الصوفية
الصوفية طريق إلى الله
من أبواب الرسالة القشيرية ج 2 - في علم التصوف
لتحميل الكتاب .....
باب الخلوة والعزلة
أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصري، قال: حد?ثنا عبد العزيز بن
معاوية قال: حد?ثنا القعني قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن ابيه، عن بعجة بن عبد الله بن بدر
الجهني، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من خير معايش الناس كلِّهم رجلاً
آخذاً بعنان فرسه في سبيل الله، إن سمع فزعة أو هيعة كان على متن فرسه يبتغي الموت أو القتل في مظانه،
أو رجلاً في غنيمة له في رأس شعفة من هذه الشعاف، أو في بطن واد من هذه الأودية، يقيم الصلاة،
ويؤتى الزكاة، ويع?بد رب?ه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير".
قال الأستاذ: الخلوة: صفة أهل الصفوة. والعزلة: من أمارات الوصلة.
ولا بد للمريد -في ابتداء حاله- من العزلة عن أبناء جنسه، ثم في ?ايته - من الخلوة؛ لتحققه بأنسه.
ومن? حق? العبد -إذا آثر العزلة- أن يعتقد باعتزاله عن الخلق سلامة الناس من شره ولا يقصد سلامته من
شر الخلق، فإن الأول من القسمين: نتيجة استصغار نفسه، والثاني شهود مزيته على الخلق. ومن استصغر
نفسه فهو متواضع، ومن رأى لنفسه مزلة على أحد، فهو متكبر.
ورؤي بعض الرهبان، فقيل له: إنك راهب.
فقال: لا، بل أن حارس كلب؛ إن نفسي كلب يعقر الخلق أخرجتها من بينهم، ليسلموا منها.
ومر? إنسان ببعض الصالحين؛ فجمع ذلك الشيخ ثيابه منه، فقال له الرجلَّ: لم تجمع عني ثيابك، ليست
ثيابي نجسة؟ فقال الشيخ: وهمت? في ظنك، ثيابي هي النجسة. جمعتها عنك؛ لئلا تنجس ثيابك، لا لكي لا
تنجس ثيابي.
الرسالة القشيرية-القشيري 105
ومن آداب العزلة: العار ? ف؟ قالوا: كائن بائن، يعني: كائن مع الخلق، بائن عنهم بالسر.
سمعت الأستاذ أبا علي? الدقَّاق، رحمه الله، يقول: إلبس مع الناس ما يلبسون، وتناول مما يأكلون، وانفرد
عنهم بالسر.
وسمعته يقول: جاءني إنسان، وقال: جئتك من مسافة بعيدة فقلت: ليس هذا الحديث من حيث قطع
المسافة ومقاساة الأسفار فارق نفسك ولو بخطوة، فقد حصل مقصودك.
يحكى عن أبي يزيد قال: رأيت ربي? عز وجلَّ في المنام، فقلت: كيف أجدك؟ فقال: فارق? نفسك وتعال.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول سمعت أبا عثمان المغربي يقول: من أختار الخلوة
على الصحبة ينبغي أن يكون خالياً من جميع الأذكار إلا ذكر ربه، وخالياً من جميع الإرادات إلا رضا
رب?ه، وخالياً من مطالبة النفس من جميع الأسباب، فإن لم يكن ?ذه الصفة، فإن خلوته توقعه في فتنة أو
بلية.
وقيل: الإنفراد في الخلوة أجمع لدواعي السلوة.
وقال يحيى بن معاذ: أنظر: أنسك بالخلوة، أو أنسك معه في الخلوة، فن كان أنسك بالخلوة ذهب أنسك
إذا خرجت منها، وإن كان أنسك به في الخلوة استوت لك الأماكن في الصحاري والبراري.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت محمد بن حامد يقول: جاء رجل
إلى زيارة أبي بكر الور?اق، فلما أراد أن يرجع، قال له: أوصني. فقال وجدت خير الدنيا والآخرة في
الكثرة والقلة، وشر?هما في الكثرة والاختلاط.
وسمعته يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت الجريري وقد سئل عن العزلة، فقال: هي الدخول
بين الزحام وتمنع سرك أن لا يزاحموك، وتعزل نفسك عن الآثام، ويكون شرك مربوطاً بالحق.
وقيل؛ من آثر العزلة حصل العزلة.
وقال سهل: لا تصح الخلوة إلا بأكل الحلال، ولا يصح أكل الحلال إلا بأداء حق الله.
وقال ذو النون المصري: لم أر شيئاً أبعث على الإخلاص من الخلوة: وقال أبو عبد الله الرملي: فيمكن
خدنك الخلوة، وطعامك الجوع، وحديثك المناجاة فإما أن تموت؛ وإما أن تصل الله سبحانه.
وقال ذو النون: ليس من احتجب عن الخلق بالخلوة، كمن احتجب عنهم بالله.
سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت جعفر بن نصير يقول: سمعت
الجنيد يقول: مكابدة العزلة أيس?ر من مداراة الخلطة.
وقال مكحول: إن كان في مخالطة الناس خير فإن في العزلة السلامة.
وقال يحيى بن معاذ: الوحدة جليس الصديقين.
الرسالة القشيرية-القشيري 106
سمعت الشيخ أبا علي الدقاق يقول: سمعت الشبلي يقول: الإفلاس.. الإفلاس يا ناس.
فقيل له: يا أبا بكر، ما علامة الإفلاس؟ قال: من علامة الإفلاس الاستئناس بالناس.
وقال يحيى بن أبي كثير: من خالط الناس داراهم، ومن داراهم راياهم.
وقال شعيب بن حرب. دخلت على مالك بن مسعود بالكوفة، وهو في دار وحده، فقلت له: أما
تستوحش وحدك؟ فقال: ما كنت أرى أن أحداً يستوحش مع الله.
سمعت الشيخأبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا عمر والأنماطي يقول،
سمعت الجنيد يقول: من أراد أن يسلم له دينه، ويستريح بدنه وقلبه، فليعتزل الناس، فإن هذا زمان
وحشة، والعاقل من اختار فيه الوحدة.
وسمعته يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: قال أبو يعقوب السوسي: الإنفراد لا يقوى عليه إلا الأقوياء،
ولأمثالنا: الاجتماع أوفر وأنفع، يعمل بعضهم على رؤية بعض.
وسمعته يقول: سمعت أبا عثمان سعيد بن أبي سعيد يقول: سمعت أبا العباس الدامغاني يقول: أوصاني
الشبلي، فقال: الزم الوحدة، وامح اسمك عن القوم، واستقبل الجبار حتى تموت.
وجاء رجل إلى شعيب بن حرب، فقال له: ما جاء بك؟ فقال أكون معك.
قال: يا أخي، إن العباة لا تكون بالشركة، ومن لم يستأنس بالله لم يستأنس بشيء. حكي أن بعضهم قيل
له: ما أعجب ما لقيت في سياحتك؟ فقال لهم: لقيتي الخضر، فطلب مني الصحبة: فخشيت أن يفسد
علي توكلي.
وقيل لبعضهم: هاهنا أحد تستأنس به؟ فقال: نعم... ومد يده إلى مصحف ووضعه في حدره، وقال:
هذا.
Binary file 51_1 matches : وفي معناه أنشدوا
اشترى ?مذان حب القرطم، ففضل منه شيء، فلما رجع إلى بسطام رأى فيه نملتين، فرجع إلى همذان
فوضع النملتين.
ويحكى أن أبا حنيفة كان لا يجلس في ظل شجرة غريمة. ويقول: قد جاء في الخبر: "كلُّ قرض جر نفعاً
فهو رباً".
وقيل: إن أبا يزيل غسل ثوبه في الصحراء مع صاحب له.
فقال له صاحبه: تعلق الثوب في جدار الكرم.
فقال لا، لا تغرز الوتد في جدار الناس.
فقال: نعلقه في الشجر.
الرسالة القشيرية-القشيري 107
فقال: لا، إنه يكسر الأغصان.
فقال: نبسطه على الأذْخِر.
فقال: لا؛ إنه علق الدواب، لا نستره عنها.
قولي ظهره إلى الشمس والقميص على ظهره، حتى جف جانب، ثم قلبه حتى جف الجانب الآخر.
وقيل: إن أبا يزيد دخل يوماً الجامع، فغرز عصاه في الأرض فسقطت، ووقعت على عصا شيخ بجنبه ركز
عصاه في الأرض، فألقتها. فانحنى الشيخ وأخذ عصاه، فمضى أبو يزيد إلى بيت الشيخ واستحله، وقال:
كان السبب في انحنائك تفريطي في غرز عصاي، حيث حتجب إلى أن تنحني.
ورؤى عتبة الغلام بمكان يتصبب عرقاً في الشتاء، فقيل له في ذلك.
فقال: إنه مكان عصيت فيه ربي!! فسئل عنه فقال: كشطت من هذا الجدار قطعت طين، غسل ?ا ضيف
لي يده، ولم أستحل من صاحبه.
وقال إبراهيم بن أدهم: بت ليلة تحت الصخرة ببيت المقدس؛ فلما كان بعض الليل نزل ملكان، فقال
أحدهما لصاحبه: من هاهنا؟ فقال الآخر: إبراهيم بن أدهم.
فقال: ذاك الذي حط بالله سبحانه درجة من درجاته.
فقال: لم؟ قال: لأنه اشترى بالبصرة تمراً، فوقعت تمرة على تمرة من تمر البقال، فلم يردها على صاحبها.
قال إبراهيم: فمضيت إلى البصرة، واشتريت التمر من ذلك الرجل، وأوقعت تمرة على تمرة، ورجعت إلى
بيت المقدس، وبت في الصخرة.
فلما كان بعض الليل، إذ أنا بملكين نزلا من السماء.
فقال أحدهما لصاحبه: من هاهنا؟ فقال الآخر: إبراهيم بن أدهم: فقال: ذلك الذي رد الله مكانه،
و ? رفعت درجته.
وقيل: التقوى على وجوه: للعامة: تقوى الشرك، وللخاصة: تقوى المعاصي، وللأولياء: تقوى التوصل
بالأفعال، وللأنبياء تقوى نسبة الأفعال؛ إذ تقواهم منه إليه.
وعن أمير المؤمنين علي، رضي الله عنه، قال: سادة الناس في الدنيا الأسخياء، وسادة الناس في الآخرة
الأتقياء.
أخبرنا علي بن أحمد الأهوازي، قال: أخبرنا أبو الحسين البصري قال: أخبرنا بشر بن موسى، قال: حدثنا
محمد بن عبد الله بن المبارك، عن يحيى ابن أيوب، عن عبيد الله بن رحو، عن علي بن يزيد، عن القاسم،
عن أبي أمامة؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من نظر إلى محاسن امرأة فغض بصره في أول مرة،
أحدث الله له عبادة يجد حلاو?ا في قلبه".
الرسالة القشيرية-القشيري 108
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا العباس محمد بن الحسين، يقول: سمعت محمد بن عبد الله
الفرغاني يقول: كان الجنيد جالساً مع رويم، والجريري، وابن عطاء، فقال الجنيد: ما نجا من نجا إلا بصد
اللجا، قال الله تعالى: "وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت.. الآية".
وقال رويم، رحمه الله: ما نجا ما نجا إلا بصدق التقي، قال تعالى: "وينجي الله الذين اتقوا بمفاز?م..".
وقال الجريري: ما نجا من نجا إلا بمراعاة الوفاء، قال الله تعالى: "والذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون
الميثاق".
وقال ابن عطاء: ما نجا من نجا إلا بتحقيق الحياء من الله قال الله تعالى: "ألم يعلم بأن الله يرى".
