفع إلى العبد كتاباً مختوماً بعد ما عبر الصراط، وإذا فيه: فعلت?
ما فعلت?، وقد استحييت أن أظهره عليك، فاذهب، فإني قد غفرت لك.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول في هذا الخبر: إن يحيى بن معاذ قال: سبحان من يذنب العبد فيستحي
هو منه.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بن جعفر يقول: سمعت زنجوية اللباد يقول: سمعت
علي بن الحسين الهلالي يقول: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: خمس
من علامات الشقاء: القسوة في القلب، وجمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل.
وفي بعض الكتب: ما أنصفني عبدي، يدعوني فأستحي ن أرده، ويعصيني فلا يستحي مني.
وقال يحيى بن معاذ: من استحيا من الله مطيعاً استحيا الله تعالى منه وهو مذنب.
وأعلم أن الحياء: يوجب التذويب، فقال: الحياء: ذوبان الحشا لاطلاع المولى.
ويقال: الحياء: انقباض القلب، لتعظيم الرب وقيل: إذا جلس الرجل ليعظ الناس ناداه ملكاه: عظ نفسك
بما تعظ به أخاك، وإلا فاستحي من سيدك؛ فإنه يراك.
وسئل الجنيد عن الحياء، فقال: رؤية الآلاء، ورؤية التقصير، فيتولد من بينهما حالة تسمى الحياء.
وقال الواسطي: لم يذق لذعات الحياء من لابس خرق حد? أو نقض عهد.
وقال الواسطي أيضاً: المستحي يسيل منه العرق، وهو الفضل الذي فيه،وما دام في النفس شيء فهو
مصروف عن الحياء.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: الحياء: ترك الدعوى بين يدي الله عز? وجلَّ.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن عبد الله الصوفي، رحمه الله، يقول: سمعت أبا العباس بن
الوليد الزوزني يقول: سمعت محمد بن أحمد الجوزجاني يقول: سمعت أبا بكر الوراق يقول: ربما أصلي لله
تعالى ركعتين، فأنصرف عنهما، وأنا بمترلة من ينصرف عن السرقة من الحياء.













من المغرب