وقال الأستاذ الإمام: ما نجا من نجا إلا بالحكم والقضاء، قال الله تعالى: "إن الذين سبقت لهم منا الحسنى"
الآية.
وقال أيضاً: ما نجا من نجا إلا بما سبق له من الاجتباء، قال الله تعالى: "واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط
مستقيم".
باب الخشوع والتواضع
قال الله تعالى: "قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلا?م خاشعون".
أخبرنا أبو الحسن عبد الرحيم بن إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي، قال: أخبرنا أبو الفضل سفيان بن
محمد الجوهري، قال حدثنا علي بن الحسين قال: حدثنا يحيى بن حماد قال: حدثنا شعبة، عن أبان بن
ثعلب، عن فضل الفقيمي، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله ابن مسعود، عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من قلبه
مثقال ذر?ة من إيمان، فقال رجل يا رسول الله، إن الرجل يحب أن يكون ثوبة حسناً. فقال: إن الله تعالى
جميل يحب الجمال، الكبر من بطر الحق، وغمص الناس".
وأخبرنا علي بن أحمد الأهوازي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد البصري، قال: حدثنا محمد بن الفضل بن
جابر قال حدثنا أبو إبراهيم قال: حدثنا علي ابن مسهر، عن مسلم الأعور، عن أنس بن مالك، قال:
"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض، ويشيع الجنائز، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد،
وكان يوم قريظة ولانضير على حمار مخطوم بحبل من ليف. عليهإكاف من ليف".
الخشوع: الانقياد للحق.
والتواضع: هو الاستسلام للحق، وترك الاعتراض على الحكم.
وقال حذيفة: أول ما تفقدون من دينكم: الخشوع.
وسئل بعضم عن الخشوع، فقال: الخشوع: قيام القلب بين يدي الحق، سبحانه، ?م مجموع.
وقال: من علامات الخشوع للعبد: أنه إذا أغضب أو خولف، أو رد عليه أن يستقبل ذلك بالقبول.
وقال بعضهم: خشوع القلب: قيد العيون عن النظر.
وقال محمد بن علي الترمذي: الخاشع من خمدت نيران شهوته، وسكن دخان صدره، وأشرق نور التعظيم
في قلبه، فماتت شهوته، وحيي قلبه؛ فخشعت جوارحه.
الرسالة القشيرية-القشيري 136
وقال الحسن البصري: الخشوع: الخوف الدائم اللازم للقلب.
وسئل الجنيد عن الخشوع، فقال: تذلل القلوب لعلام الغيوب.
قال الله تعالى: "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً" سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله،
يقول ما معناه: متواضعين، متخاشعين.
وسمعته يقول: هم الذين لا يستحسنون شِسع نعالهم إذا مشوا.
واتفقوا على أن الخشوع محله القلب.
ورأى بعضهم رجلاً منقبض الظاهر، منكسر الشاهد، قد زوى منكبيه، فقال له: يا فلان، الخشوع هاهنا،
وأشار إلى صدره، لا هاهنا وأشار إلى منكبيه.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي رجلاً يعبث في صلاته بلحيه، فقال: "لو خشع قلب هذه
لخشعت جوارحه".
وقيل، شرط الخشوع، في الصلاة أن لا يعرف من على يمينه ومن على شماله.
قال الأستاذ الإمام: ويحتمل أن يقال: الخشوع، إطراق السريرة بشرط الأدب بمشهد الحق سبحانه وتعالى.
ويقال: الخشوع، ذبول يرد على القلب عنداطلاع الرب.
ويقال: الخشوع، ذوبان القلب وانخناسه عند سلطان الحقيقة.
ويقال: الخشوع، مقدمات غلبات الهيبة.
ويقال: الخشوع: قشعريرة ترد على القلب بغتة عند مفاجأة كشف الحقيقة.
وقال الفضيل بن عياض: كان يكره أن يرى على الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه.
وقال أبو سليمان الداراني: لو أجتمع الناس على أن يضعوني كاتضاعي عند نفسي لما قدروا عليه.
وقيل: من لم يتضع عند نفسه لم يتضع عند غيره.
وكان عمر بن عبد العزيز لا يسجد إلى على التراب.
أخبرنا علي بن أحمد الأهوازي قال: حد?ثنا أحمد بن عبيد البصري، قال: حد?ثنا إبراهيم بن عبد الله، قال:
حدثنا أبو الحسن علي بن يزيد الفرائض، قال: حدثنا محمد بن كثير، وهو المصيصي، عن هارون بن
حيان، عن حصيف، عن سعيد بن جبير، عن أبن عباس، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر".
وقال مجاهد، رحمه الله: لما أغرف الله سبحانه، قوم نوح شمخت الجبال، وتواضع الجودي، فجعله الله
سبحانه، قراراً لسفينة نوح عليه السلام.
وكان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يسرع في المشي، ويقول: إنه أسرع للحاجة، وأبعد من الزهو.
الرسالة القشيرية-القشيري 137
وكان عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، يكتب ليلة شيئاً، وعند ضيف، فكاد السراج. ينطفىء، فقال
الضيف: أقوم إلى المصباح فأصلحه، فقال: لا: ليس من الكرم استخدام الضيف.
قال: فأنب?ه الغلام.
قال: لا، هي أول نومة نامها.
فقالم إلى البطة، وجعل الدهن في المصباح، فقال الضيف: قمت بنفسك يا أمير المؤمنين!! فقال له عمر:
ذهب ? ت وأنا عمر، ورجعت وأناعمر.
وروي أبو سعيد الخدري، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يعلف البغير، ويقم
البيت، ويخصف النعل، ويرقع الثوب، ويحلب الشاة، ويأكل مع الخادم، ويطحن معه إذا أعيا، وكان لا
يمنعه الحياء أن يحمل بضاعته من السوق إلى أهله، وكان يصافح الغني والفقير، ويس?لم مبتدئاً، ولا يحتقر ما
دعي إليه، ولو إلى حشف التمر، وكان هين المؤنة، لين الخلق؛ كريم الطبيعة جميل المعاشرة، طلق الوجه،
بساماً من غير ضحك، محزوناً من غير عبوسة؛ متواضعاً من غير مذلة؛ جواداً من غير سرف، رقيق
القلب؛ رحيماً بكل مسلم، لم يتجشأ قط من شبع؛ ولم يمد يده إلى طمع".
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي؛ رحمه الله يقول: سمعت عبد الله بن محمد الرازي يقول: سمعت
محمد بن نصر الصائغ يقول: سمعت مردويه الصائغ يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: قراء الرحمن،
عز وجل، أصحاب خشوع وتوضاع، وقراء القضاة أصحاب عجب وتكبر.
وقال الفضيل بنعياض: من رأى لنفسه قيمة فليس له في التواضع نصيب.
وسئل الفضيل عن التواضع، فقال: تخضع للحق، وتنقاد له وتقبله ممن قاله.
وقال الفضيل: أوحى الله؛ سبحانه وتعالى؛ إلى الجبال: أني مكلم على واحد منكم نبياً. فتطاولت الجبال؛
وتواضع طورسينا؛ فكلم الله سبحانه علية موسى، عليه السلام، لتواضعه.
سمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أحمد بن علي بن جعفر، يقول: سمعت إبراهيم بن
فاتك، يقول: سئل الجنيد عن التواضع؛ فقال: خفض الجناح للخلق؛ ولين الجانب لهم.
وقال وهب: مكتوب في بعض ما أنزل الله تعالى من الكتب: "إني أخرجت الذر من صلب آدم، فلم أجد
قلباً أشد? تواضعاً من قلب موسى عليه السلام، فلذلك اصطفيته وكلم?ته".
وقال ابن المبارك: التكبير على الأغنياء، والتواضع للفقراء من التواضع.
وقيل لأبي يزيد: متى يكون الرجل متواضعاً؟ فقال: إذا لم ير لنفسه مقاماً ولا حالاً؛ ولا يرى أن في الخلق
من هو شر منه.
الرسالة القشيرية-القشيري 138
وقيل: التواضع نعمة لا يحسد عليها، والكبر محنة لا ير?حم عليها، والعز? في التواضع فمن طلبه في الكبر لم
يجده.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله يقول: سمعت إبراهيم بن
شيبان يقول: الشرف في التواضع، والعز? في التقوى، والحرية في القناعة.
وسمعته أياَ يقول: سمعت الحسن الساوي يقول: سمعت ابن الأعرابي يقول: بلغني أنَّ سفيان الثوري قال:
أعز الخلق خمسة أنفس: عالم زاهد، وفقيه صوفي، وغني متواضع، وفقير شاكر، وشريف ? سنى.
وقال يحيى بن معاذ: التواضع حسن في كلِّ أحد لكنه في الآغنياء أحسن، والتكبر سمج في كل أحد لكنه
في الفقراء أسمج!! وقال ابن عطاء: التواضع: قبول الحق? ممن كان.
وقيل: ركب زيد بن ثابت، فدنا ابن عباس ليأخذ بركابه، فقال ل م?ه يا ابن عم? رسول الله. فقال هكذا
أمرنا أن نفعل بعلمائنا. فأخذ زيد بن ثابت يد ابن عباس فقبلها، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل رسول
الله صلى الله عليه وسلم.
وقال عروة بن الزبير: رأيت عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وعلى عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير
المؤمنين، لا ينبغي لك هذا!! فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين، دخلت? في نفسي نخوة فأحبب ? ت أن
أكسرها. ومضى بالقربة إلى حجرة امرأة من الأنصار فأفرغها في إنائها.
سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج الطوسي يقول: رؤي أبو هريرة، وهو أمير
المدينة، وعلى ظهره حزمة حطب، وهو يقول: طرقوا للأمير.
وقال عبد الله الرازي: التواضع ترك التمييز في الخدمة.
سمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن أحمد بن هارون يقول: سمت محمد بن العباس
الدمشقي يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: من رأى لنفسه
قيمة لم يذق حلاوة الخدمة.
وقال يحيى بن معاذ: التكبر على من تكبر عليك بمالة تواضع.
وقال الشبلي رحمه الله: دلي عطِّل ذل اليهود.
وجاءه رجل، فقال له الشبلي: ما أنت؟ فقال: يا سيدي النقطة التي تحت الباء.
فقال له: أنت شاهدي، ما لم تجعل لنفسك مقاماً.
وقال ابن عباس، رشي الله عنهما، من التواضع أن يشرب الرجل من سؤر أخيه.
وقال بشر: سلموا على أبناء الدنيا بترك السلام عليهم.
الرسالة القشيرية-القشيري 139
وقال شعيب بن حرب: بينا أنا في الطواف إذ لكزني إنسان بمرفقه، فالتفت إليه، فإذا هو الفضيل بن
عيضا، فقال: يا أبا صالح، إن كنت تظن أنه شهد الموسم شر مني ومنك فبئس ما ظننت!! وقال بعضهم:
رأيت في الطواف إنساناً بين يديه شاكريه يمنعون الناس لأجله عن الطواف.. ثم رأيته بعد ذلك بمدة على
جسر بغداد يسأل الناس شيئاً. فتعجبت منه، فقال لي: أنا تكبرت في موضع يتواضع الناس هناك، فابتلاني
الله، سبحانه، بالتذلل في موضع يترفع فيه الناس.
وبلغ عمر بن عبد العزيز أن ابناً له اشترى فصاً بألف درهم فكتب إليه عمر: "بلغني أنك اشتريت فصا
بألف درهم، فإذا أتاك كتابي هذا فبع الخاتم، وأشبع ألف بطن واتخِّذ خاتماً من درهمين، واجعل واكتب
عليه "رحم الله أمرءاً عرف قدر نفسه".
وقيل: عرض على بعض الأسراء مملوك بألف درهم، فلما أحضر الثمن? استكثره فبدا له في شرائه فرد?
الثمن إلى الخزانة! فقال العبد: يا مولاي، اشترني، فإن فيَّ بكل درهم من هذه الدراهم خصلة تساوي
أكثر من ألف درهم، فقال: وما هي؟ فقال: أقلها وأدناها مالو اشتريتني وقدمتني على جمع مماليكن لا
أغلظ في نفسي، وأعلم أني أنا عبدك. فاشتراه.
وحكي عن رجاء بن حيوة أنه قال: قو?مت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو يخطب بإثني عشر درهماً؛
وكانت: قباء، وعمامة، وقميصاً، وسرويل، وخفين، وقلنسوة.
وقيل: مشى عبد الله بن محمد بن واسع مشياً لا يحمد فقال له أبوه: وتدري بكم اشتري ? ت أمك بثلاثمائة
درهم، وأبوك لا أكثر الله في المسلمين مثله أباً، وأنت تمشي هذه المشية!! سمعت محمد بن الحسين يقول:
سمعت أحمد بن الفراء يقول: سمعت عبد الله بن منازل يقول: سمعت حمدون القصار يقول: التواضع: أن
لا ترى لأحد إلى نفسك حاجة، لا في الدين، ولا في الدنيا.
وقال إبراهيم بن أدهم: ما سررت في إسلامي إلا ثلاث مرات: مرة كنت في سفينة، وفيها رجل مضحك
كان يقول: كنا نأخذ العلج في بلاد الترك هكذا وكان يأخذ بشعر رأسي، ويهزني، فيسرني ذلك؛ لأنه لم
يكن في السفينة أح ? د أحقر في عينه مني.
والأخرى: كنت عليلاً في مسجد، فدخل المؤذن، وقال: أخرج. فلم أطق، فأخذ برجلي وجرني إلى
خارج المسجد.
والثالثة: كنت بالشام، وعلي? فرو، فنظرت فيه فلم أميز بين شعره وبين القمل، لكثرته، فسرني ذلك.
وفي حكاية أخرى عنه قال: ما سررت بشيء كسروري أني كنت يوماً جالساً فجاء إنسان وبال علي.
وقيل: تشاجر أبو ذر وبلال، رضي الله عنهما، فعير أبو ذكر بلالاً بالسواد. فشكاه إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فقال: يا ابا ذر، إنه بقي في قلبك منكبر الجاهلية شيء.
فالقى أبو ذر? نفسه.. وحلف أن لا يرفع رأسه حتى يطأ بلال خده بقدمه. فلم يرفع حتى فعل بلال ذلك.
ومر الحسن بن علي، رضي الله عنهما، بصبيان معهم كسر خبز، فاستضافوه، فترل، وأكل معهم. ثم
حملهم إلى مترله، وأطعمهم، وكساهم، وقال: اليد لهم، لأ?م لم يجدوا غير ما أطعموني،ونحن نجد أكثر
منه.
وقيل: قسم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، الحلل بين الصحابة من غنيمة، فبعض إلى معاذ حلة يمانية،
فباعها واشترى ستة أعبد، وأعتقهم. فبلغ عمر ذلك، فكان يقسم الحلل بعده؛ فبعث إليه حلة دون تلك،
فعاتبه معاذ، فقال له عمر: لا معاتبة، لأنك بعت الأولى.
فقال معاذ: وما عليك. ادفع إلي نصيبي، وقد حلفت لأضربن ?ا رأسك.
فقال عمر: هذا رأسي بين يديك، وقد يرُفق الشيخ بالشيخ.
باب الخوف
قال الله تعالى: "يدعون ر?م خوفا وطعما".
أخبرنا أبو بكر محمد بن دلوية الدقاق قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: حدثنا عامر بن أبى الفرات
الرسالة القشيرية-القشيري 120
قال:حدثنا المسعودي، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريره قال:قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل النار من بكى من خشية الله تعالى، حتى يلج اللبن في الضرع. ولا يجتمع
غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري عبد أبداً.
حدثنا أبو نعيم أحمد بن محمد بن إبراهيم المهرجاني قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن الحسن بن الشرفي،
قال: حدثنا عبد الله بن هاشم قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان بن الشرفي، قال: حدثنا عبد الله بن
هاشم قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا قتادة، عن أنس، قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "لو تعلمون ما أعلملضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً".
قلت الخوف: معنى متعلقة في المستقبل، لأنه نما يخاف أن يحلَّ به مكروه، أو يفوته محبوب. ولا يكون إلا
لشيء يحصل في المستقبل.
فأم?ا ما يكون في الحال موجوداً، فالخوف لا يتعلق به.
والخوف من الله تعالى، هو: أن يخاف أن يعاقبه الله تعالى إم?ا في الدنيا، وإما في الآخرة.
وقد فرض الله، سبحانه، على العباد أن يخافوه، فقال تعالى: "وخافون إن كنتم مؤمنين".
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: الخوف علي مراتب: الخوف، والخشية، والهيبة.
فالخوف من شرط الإيمان وقضيته. قال الله تعالى: "وخافون إن كنتم مؤمنين".
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: الخوف على مراتب: الخوف، والخشية، والهيبة.
فالخوف من شرط الإيمان وقضيته: قال الله تعالى: "وخافون إن كنتم مؤمنين".
والخشية من شرط العلم، قال الله تعالى: "إنما يخشى الله من عباده العلماء" والهيبة من شرط المعرفة، قال
الله تعالى: "ويحذركم الله نفسه".
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله؛ يقول: سمعت محمد ابن علي الحيري يقول: سمعت
محفوظاً يقول: سمعت أبا حفص يقول: الخوف سو?ط الله يقو?م به الشاردين عن بابه.
وقال أبو القاسم الحكيم: الخوف على ضربين: رهبة، وخشية.
فصاحب الرهبة يلتجىء إلى الهرب ذا خاف، وصاحب الخشية يلتجىء إلى الرب.
قال رحمه الله: ورهب، وهرب؛ يصح أنا يقال: أ?ما واحد معنى، مثل: جذب، وجبذ.
فإذا هرب أنجذب في مقتضى هواه، كالرهبان الذين اتبعوا أهوائهم فإذا كبحهم لجام العلم وقاموا بحق
الشرع، فهو الخشية.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت عبد الله بن محمد الرازي يقول: سمعت أبا عثمان يقول: سمعت أبا
حفص يقول: الخوف، سراج القلب، به يبصر ما فيه من الخير والشر.
الرسالة القشيرية-القشيري 121
سمعت الأستاذ أبا علي الدقَّاق، رحمه الله. يقول: الخوف ألاَّ تعلل نفسك بعسى وسوف.
سمعت محمد بن الحسين. يقول: سمعت أبا القاسم الدمشقي يقول: سمعت أبا عمر الدمشقي يقول:
الخوف، سراج القلب، به يبصر ما فيه من الخير والشر.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقَّاق، رحمه الله. يقول: الخوف ألاَّ تعلل نفسك بعسى وسوف.
سمعت محمد بن الحسين. يقول:سمعت أبا القاسم الدمشقي يقول: سمعت أبا عمر الدمشقي يقول:
الخائف، من يخاف من نفسه أكثر مما يخاف من الشيطان.
وقال ابن الجلاء: الخائف، من تؤمنه المخوفات.
وقيل: ليس الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه، إنما الخائف من يترك ما يخف أن يعذب عليه.
وقيل للفضيل، مالنا لا نرى خائفاً؟ فقال: لو كنتم خائفين لرأيتم الخائفين، إن الخائف لايراه إلا الخائفون،
وإن الثكلى، هي التي تحب أن ترى الثكلى.
وقال يحيى بن معاذ: مسكين ابن آدم، لو خاف من النار كما يخاف من الفقر لدخل الجنة.
وقال شاء الكرماني: علامة الخوف: الحزن الدائم.
وقال أبو القاسم الحكيم: من خاف من شيء هرب منه، ومن خاف من الله عز? وجل هرب إليه.
وسئل ذو النون المصرين رحمه الله، متى يتيسر على العبد سبيل الخوف؟ فقال: إذا أنزل نفسه مترلة
السقيم، يحتمى من كل شيء؛ مخافة طول السقام.
وقالبشر الحافي: الخوف من الله ملك لايسكن إلا في قلب متق.
وقال أبو عثمان الحيري: عيب الخائف في خوفه السكون إلى خوفه لأنه أمر خفى.
وقال الواسطي: الخوف حجاب بين الله تعالى وبين العبد.
وهذا اللفظ فيه إشكال ومعناه: أن الخائف متطلع لوقت ثان. وأبناء الوقت لاتطلع لهم في المستقبل،
وحسنات الابرار سيئات المقربين.
سمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت محمد بن النهاوندي يقول: سمعت ابن فانك يقول:
سمعت النوري يقول: "الخائف يهرب من ربه إلى ربه".
وقال بعضهم: علامة الخوف، التحير والوقوف على باب الغيب: سمعت ابا عبد الله الصوفي يقول: سمعت
على بن إبراهيم العكبري يقول: سمعت الجنيد وقد سئل عن الخوف، فقال: هو توقع العقوبة مع مجاري
الأنفاس.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه الله، يقول: سمعت الحسين ابن أحمد الصفار يقول: سمعت
الرسالة القشيرية-القشيري 122
محمد بن المسيب يقول: سمعت هاشم بن خالد يقول:سمعت أبا سليمان الدارانى يقول: ما فارق الخوف
قلبا إلا خرب.
وسمعته يقول: سمعت عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن يقول: سمعت أبا عثمان يقول: صدق الخوف، هو
الورع عن الآثام ظاهراً وباطناً.
وقال ذو النون: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق.
وقال حاتم الأصم: لكل شيء زينة، وزينة العبادة الخوف، وعلامة الخوف قصر الأمل.
وقال رجل لبشر الحافي: أراك تخاف الموت!! فقال: القدوم على الله، عز وجل شديد سمعت الأستاذ أبا
على الدقاق، يقول: دخلت على الإمام أبى بكر ابن فورك عائداً، فلما رآني دمعت عيناه، فقلت له: إن
شاء الله تعالى يعافيك ويشفيك.
فقال لي: تراني أخاف من الموت؟ إنما أخاف مما وراء الموت!! أخبرنا عن بن أحمد الأهوازي قال: أخبرنا
أحمد بن عبيد قال: حدثنا محمد بن عثمان قال: حدثنا القاسم بن محمد قال: حدثنا يحيى بن يمان، عن
مالك بن مغول، عن عبد الرحمن بن سعيد بن موهب، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول
الله: الذين يؤتون ما آتوا: وقلو?م وجلة، أو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر؟ قال: لا: ولكن الرجل
يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه.
وقال ابن المبارك: رحمه الله: الذي يهيج الخوف حتى يسكن في القلب دوا?م المراقبة في السر?ر والعلانية.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن الحسن يقول سمعت أبا القاسم بن أبي موسى يقول: سمعت
محمد بن أحمد: قال: حدثنا علي الرازي قال: سمعت ابن المبارك: رحمه الله يقول ذلك.
وسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت إبراهيم بن شيبان يقول: إذا سكن
الخوف القلب أحرق مواضع الشهوات منه، وطرد رغبة الدنيا عنه.
وقيل، الخوف، قو?ة العلم بمجاري الأحكام.
وقيل: الخوف، حركة القلب من جلال الرب?.
وقال أبو سليمان الداراني، ينبغي للقلب أن لا يكون الغالب عليه إلا الخوف، فنه إذا غلب الرجاء على
القلب فسد القلب.
ثم قال: يا أحمد، بالخوف ارتفعوا، فإن ضيعوه نزلوا.
وقال الواسطي، الخوف؛ والرجاء، زمامان على النفوس، لئلا، تخرج إلى رعونا?ا.
وقال الواسطي: إذا ظهر الحق على السرائر، لا يبقي فيها فضلة لرجاء ولا لخوف.
قال الأستاذ أبو القاسم: وهذا فيه إشكال. ومعناه: إذا اصطلت شواهد الحق، تعالى، الأسرار ملكتها، فلا
الرسالة القشيرية-القشيري 123
يبقى فيها مساغ لذكر حدثان، والخوف والرجاء من آثار بقاء الإحساس بأحكام البشرية.
وقال الحسين بن منصور: من خاف من شيء سوى الله عز? وجل أو رجا سواه أغلق عليه ابواب كل
شيءن وسلط عليه المخافة؛ وحجبه بسبعين حجاباً أيسرها الشك، وإن مما أوجب شدة خوفهم، فكرهم
في العواقب، وخشية تغير أحوالهم، قال الله تعالى: "وبدالهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون" وقال الله تعالى:
"قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً؟ الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أ?م يحسنون صنعا".
فكم منمغبوط في أ؛واله أنعكست عليه الحال، ومني بمقارنة قبيع الآفعال، فبدل بالأنس وحشة، وبالحضور
غيبة..
سمعت الأستاذ أبا علي? الدقاق، رحمه الله، ينشد كثيراً:
أحسن ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعند صفو الليالي يحدث الكدر
سمعت منصو بن خلف المغربي يقول:
كان رجلان اصحطبا في الإراجة برهة من الزمان.. ثم إن أ؛دهما سافر، وفارق صاحبه.. وني عليه مدة
من الزمان ولم يسمع منه خبراً.. فبينا هذا الآخر كان في غزاة يقاتل عسكر الروم إذ خرج على المسلمين
رجل مقنع في السلاح، يطلب المبارزة.. فخرج إليه من أبطال المسلمين واحد، فقتله الرومي.. ثم خرج
آخر فقتله.. ثم ثالث فقتله، فخرج إليه هذا الصوفي.. وتطاردا، فحسر الرومي عن وجهه، فإذا هو
صاحبه الذي صحبه في الإرادة والعبادة سنين.
فقال هذا له: إيش الخبر؟ فقال: نه ارتد.. وخالط القوم.. وولد له أولاد.. واجتمع له مال.
فقال له: لا أذكر منه حرفاً.
فقال له هذا الصوفي: لا تفعل، وارجع، فقال: لا أفعل، فلي فيهم جاه ومال، فانصرف أنت عني، وإلا
لأفعلن بك ما فعلت بأولئك.
فقال له الصوفي: أعلم أنك قتلت ثلاثة من المسلمين، وليس عليك أنفه في الانصراف، فانصرف أنت وأنا
أمهلك.
فرجع الرجل مولياً: فتبعه هذا الصوفي، وطعنه، فقتله.
فبعد تلك ا?اهدات، ومقاساة تلك الرياضات، قتل على النصرانية.
وقيل: لما ظهر على إبليس ما ظهر، طفق جبريل وميكائيل عليهما السلام يبكيان زماناً طويلاً، فأوحى الله
تعالى، إليهما: ما لكما تبكيان كل هذا البكاء؟ فقالا: يا ربنا، لا نأمن مكرك.
الرسالة القشيرية-القشيري 124
فقال الله تعالى: هكذا كونا، لا تأمنا مكري.
ويحكي عن السري السقطي أنه قال: ني لأنظر إلى أنفي في اليوم كذا مرة؛ مخافة أن يكون قد أسود، لما
أخافه من العقوبة!! وقال أبو حفص: منذ أربعين سنة اعتقادي في نفسي، أن الله؛ تعالى: ينظر إلي نظر
السخط، وأعمالي تدل على ذلك.
وقال حاتم الأصم: لا تغتر بموضع صالح؛ فلا مكان أصلح من الجنة، فلقي آدم، عليه السلام فيها ما لقي!!
ولا تغتر بكثرة العبادة؛ فإن إبليس بعد طول تعبده لقي ما لقي!! ولا تغتر بكثرة العلم؛ فإن بلعام كان
يحسن أسم الله الأعظم؛ فأنظر ماذا لقي!! ولا تغتر برؤية الصالحين فلا شخص أكبر قدراً من المصطفى؛
صلى الله عليه وسلم؛ ولم ينتفع بلقائه أقاربه وأعداؤه.
وخرج ابن المبارك يوماً على أصحابه فقال: إني قد أجترأت الباحرة على الله عز وجل: سألته الجنة.
وقيل: خرج عيسى عليه السلام، ومعه صالح من صالحي بني إسرائيل فتبعهما رجل خاطىء مشهور
بالفسق فيهم، فقعد منتبذاً عنهما منكسراً، فدعا الله سبحانه وقال اللهم اغفر لي.
ودعا هذا الصالح وقال: اللهم لا تجمع غداً بيني وبين ذلك العاصي.
فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: أني قد استجبت دعاءهما جميعاً، رددت ذلك الصالح، وغفرت
لذلك ا?رم.
وقال ذو النون المصري: قلت لعليم. لم سميت مجنوناً؟ قال: لما طال حبسي عنه صرت مجنوناً لخوف فراقه
في الآخرة.
وفي معناه أنشدوا:
لو أن مابي على صخر لأنحله فكيف يحمله خلق من الطين؟
وقال بعضهم، ما رأيت رجلاً أعظم رجاء لهذه الأمة، ولا أشد خوفاً على نفسه، من ابن سيرين.
وقيل، مرض سفيان الثوري، ف?عرض دليله على الطبيب؛ فقال: هذا رجل قطع الخوف كبده.
ثم جاء وجس? عِرقه، ثم قال: ما علمت أنَّ في الحنيفية مثله.
وسئل الشبلي: لم تصفر الشمس عند الغروب؟ فقال: لأ?ا ? عزلت عن مكان التمام: فاصغ?رت لخوف
المقام.
وكذا المؤمن إذا قارب خروجه من الدنيا اصفر لونه، لأنه بعث من خرج ووجهه يشرق.
ويحكى عن أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى، أنه قال: سألت ربي، عز وجلَّ، أن يفتح علي باباً من
الخوف، ففتح، فخفت على عقلي، فقلت، يا رب?، أعطني على قدر ما أطيق، فسكن? ذلك عني.
باب الخلق
قال الله تعالى: "وإنك لعلى ? خُلقٍ عظيم".
أخبرنا علي بن أحمد الأهوازي قال: أخبرنا أبو الحسن الصفار البصري: قال: حدثنا هشام بن محمد بن
غالب قال: حدثنا معلي بن مهدي قال: حدثنا بشار بن إبراهيم النميري، قال: حدثنا غيلان بن جرير عن
أنس قال: "قيل يا رسول الله: أي? المؤمنين أفضل إيماناً؟ قال: أحسنهم ? خُلقاً".
إذ ا ُ لخلق الحسن أفضل مناقب العبد، وبه يظهر جواهر الرجال، والإنسان مستور بخلقه مشهود ? بخلقه.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: إن الله تعالى، خص نبيه صلى الله عليه وسلم بما خصه
به، ثم لم يثن عليه بشيء من خصاله بمثل ما أثنى بخلقه؛ فقال عز? ن قائل: "وإنك لعلي ? خلق عظيم".
وقال الواسطي: و?ص?فه بالخلق العظيم؛ لأنه جاد بالكونين، واكتفى بالله تعالى.
وقال الواسطي أيضاً: الخلق العظيم: أن لا ?يخاصِم ولا?يخاصِم، من شد?ة معرفته بالله تعالى.
وقال الحسين بن منصور: معناه: ولم يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعتك الحق..
وقال أبو سعيد الخراز: لم يكن لك همة غير الله تعالى.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت الحسين بن أحمد بن جعفر يقول: سمعت الكتاني
يقول: التصوف ? خلق، من زاد عليك بالخلق، فقد زاد عليك في التصوف.
الرسالة القشيرية-القشيري 211
ويروي عن ابن عمر، رضي الله عنهما، أنه قال: إذا سمعتموني أقول لمملوك: أخزاه الله فأشهدوا أنه حر.
وقال الفضيل: لو أن العبد أحسن الإحسان كله، وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين.
وقيل: كان ابن عمر، رضي الله عنهما، إذا رأى واحداً من عبيده ?يحسن الصلاة يعتقه. فعرفوا ذلك من
? خلقه، فكانوا يحسنون الصلاة مراءاة له، وكان يعتقهم، فقيل له في ذلك. فقال: من خدعنا في الله انخدعنا
له.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول: سمت أبا محمد الجريري يقول:
سمعت الجنيد يقول: سمعت الحارث المحاسبي يقول: فقدنا ثلاثة أشياء: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن
القول مع الأمانة، وحسن الإخاء مع الوفاء.
وسمعته يقول: سمعت عبد الله بن محمد الرازي يقول: الخلقي: استصغار ما منك إليه واستعظام ما منه
إليك.
وقيل للأحنف: ممن تعلمت الخلق؟ فقال: ن قيس بن عاصم للنقري قيل: وما بلغ من ? خلقه؟ قال: بينا هو
جالس في داره إذ جاءت خادم له بنفود عليه شواء، فسقط من يدها، فوقع علي ابن له، فمات، فدهِشت
الجارية، فقال: لا ر?و?ع?ة عليك، أنت حرة لوجه الله تعالى.
وقال شاه الكرماني:علامة حسن الخلق: كف الأذى، واحتمال المؤن.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه
? وحسن الخلق".
وقيل لذي النون المصري: من كثر الناس هماً؟ قال: أسوأهم خلفاً.
وقال وهب: ما تخلق عبد يخلق أربعين صباحاً إلا جعله الله طبيعة فيه.
وقال الحسن البصري في قول الله تعالى: "وثيابك فطهر" أي: وخلفك فحسن..
وقيل: كان لبعض النساك شاة فرآها على ثلاثة قوائم. فقال: من فعل ?ا هذا؟ فقال غلام له: أنا. فقال:
لِم?؟ قال: لا ُ غمك ?ا!! فقال: لا، بلا لأغمن من أمرك بذلك. أذهب فأنت حر.
وقيل لإبراهيم بن أدهم: هل فرحت في الدنيا قط؟. فقال: نعم، مرتين إحداهما: كنت قاعداً ذات يوم
فجاء إنسان وبال علي?؛ والثانية: كنت قاعداً فجاء إنسان وصفعني.
وقيل: كان أويس القرني إذا رآه الصبيان يرمونه بالحجارة، فيقول: إن كان ولا بد فارموني بالصغار:
كيلا تدقوا ساقي فتمنعوني عن الصلاة.
وشتم رجل الأحنف بن قيس... وكان يتبعه... فلما قرب من الحي وقف، وقال: يا فتى، إن بقي شيء
فقله؛ كيلا يسمعك بعض سفهاء الحي فيجيبوك.
الرسالة القشيرية-القشيري 212
وقيل لحاتم الأصم: أيحتمل الرجل من كل أحد؟.. فقال: نعم، إلا من نفسه.
وروي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، دعا غلاماً له، فلم يجب، فدعاه ثانياً وثالثاً فلم
يجبه، فقام إليه فرآه مضطجعاً، فقال: أما تسمع يا غلام؟ فقال: نعم. قال: فما حملك على ترك جوابي؟
فقال: أمِن ? ت عقوبتك فتكاسلت. فقال: أمض؛ فأنتحر لوجه الله تعالى.
وقيل: نزل معروف الكرخي الدجلة ليتوضأ، ووضع مصحفه وملحفته، فجاءت امرأة وحملتهما، فتبعها
معروف، وقال: يا أختي، أنا معروف ولا بأس عليك، ألك ابن يقرأ؟ قالت: لا. قال: فزوج؟ قالت: لا،
قال: فهاتي المصحف وخذي الثوب.
ودخل اللصوص مرة دار الشيخ أبي عبد الرحمن السلمي بالمكابرة، وحملوا وجدوا، فسمعت بعض
أصحابنا يقول: سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن يقول: اجتزت بالسوق، فوجدت جبتي على من يزيد،
فأعرضت، ولم ألتفت إليه.
سمعت الشيخ أبا حاتم السجستاني يقول: سمعت أبا نصر السراج الطوسي يقول: سمعت الوجيهي يقول:
قال الجريري: قدمت من مكة، حرسها الله تعالى، فبدأت بالجنيد، لكيلايتعنى أليَّ، فسلَمت عليه، ثم
مضيت إلى المترل فلما صليت الصبح في المسجد إذا أنا به خلفي في الصف، فقلت: إنما جئتك أمس لئلا
تتعني، فقال: ذاك فضلك، وهذا حقك.
وسئل أبو حفص عن الخلق. فقال: هو ما اختار الله -عز? وجلَّ- لنبيه صلى الله عليه وسلم ي قوله تعالى:
"خذ العفو وأمر بالعرف.." الآية.
وقيل: الخلق: أن تكون من الناس قريباً، وفيما بينهم غريباً.
وقيل: الخلق قبول ما ير?د عليك من جفاء الخلق، وقضاء الحق بلا ضجر ولا قلق.
وقيل: كان أبو ذر على حوض يسقي إبلاً له، فأسرع بعض الناس إليه، فانكسر الحوض، فجلس، ثم
اضطجع، فقيل له في ذلك فقال: إن رسول الله صلى الله عليهوسلم أمرنا إذا غضب الرجل أن يجلس فإن
ذهب عنه. وإلا فليضطجع.
وقيل: مكتوب في الإنجيل: عبدي.. أذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب.
وقالت امرأة لمالك بن دينار: يا مرائي?!! فقال: يا هذه، وجدت أسمي الذي أضله أهل البصرة.
وقال لقمان لابنه: لا ?تعرف ثلاثة إلا عند ثلاثة: الحليم عند الغضب والشجاع عند الحرب، والأخ عند
الحاجة إليه.
وقال موسى، عليه السلام: إلهي، أسألك أن لايقال ما ليس فيه؛ فأوحى الله سبحانه إليه: ما فعلت ذلك
الرسالة القشيرية-القشيري 213
لنفسي، فكيف أفعله لك؟ وقيل ليحيى بن زياد الحارثي، وكان له غلام سوء: لمَ تمسك هذا الغلام؟ فقال:
لأتعلم عليه الحلم.
وقيل في قوله تعالى: "وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة": الظاهرة: تسوية الخلق، والباطنة: تصفية ا ُ لخُلق.
وقال الفضيل: لأن يصحبني فأجر حسن الخلق أحب إليّ ن أن يصحبني عابد سيء الخلق.
وقيل: الخلق الحسن احتمال المكروه بحسن المداراة.
وحكي أن إبراهيم بن أدهم خرج إلى بعض البراري فاستقبله جنيدي، فقال: أين العمران؟ فأشار إلى
المقبرة، فضرب رأسه وأوضحه، فلما جاوزه، قيل له: إنه إبراهيم بن أدهم زاهد خراسان فجاءه يتعذر
إليه، قال: إنك لما ضربتني سألت الله تعالى لك الجنة. فقال: لم؟ فقال علمت أني أؤجر عليه، فلم أرد أن
يكون نصيبي منك الخير، ونصيبك مني الشر.
وحكي أن أبا عثمان الحيري دعاه إنسان إلى ضيافة، فلما وافى باب داره قال: يا أستاذ، ليس الآن وقت
دخولك، وقد ندمت، فانصرف، فرجع ابو عثمان، فلما وافى مترله عاد إليه الرجل، وقال: يا أستاذ،
ندمت!! وأخذ يتعذر إليه، وقال أحضر الساعة.. فقام أبو عثمان ومضى، فلما وافى باب داره قال: مثل
ما قال في الأولى، ثم كذلك فعل في الثالثة والرابعة، وأبو عثمان ينصرف ويحضر، فلما كان يعد مرات
قال: يا أستاذ، أردت اختبارك. وأخذ يعتذر ويمدحه، فقال أبو عثمان: لا تمدحني على خلق تجد مثله مع
الكلاب: الكلب إذا دعي حضر، وإذا زجر انزجر.
وقيل: إن أبا عثمان اجتاز بسكة وقت الهاجرة، فألقى عليه من سطح طشت رماد، فتغير أصحابه،
وبسطوا ألسنتهم في الملقى، فقال أبو عثمان: لا تقولوا شيئاً، من استحق أن يصب? عيه النار، فصولح على
الرماد لم يجز له أن يغضب.
وقيل: نزل بعض الفقراء على جعفر بن حنظلة، فكان جعفر يخدمه جداً، والفقير يقول: نعم الرجل أنت
لو لم تكن يهودياً!! فقال جعفر: عقيدتي لا تقدح فيما تحتاج إليه من الخدمة؛ فسل لنفسك الشفاء ولي
الهداية.
وقيل: كان لعبد الله الخياط حر?يف مجوسي، يخيط له ثياباً، ويدفع إليه دراهم زيوفاً، وكان عبد الله
يأخذها.. فاتفق أنه قام من حانوته يوماً لشغل، فجاء بالدراهم الزيوف، فدفعها إلى تلميذه، فلم يقبلها،
فدفع إليه الصحاح، فلما رجع عبد الله قال لتلميذه: أين قميص ا?وسي؟ فذكر له القصة.. فقال: بئس
ما عملت؟ إنه منذ مدة يعاملني بمثلها، وأنا أصبر عليه، وألقيها في بئر، لئلا يغر ?ا غيري.
وقيل: الخلق السيء يضيق قلب صاحبه؛ لأنه لا يسع فيه غير مراده، كالمكان الضيق لا يسع غير صاحبه.
وقيل حسن الخلق: أن لا تتغير ممن يقف في الصف? بجنبك.
وقيل: من سوء خلقك: وقوع بصرك على سوء خلق غيرك.
وسئل رسول، الله صلى الله عليه وسلم، عن الشؤم، فقال: "سوء الخلق" .
أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد الأهوازي، قال: حدثنا أبو الحسن الصغار البصري قال: حد?ثنا معاذ بن
المثني قال: حد?ثنا يحيى بن معني قال: حدثنا مروان الفزاري قال: حدثنا يزيد بن كيسان، عن أبي حازم،
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قيل: يا رسول الله، ادع الله تعالى على المشركين.
فقال: "إنما بعثت رحمة، ولم أبعث عذاباً" .
باب الذكر
قال الله تعالى: "ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً".
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشر ببغداد، قال أخبرنا أبو علي الحسين بن صفوان
البرذعي قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا قال: حدثنا هارون بن معروف قال: حدثنا
أنس بن عياض قال: حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن زياد بن أبي زياد، عن أبي بحرية، عن أبي
الدرداء، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها
الرسالة القشيرية-القشيري 195
عند مليككم، وأربعها في درجاتكم وخير من إعطاء الذهب والورق، وأن تلقوا عدوكم فتضربوا
أعناقهم، ويضبوا أعناقكم؟ قالوا: ما ذلك يا رسول الله؟ قال: ذكر الله تعالى: أخبرنا أبو نعيم عبد الملك
بن الحسن قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا الديري، عن عبد الرزاق، عن معمر:
عن الزهري، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تقوم الساعة على أحد
يقول: الله.. الله".
وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان قال: حدثنا أحمد بن عبيد قال: حدثنا معاذ قال: حدثنا أبي، عن حميد،
عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض:
الله.. الله".
قال الأستاذ: والذكر ركن قوي في طريق الحق سبحانه وتعالى، بل هو العمدة في هذا الطريق، ولا يصل
أحد إلى الله إلا بدوام الذكر.
والذكر على ضربين: ذكر اللسان، وذكر القلب. فذكر اللسان به يصل العبد إلى استدامة ذكر القلب.
والتأثير لذكر القلب؛ فإذا كان العبد ذاكراً بلسانه وقلبه، فهو الكامل في وصفه في حل سلوكه.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: الذكر منشور الولاية؛ فمن ? وفق للذكر فقد أعطى
المنشور، ومن سلب الذكر فقد عزل.
وقيل: إن الشبلي كان في ابتداء أمره يترل كل يوم سرباً ويحمل مع نفسه حزمة من القضبان، فكان إذا
دخل قلبه غفلة ضرب نفسه بتلك الخشب حتى يكسرها على نفسه، فربما كانت الحزمة تفني قبل أن
يمسى، فكان يضرب بيده ورجليه على الحائط.
وقيل: ذكر الله بالقلب سيف المريدين، به يقاتلون أعداءهم، وبه يدفعون الآفات التي تقصدهم، وإن البلاء
إذا إذا أظل العبد؛ فإذا فزع بقلبه إلى الله تعالى يجيد عنه في الحال كلُّ ما يكرهه.
وسئل الواسطي عن الذكر فقال: الخروج من ميدان الغفلة إلى فضاء المشاهدة على غلبة الخوف،وشدة
الحب له.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت عبد الله بن الحسين يقول: سمعت أبا محمد البلاذري
يقول: سمعت عبد الرحمن بن بكر يقول: سمعت ذا النون المصري يقول: من ذكر الله تعالى ذكراً على
الحقيقة نسي في جنب ذكره كلَّ شيء، وحفظ الله تعالى عليه كل شيء، وكان له عوضاً عن كل شيء.
وسمعته يقول: سمعت عبد الله المعلم يقول: سمعت أحمد المسجدي يقول: سئل أبو عثمان؛ فقيل له: نحن
نذكر الله تعالى، ولا نجد في قلوبنا حلاوة؟ فقال: أحمدو الله عالى، عن أن زين جارحة من جوارحكم
الرسالة القشيرية-القشيري 196
بطاعته.
وفي الخبر المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا فيها.
فقيل له: وما رياض الجنة؟ فقال: خلق الذكر".
أخبرنا أبو الحسن علي بن بشر ببغداد قال: حدثنا أبو علي بن صفوان قال: حدثنا ابن أبي الدنيا قال: دثنا
الهيثم بن خارجة قال: حدثنا إسماعيل ابن عياش، عن عمر بن عبد الله: أن خالد بن عبد الله بن صفوان
أخبره عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا أيها الناس؛ ارتعوا
في رياض الجنة. قلنا يا رسول الله، ما رياض الجنة؟ قال: مجالس الذكر؟ اغدوا، وروحوا، واذكروا، من
كان يحب أن يعلم مترلته عند الله فلينظر كيف مترلُة الله عنده؟ فإن الله سبحانه، يترل العبد منه حيث
أنزله عن نفسه.
وسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمداً الفراء يقول: سمعت الشبلي يقول: أليس الله تعالى يقول: أنا
جليس من ذكرني؟ ما الذي استفدتم من مجالسة الحق سبحانه؟ وسمعته يقول: سمعت عبد الله بن موسى
السلامي يقول: سمعت الشبلي ينشد في مجلسه:
ذكرتك، لا أني نسيتك لمحةً وأيس ما في الذكر ذك ? ر لساني
وكدت بلا وجود أموت من اله وى وهام على القلب بالخفقان
فلما رآني الوجد أنك حاضري شهدتك موجوداً بكل مكان
فخاطبت موجوداً بغير تكلم ولاحظت معلوماً بغير عيان
ومن خصائص الذكر: أنه غير مؤقت، بل ما من وقت من الأوقات إلا والعبد مأمور بذكر الله: إما
فرضاً، وإما ندباً. والصلاة، وإن كانت أشرف العبادات، فقد لا تجوز في بعض الأوقات. والذكر بالقلب
مستدام في عموم الحالات.
قال الله تعالى: "الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنو?م..".
سمعت الإمام أبا بكر بن فورك، رحمه الله، يقول: قيماً: بحق الذكر، وقعوداً: عن الدعوى فيه.
وسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن يسأل الأستاذ أبا علي الدقاق، فقال: الذكر أتم أم الفكر؟ فقال الأستاذ أبو
علي: ما الذي يقول الشيخ فيه؟ قال الشيخ أبو عبد الرحمن: عندي الذكر أتم من الفكر؛ لأن الحق،
سبحانه، يوصف بالذكر، ولا يوصف بالفكر، وما وصف به الحق سبحانه أتم مما اختص به الخلق.
فاستحسنه الأستاذ أبو علي، رحمه الله.
وسمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي رحمه الله يقول: سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت الكناني
الرسالة القشيرية-القشيري 197
يقول: لولا أن ذكره فرض علي? لما ذكرته إجلاله، مثلي يذ ُ كره?!! ولم يغسل فمه بألف توبة منقبلة عن
ذكره.
وسمعت الأستاذ أبا علي?، رحمهالله، ينشد لبعضهم:
ما إن ذكرتك إلا هم يزجرني قلبي وسري وروحي عند ذكراكا
حتى كأن رقيباً منك يهتف بي إياك، ويحك والتذكار إياكا
ومن خصائص الذكر: أنه جعل في مقابلته الذكر. قال الله تعالى: "فأذكروني أذكركم".
وفي خبر: "أن جبريل عليه السلام قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى يقول: أعطيت أمتك
ما لم أعط أمة من الأمم، فقال: وما ذاك يا جبريل؟ فقال: قوله تعالى: "فاذكروني أذكركم"؛ لم يقل هذا
لأحد غير هذه الأمة".
وقيل: إن الملك يستأمر الذاكر في قبض روحه.
وفي بعض الكتب: أن موسى، عليه السلام، قال يارب: أين تسكن؟ فأوحى الله تعالى إليه، في قلب عبدي
المؤمن. ومعناه: سكون الذكر في القلب فإن الحق سبحانه وتعالى متره عن كل سكون وحلول، وإنما هو:
إثبات ذكر وتحصيل.
سمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت فارساً يقول: سمعت
الثوري يقول: سمعت ذا النون، وقد سألته عن الذكر فقال: هو غيبة الذاكر عن الذكر، ثم أنشأ يقول:
لا لأني أنساك أكثِرث ذكرا ك?، ولكن بذاك يجري لساني
وقال سهل بن عبد الله: ما من يوم إلا والجليل سبحانه ينادي: يا عبدي، ما أنصفتني؛ أذكرك وتنساني،
وأدعوك إليَّ وتذهب إلى غيري، وأذهب عنك البلايا وأنت معتكف الخطايا، يا بن آدم، ما تقول غداً إذا
جئتني؟! وقال أبو سليمان الداراني: إن في الجنة قيعاناً، فإذا أخذ الذاكر في الذكر أخذت الملائكة في غرس
الأشجار فيها، فربما يقف بعض الملائكة، فيقال له: لم وقفت؟ فيقول: فَستر صاحبي.
وقال الحسن: تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، فإن وجدتم، وإلا
فاعلموا أن الباب مغلق.
وقال حامد الأسود. كنت مع إبراهيم الخواص في سفر، فجئنا إلى موضع فيه حيات كثيرة.. فوضع
ركوته وجلس، فلما كان برد الليل وبرد الهواء خرجت الحيات، فصحت بالشيخ، فقال: اذكر الله..
فذكرت فرجعت، ثم عادت، فصحت به، فقال مثل ذلك. فلم أزل إلى الصباح في مثل تلك الحالة.. فلما
أصبحنا قام، ومشى، ومشيت معه، فسقطت من وطائه حية عظيمة وقد تطوقت به. فقلت: ما أحسست
القشيرية-القشيري 198
?ا؟ فقال: لا، منذ زمان ما بت ليلة أطيب من البارحة.
قال أبو عثمان: من لم يذق وحشة الغفلة لم يجد طعم أنس الذكر.
سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت عبدالرحمن بن عبد الله الذبياني يقول: سمعت الجريري يقول: سمعت
الجنيد يقول: سمعت السري يقول: مكتوب في بعض الكتب التي أنزلها الله تعالى: "إذا كان الغالب علي
عبدي ذكري عشقي وعشقته".
وبإسناده: أنه أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: "بي فافرحوا، ويذكري فتنعموا".
وقال الثوري: لكل شيء عقوبة، وعقوبة العارف بالله انقطاعه عن الذكر.
وفي الإنجيل ذاكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، وارض بنصرتي لك؛ فإن نصرتي لك خير لك من
نصرتك لنفسك.
وقيل لراهب: أأنت صائم؟ فقال: صائم بذكره، فإذا ذكرت غيره أفطرت.
وقيل: إذا تمكن الذك?ر من القلب، فن دنا منه الشيطان صرع، ما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان،
فتجتمع عليه الشياطين فيقولون: ما لهذا؟ فيقال: قد مس?ه الإنس.
وقال سهل: ما أعرف معصية أقبح من نسين الرب? تعالى.
وقيل الذكر الخفي لا يرفعه الملك، لأنه لا اطلاع له عليه، فهو سر بين العبد وبين الله عز وجل.
وقال بعضهم: وصف لي ذاكر في أجمه، فأتيته، فبينما هو جالس إذا سبع عظيم ضربه ضربة، واستلب منه
قطعة، فغشي عليه وعلي، فلما أفاق، قلت: ما هذا؟ فقال: قيض الله هذا السبع علي?، فكلما دخلتني فترة
عضني عضة، كما رأيت.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت الحسين بن يحيى يقول: سمعت جعفر بن نصير يقول:
سمعت الجريري يقول: كان من بين أصحابنا رجل يكثر أن يقول: الله.. الله.. فوقع يوماً على رأسه جذع
فانشج رأسه وسقط الدم، فاك?تتب على الأرض: الله.. الله.
الرسالة القشيرية-القشيري 125
باب الرجاء
قال الله تعالى: "من كان يرجو لقاء الله، فإن أجل الله لآت".
أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد الأهوازي، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، قال: حدثن عمرو بن
مسلم الثقفي قال: حدثنا الحسن بن خالد قال: حدثنا العلاء بن زيد، قال: دخلت على مالك بن دينار،
فرأيت عنده شهر بن حوشب فلما خرجنا من عنده، قلت لشهر: يرحمك الله تعالى، زو?دني، زودك الله
تعالى.
فقال: نعم، حدثتني عمتي أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن نبي الله، صلى الله عليه وسلم، عن جبريل عليه
السلام، قال: "قال ربكم عزوجل: عبيد، ما عبدتني ورجوتني ولم تشرك بي شيئاً غفرت لك على ما كان
منك، ولو استقبلتني بملء الأرض خطايا وذنوباً، استقبلتك بمثلها مغفرة، فأغفر لك ولا أبالي".
أخبرنا علي بن أحمد قال: أخبرنا أحمد بن عبيد قال: حدثنا بشر بن موسى، قال: حدثنا خلف بن الوليد،
قال: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري قال: حدثنا أبو سفيان طريف، عن عبد الله بن الحارث، عن أنس
بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى يوم القيامة: أخرجوا من النار من
كان في قلبه مثقال حبة شعير من إيمان ثم يقول: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة خردل من
إيمان، ثم يقول: وعزتي وجلالي لا أجعل من آمن بي ساعة من ليل أو ?ار كمن لم يؤمن بي".
الر?جاء: تعلق القلب بمحبوب سيحصل في المستقبل.
وكما أن الخوف يقع في مستقبل الزمان، فكذلك الرجاء يحصل لما يؤمل في الاستقبال والرجاء عيش
القلوب، واستقلالها.
والفرق بين الرجاء، وبين التمني، أن التمني: يورث صاحبه الكسل، ولا يسلك طريق الجهد والجد،
وبعكسه صاحب الرجاء، فالرجاء محمود، والنمن معلول.
وتكلموا في الرجاء، فقال شاه الكرماني: علامة الرجاء: حسن الطاعة.
وقال ابن خبيق: الرجاء ثلاثة: وقال ابن خبيق: الرجاء ثلاثة: رجل عمل حسنة: فهو يرجو قبولها.
ورجل عمل سيئة: ثم تاب: فهو يرجو المغفرة.
والثالث الرجل الكاذب: يتمادى في الذنوب: ويقول أرجو المغفرة.
ومن عرف نفسه بالإساءة ينبغي أن يكون خوفه غالباً على رجائه.
وقيل الرجاء: ثقة الجود من الكريم الودود.
الرسالة القشيرية-القشيري 126
وقيل: الرجاء رؤية الجلال بعين الجمال.
وقيل: هو قرب القلب من ملاطفة الرب.
وقيل: سرور الفؤاد بحسن المعاد.
وقيل: هو النظر إلى سعة رحمة الله تعالى.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي: رحمه الله: يقول: سمعت منصور ابن عبد الله يقول: سمعت أبا علي
الروذباري يقول: الخوف، والرجاء، هما كجناحي الطائر، إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقض
أحدهما وقع فيه النقص: وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت.
وسمعته يقول: سمعت النصراباذي يقول: سمعت ابن أبي حاتم يقول سمعت علي بن شهمرذان يقول: قال
أحمد بن عاصم الانطاكي، وسئل ما علامة الرجاء في العبد؟ قال: أن يكون إذا أحاط به الإحسان ألهم
الشكر، راجياً لتمام النعمة من الله تعالى في الدنيا، وتمام عفوه في الآخرة.
وقال أبو عبد الله بن خفيف: الرجاء: استبشار بوجود فضله.
وقال ارتياح القلوب لرؤية كرم المرجو المحبوب.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: من حمل نفسه على
الرجاء تعطل، ومن حمل نفسه على الخوف قنط ولكن من هذه مرة، ومن هذه مرة.
وسمعته يقول: حدثنا أبو العباس البغدادي قال: حدثنا الحسن بن صفوان قال: حدثنا ابن ابي الدنيا، قال:
حدثت عن بكر بن سليم الصواف، قال: دخلنا على مالك بن أنس في العشية التي قبض فيها، فقلنا. يا أبا
عبد الله، كيف تجدك؟ فقال: ما أدري ما أقول لكم؛ غير أنكم ستعاينون من عفو الله تعالى، ما لم يكن
في حساب، ثم ما برحنا حتى أغمضناه.
وقال يحيى بن معاذ: يكاد رجائي لك مع الذنوب، يغلب رجائي لك مع الأعمال؛ لأني أجدني أعتمد في
الأعمال على الإخلاص، وكيف أحرزها وأنا بالآفة معروف!! وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك،
وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف.
وكلموا ذا النون المصري، وهو في الترع، فقال لا تشغلوني؟ فقد تعجبت من كثرة لطف الله تعالى معي.
وقال يحيى بن معاذ: إلهي، أحلى العطايا في قلبي رجاؤك، وأعذب الكلام على لساني ثناؤك، وأحب?
الساعات إلي ساعة يكون فيها لقاؤك.
وفي بعض التفاسير: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أصحابه، من باب بني شيبة، فرآهم
يضحكون فقال: أتضحكون؟ لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً" ثم مر?، ثم رجع
القهقرى، وقال: نزل علي? جبريل، عليه السلام، وأتى بقوله تعالى: "نبىء عبادي ني أنا الغفور الرحيم".
الرسالة القشيرية-القشيري 127
أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد الأهوازي قال: حدثنا أبو الحسن الصفار قال: حدثنا عباس بن تميم قال:
حدثنا يحيى بن أيوب قال: حدثنا مسلم بن سالم قال: حدثنا خارجة بن مصعب، عن زيد بن أسلم، عن
عطاء بن يسار، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله تعالى ليضحك
من يأس العباد وقنوطهم وقرب الرحمة منهم، فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، أويضحك ربنا عز وجل؟
فقال: "والذي نفسي بيده إنه ليضحك، فقالت: لا يعدمنا خيراً إذا ضحك".
وأعلم أن الضحك في وصفه من صفات فعله، وهو إظهار فضله، كما يقال: ضحكت الأرض بالن?بات
وضحكه من قنوطهم إظهار تحقيق فضله الذي هو ضعف انتظارهم له.
وقيل: ن مجوسياً استضاف إبراهيم الخليل، عليه السلام، فقال له: إن أسلمت أضفتك فقال ا?وسي: إذا
أسلمت فأي مِ?نة تكون لك علي?؟ فمر? ا?وسي، فأوحى الله تعالى إلى إبراهيم، عليه السلام: يا إبراهيم، لم
تطعمه إلا بتغييره دينه؟! ونحن منذ سبعين سنة نطعمه على كفره، فلوأضفته ليلة ماذا عليك؟ فمر? إبراهيم،
عليه السلام، خلف ا?وسي?، وأضافه، فقال له ا?وسي?: أي شيء كان السبب في الذي بدالك؟ فذكر له
ذلك، فقال له ا?وسي: أهكذا يعاملني؟ ثم قال: أع?رض علي? الإسلام فأسلم: سمعت الشيخ أبا علي
الدقاق، رحمه الله، يقول: رى الأستاذ أبو سهل الصعلوكي، رحمه الله، أبا سهل الز?جاج في النوم، وكان
يقول بوعيد الأبد، فقال له: كيف حالك؟ فقال وجدنا الأمر أسهل مما توهمنا.
سمعت أبا بكر بن أشكيب يقول: رأيت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي في المنام على هيئة حسنة لا توصف،
فقلت له. يا أستاذ، بم نلت هذا؟، فقال: بحسن ظني? بر?بي.
ورؤى مالك بن دينار في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك.
قال: قدمت على ربي، عز? وجلَّ، بذنوب كثيرة محاها عن?ي عن حسن ظني به تعالى.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "يقول الله عز وجل، أنا عند ظن? عبدي بي، وأنا معه إذا
ذكرني، إن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ هو خير منه، وإن
اقترب إليَّ شبراً اقتربت إليه ذراعاً، وإن اقترب إليَّ ذراعاً اقتربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة".
أخبرنا بذلك أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الأسفرايني قال: أخبرنا يعقوب بن إسحق قال: حدثنا علي بن
حرب قال: حدثنا أبو معاوية ومحمد أبن عبيد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، رضي الله
عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول ذلك.
وقيل: كان ابن المبارك يقاتل علْجاً مرة فدخل وقت صلاة العلاج، فاستمهله، فأمهله.
فلما سجد للشمس: أراد ابن المبارك أن يضربه بسيفه، فسمع من الهواء قائلا يقول: "وأوفوا بالعهد إن
الرسالة القشيرية-القشيري 128
العهد كان مسؤولاً"، فأمسك. فلما سلم ا?وسي، قال له: لِم? أمسكت عما هممت به؟ فذكر له ما سمع،
فقال له ا?وسي: نعم الرب رب يعاتب وليه في عدو?ه. فأسلم وحسن إسلامه.
وقيل: إنما أوقعهم في الذنب حين سمى نفسه عفواً.
وقيل: لو قال لا أغفر الذنوب، ُلم يذنب مسلم قط، -كما أنه لم قال: "إن الله لا يغفر أن يشرك به" "لم
?يشرك مسلم قطّ"، ولكن لما قال: "ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" طمعوا في مغفرته.
ويحكي عن إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه أنه قال: كنت أنتظر مدة من الزمن أن يخلو المطاف لي،
فكانت ليلة ظلماء، فيها مطر شديد، فخلا المطاب؛ فدخلت للطواف، وكنت أقول فيه: اللهم أعصمني،
اللهم أعصمني، فسمعت هاتفاً يقول لي: يا ابن أدهم، أنت تسألني العصمة، وكل الناس يسألوني العصمة،
فإذا عصمتكم فمن أرحم.
وقيل: رأى أبو العباس بن شربح، في منامه في مرض موته، كأن القيامة قد قامت، وإذا الجبار، سبحانه،
يقول: أين العلماء؟. قال: فجاءوه. ثم قال: ماذا عملتم فيما علمتم؟ قال فقلنا: يا رب، قصرنا، وأسأنا.
قال: فأعاد السؤال، كأنه لم يرض به، وأراد جواباً آخر.
فقلت: أما أنا، فليس في صحيفتي الشرك، وقد وعدت أن تغفر ما دون.
فقال: إذهبوا فقد غفرت لكم، ومات بعد ذلك بثلاث ليال.
وقيل: كان رجل شر?يب، جمع قوماً من ندمائه، ودفع إلى غلام أربعة دراهم، وأمره أن يشتري ?ا شيئاً
من الفواكه للمجلس، فمر الغلام بباب مجلس منصور بن عم?ار وهو يسأل لفقير شيئاً، ويقول: من دفع
أربعة دراهم دعوت له أربع دعوات.
قال: فدفع له الغلام الدراهم، فقال منصور: ما الذي تريد أن أدعو لك به؟ فقال: لي سيد أريد أن أتخلص
منه! فدعا لي منصور بذلك، وقال: ما الأخرى، فقال: أن يخلف الله، تعالى: علي? دراهمي.
فدعا لي بذلك. ثم قال: وما الأخرى: فقال: أن يتوب الله على سيدي فدعاقال: وما الأخرى؟ فقال: أن
يغفر الله لي ولسيدي، ولك، وللقوم فدعا، منصور بذلك.
فرجع الغلام إلى سيده، فقال له: لم أبطأت؟ فقص? عليه القصة فقال له: وبم دعا؟ فقال: سالت لنفسي
العتق فقال: اذهب، فأنت حر وما الثاني؟ فقال: أن يخلف الله علي? الدراهم، فقال: لك أربعة آلاف
درهم. فقال: وما الثالث؟ فقال: أن يتوب الله عليك فقال: تبت إلى الله تعالى، فقال: وما الرابع؟فقال: أن
يغفر الله تعالى لك ولي وللقوم وللذكر، فقال: هذا الواحد ليس إلي، فلما بات، رأى في المنام كأن قائلاً
يقول له: أنت فعلت ما كان إليك تراني لاأفعل ما إلي!! قد غفرت لك، وللغلام ولمنصور بن عمار،
الرسالة القشيرية-القشيري 129
وللقوم الحاضرين.
وقيل: حج رباح القيسي حجات كثيرة، فقال يوماً -وقد وقف تحت الميزاب.
إلهي وهبت من حجاتي كذا وكذا للرسول صلى الله عليه وسلم وعشرة منها لأصحابه العشرة، وثنتين
لوالدي، والباقي للمسلمين.
ولم يحبس منها شيئاً لنفسه: فسمع هاتفاً يقول: هوذا يتسخى علينا؛ لأغفرن لك. ولأبويك، ولمن شهد
شهادة الحق.
وروي عن عبد الوهاب بن عبد ا?يد الثقفي أنه قال: رأيت جنازة يحملها ثلاثة من الرجال وامرأة، قال
فأخذت مكان المرأة وذهبنا إلى المقبرة، فصلينا عليها، ودفناها، فقلت للمرأة، من كان هذا منك؟ فقالت:
ابني قلت: أو لم يكن لك جيران؟ قالت: نعم، ولكنهم سغروا أمره.
فقلت: وإيش كان هذا؟ فقالت: مخنثاً؟ قال: فرحمتها: وذهبت ?ا إلى مترلي، وأعطيتها دراهم، وحنطة،
وثياباً.
ونمت تلك الليلة، فرأيت كأنه أتاني آت كأنه القمر ليلة البدر، وعليه ثياب بيض فجعل يتشكر لي، فقلت
من أنت؟ فقال: المخنث، الذي دفنتموني اليوم، رحمني ربي باحتقار الناس إياي.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: مر أبو عمر البيكندي يوماً بسكة، فرأى قوماً أرادوا
إخراج شاب من المحلة، لفساده، وامرأة تبكي، قيل إ?ا أمه، فرحمها أبو عمر فتشفع له إليهم وقال: هبوه
مني هذه المرة، فإن عاد إلى فساده فشأنكم فوهبوه منه، فمضى أبوعمرو، فلما كان بعد أيام، اجتاز بتلك
السكة، فسمع بكاء العجوز من وراء ذلك الباب، فقال في نفسه: لعل الشاب عاد إلى فساده، فنفي من
المحلة.
فدق عليها الباب، وسألها عن حال الشاب؛ فخرجت العجوز وقالت له: إنه مات.
فسألها عن حاله، فقالت، لما قرب أجل، قال: لا تخبري الجيران بموتي، فلقد آذيتهم، وإ?م يشتمون في،
ولا يحضرون جنازتي، وإذا دفنتني، فهذا خاتم لي مكتوب عليه "بسم الله" فادفنيه معي، فإذا فرغت من
دفني فتشفعي لي إلى ربي عز? وجل.
قالت: ففعلت وصيته. فلما انصرفت عن رأس قبره، سمعت صوته يقول: انصرفي يا أماه؛ قدمت على رب
كريم.
وقيل: أوحى الله، تعالى، إلى داود، عليه السلام: قل لهم: "إني لم أخلقهم لأربح عليهم، وإنما خلقتهم،
ليربحوا علي".
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت أبا بكر الحربي يقول:
سمعت إبراهيم الأطروش يقول: كنا قعوداً ببغداد، مع معروف الكرخي؛ على الدجلة، إذ مر بنا قوم
أحداث في زورق، يضربون بالدف ويشربون، ويلعبون، فقلنا لمروف: أما تراهم كيف يعصون الله تعالى؟
أدع الله عليهم: فرفع يده وقال: إلهي كما فرحتهم في الدنيا ففرحهم في الآخرة.
فقالوا: إنما سألناك أن تدعو عليهم!! فقال: إذا فرحهم في الآخرة فقد تاب عليهم.
سمعت أبا الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد المزكي؛ قال: حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد الاديب،
قال: حدثنا الفضل بن صدقة قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن سعيد، قال:
كان يحيى بن أكثم القاضي صديقاً لي، وكان بودني ووده، فمات معي، فكنت أشتهي أن أراه في المنام،
فأقول له: ما فعل الله تعالى بك، فرأيته ليلة في المنام فقلت ما فعل الله تعالى بك؟ قال: غفر لي، إلا أنه
وبخني، ثم قال لي: يا يحيى، خلطت علي في دار الدنيا.
فقلت: أي ربي، إتكلت على حديث حدثنيه أبو معاوية الضرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنك قلت، "إني لأستحيي أن أعذب ذا شيبة بالنار"
فقال: قد عفوت عنك يا يحيى وصدق نبيي، إلا أنك خلطت علي في دار الدنيا.
باب الرضا
قال الله عز? وجلَّ: "رضي الله عنهم ورضوا عنه".. الآية.
أخبرنا علي? بن أحمد الأهوازي، رحمه الله، قال: حد?ثنا أحمد بن عبيد البصري?، قال: حدثنا الكريمي، قال:
حد?ثنا يعقوب بن إسماعيل السلالّ، قال: حدثنا أبو عاصم العباداني، عن الفضل بن عيسى الرقاشي?، عن
محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. "بينا أه ُ ل الجنة في مجلس لهم، إذ
سطع لهم نو?ر على باب الجنة، سلوني. فقالوا: نسألك الر?ضا عن?ا، قال تعالى: رضاي قد أحلكم داري،
وأنا لكن كرامتي، هذا أوا?ا، فاسألوني. قالوا: نسالك الزيادة. قال: فيؤتون بنجائب من ياقوت أحمر..
أزمتها ? ز?مر?د أخضر، وياقوت أحمر، فجاءوا عليها، تضع حوافر?ها عند منتهى طرفها، فيأمر الله، سبحانه،
بأشجار عليه الثمار، وتجيء جوار من الحوار العين، وهن? يقلن: نحن الناعمات فلا نبؤس، ونحن الخالدات
فلا نموت، أزواج قو مؤمنين كرام، ويأمر الله، سبحانه،يكتبان من مسك أبيض أذفر، فتثير عليهم ريحاً
يقوال لها المثيرة حتى تنتهي ?م إلى جن?ة عدن، وهي قصبُة الجنة، فتقول الملائكة: يا ربنا، قد جاء القوم.
الرسالة القشيرية-القشيري 173
فيقول الله: مرحباً بالصادقين.. مرحباً بالطائعين.
قال: فيكشف لهم الحجاب.. فينظرون إلى الله، عز? وجلَّ.. فيتمنون بنور الرحمن، حتى لا يبصر? بعضهم
بعضاً، ثم يقول: أرجعوهم إني الصور بالتحف قال: فيرجعون، وقد أبصر بعضهم بعضاً. فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: فذلك قوله تعالى: "?نزلاَ من غفور رحيم".
وقد اختلف العراقيون والخراسانيون في الر?ضا: هل هو من الأحوال، أو من المقامات.
فأهل خراسان قالوا: الرضا: من جملة المقامات وهو ?اية التوكل، ومعناه: أنه ينول إلى أنه يتوصل إليه
العبد باكتسابه.
وأما العراقيون؛ فإ?م قالوا: الرضا: من جملة الأحوال، وليس ذلك كسباً للعبد، بل هو نازلٌة تحل بالقلب
كسائر الأحوال.
ويمكن الجمع بين اللسانين؛ فيقال: بداية الر?ضا مكتسبة للعبد، وهي من المقامات، و?ايته من جملة
الأحوال، وليست بمكتسبة.
وتكلم الناس في الرضا؛ فكل عبر عن حاله وشربه، فهم في العبارة، عنه مختلفون، كما أ?م في الشرب
والنصيب من ذلك متفاوتون.
فأما شرط العلم، والذي هو لابد منه: فالراضي بالله تعالى، هو: الذي لا يعترض على تقديره.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: ليس الرضا أن لا تحس بالبلاء، إنما الرضا: أن لا تعترض على الحكم
والقضاء.
واعلم أن الواجب على العبد: أن يرضى بالقضاء الذي أمر بالرضا به؛ إذ ليس كل ما هو بقضائه يجوز
للعبد أو يجب عليه الرضا؛ كالمعاصي، وفنون محن المسلمين.
وقال المشايخ: الر?ضا باب الله الأعظم. يعنون: ن من أكرم بالرضا فقد لقي بالترحيب الأوفى، وأكرم
بالتقريب الأعلي.
سمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: أخبرنا أبو جعفر الرازي قال: حدثنا العباس بن حمزة قال:
حدثنا ابن أبي الحواري قال: قال عبد الواحد بن زيد: الرضا با ? ب الله الأعظم، وجنة الدنيا.
واعلم: أن العبد لا يكاد يرضى عن الحق. سبحانه، إلا بعد أني رضى عنه الحق سبحانه؛ لأن الله عز? وجلَّ
قال: "رضي الله عنهم ورضوا عنه".
سمعت الأستاذ أبا علي? الدقاق يقول: قال تلميذ لأستاذه: هذا يعرف العبد أن الله تعالى راضٍ عنه؟ فقال:
لا، كيف يعلم ذلك. ورضاه غيب؟ فقال التلميذ: بل يعلم ذلك، فقال: كيف؟! فقال: إذا وجدت قلبي
الرسالة القشيرية-القشيري 174
راضياً عن الله تعالى. علمت أنه راضٍ عني فقال الأستاذ: أحسنت يا غلام.
وقيل: قال موسى عليه السلام: إلهي، دلني على عمل إذا عملت?ه رضت به عني. فقال: إنك لا ?تطيق ذلك:
فخر? موسى عليه السلام ساجداً له، متضرعاً، فأوحى الله تعالى إليه: يا ابن عمران، إن رضاي في رضاك
بقضائي.
أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، قال: حدثنا العباس بن
حمزة قال: حدثنا ابن ابي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: إذا سلا العبد عن الشهوات فهو
راضٍ.
وسمعته يقول: سمعت النصراباذي يقول:من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل الله رضاه فيه.
وقال محمد بن خفيف: الرضا على قسمين: رضا به، ورضاع عنه؛ فالرضا به أن يرضاه مدبراً، والرضا
عنه فيما يقضى.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: طريق السالكين أطول، وهو طريق الرياضة، وطريق الخواص أقرب،
لكنه أشق?، وهو أن يكون عملك بالرضا، ورضاك بالقضاء.
وقال رويم: الرضا: أن لو جعل الله جهنم على يمينه ما سأل أن يحولها إلى يساره.
وقال أبو بكر بن طاهر: الرضا: إخراج الراهية من القلب، حتى لا يكون فيه إلا فرح وسرور.
وقال الواسطي: استعمل الرضا جهدك، ولا تدع الرضا يستعملك؛ فتكون محجوباً بلذته ورؤيته عن
حقيقة ما تطالع.
واعلم أن هذا الكلام الذي قاله الواسطي شيء عظيم، وفيه تنبيه على مقطعة للقوم خفية، فإن السكون
عندهم إلى الأحوال: حجاب عن محول الأحوال، فإذا استلذ رضاه ووجد بقلبه راحة الرضا حجب بحاله
عن شهود حقه.
ولقد قال الواسطي أيضاً: إياكم واستحلاء الطاعات، فإ?ا سموم قاتلة.
وقال أبن خفيف: الرضا: سكون القلب إلى أحكامه، وموافقة القلب بما رضي الله به واختاره له.
وسئلت رابعة العدوية: متى يكون العبد راضياً؟ فقالت: إذا سرته المصيبة كما سر?ته النعمة.
وقيل. قال الشبلي بين يدي الجنيد: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال له الجنيد: قولك ذا ضي ? ق صدر،
وضِي ? ق الصدر لترك الرضا بالقضاء، فسكت الشبلي.
وقال أبو سليمان الداراني: الرضا: أن لا تسأل الله تعالى الجنة، ولا تسعيذ به من النار.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: سمعت محمد بن أحمد بن سهل يقول:
سمعت سعيد بن عثمان يقول: سمعت ذا النون المصري، رحمه الله، يقول: ثلاثة من أعلام الرضا: ترك
الرسالة القشيرية-القشيري 175
الاختيار قبل القضاء، وفقدان المرارة بعد القضاء، وهيجان الحب في حشو البلاء.
وسمعته يقول: سمعت محمد بن جعفر البغدادي يقول: سمعت إسماعيل بن محمد الصفار يقول: سمعت محمد
بن يزيد المبرد يقول: قيل للحسين بن علي? بن أبي طالب، رضي الله عنهما: إنَّ أبا ذر? يقول: الفقر أحب
إليَّ من الغنى، والسقم أحب إلى من الصحة، فقال: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن
اختيار الله تعالى له لم يتمن? غير? ما اختاره الله عز وجل له.
وقال الفضيل بن عياض لبشر الحافيِّ: الرضا افضل من الزهد في الدنيا؛ لأن الراضي لا يتمنى فوق مترلته.
وسئل أبو عثمان عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أسألك الرضا بعد القضاء" فقال: لأن الرضا قبل
القضاء عزم على الرضا، والرضا بعد القضاء هو الرضا.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت عبد الله الرازي يقول: سمعت ابن أبي
حسان الأنماطي يقول: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت أبا سليمان يقول: أرجوا أن أكون
عرفت طرفاً من الرضا: لو انه أجخلني النار لكنت بذلك راضياً.
وقال أبو عمر الدمشقي: الر?ضا: ارتفاع الجزع في أي? حكم كان، وقال الجنيد: الرضا: رفع الاختيار،
وقال ابن عطاء: الرضا: نظر القلب إلى قديم اختيار الله تعالى للعبد، وهو ترك التسخط، وقال ? رويم.
الرضا: استقبال الأحكام بالفرح، وقال المحاسبي: الرضا: سكون القلب تحت مجاري الأحكام، وقال
النوري: الرضا: سرور القلب ?بمر? القضاء.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا الحسين الفارسي يقول: سمعت الجريري يقول: من رضي بدون
قدره رفعه الله تعالى فوق غايته.
وسمعته يقول: سمعت أحمد بن علي يقول: سمعت الحسن بن علوية يقول: قال أبو تراب النخشبي: ليس
ينال الرضا من للدنيا في قلبه مقدار.
أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أخبرنا أبو عمرو بن حمدان قال: حدثنا عبد الله بن شترويه
قال: حدثنا بشر بن الحكم قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن الهادي، عن محمد بن إبراهيم،
عن عامر بن سعد، عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذاق طعم
الإيمان من رضي بالله رباً".
وقيل: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري، رضي الله عنهما، "أما بع، فإن الخير كله في
الرضا، فإن استطعت أن ترضي، وإلا، فاصبر".
وقيل: إنَّ عتبة الغلام بات ليلة يقول إلى الصباح: "إن تعذبني فأنا لك مح ? ب، وإن ترحمني فأنا لك محب".
سمت الأستاذ أبا علي الدقاق، يقول: الإنسان خزف، وليس للخزف من الخطر ما يعارض فيه حكم الحق?
تعالى.
وقال أبو عثمان الحيري: منذ أربعين سنة ما أقامني الله، عز وجل، في حال فكرهت?ه، وما نقلني إلى غير
فسخطته.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: غضب رجل على عبدٍ له، فاستشفع العبد إلى سيده إنساناً، فعفا
عنه، فأخذ العبد يبكي، فقال له الشفيع: لمَ تبكي وقد عفا عنك سيدك؟ فقال له السي ? د: إنما يطلب الرضا
مني ولا سبيل له إليه، فإنما يبكي لأجله.
باب الزهد
أخبرنا حمزة بن يوسف السهمي الجرجاني، قال: أخبرنا ابو الحسن عبيد الله بن أحمد بن يعقوب المقري
ببغداد، قال: حدثنا جعفر بن مجاشع قال: حدثنا زيد بن إسماعيل قال: حدثنا كثير بن هشام قال: حدثنا
الحكم ابن هشام، عن يحيى بن سعيد، عن افروة، عن أبي خلاد -وكانت له صحية- قال: قال النبي صلى
الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الرجل قد أوتي زهداً في الدنيا، ومنطقاً، فاقتربوا منه، فإنه يلقن الحكمة".
قال الأستاذ الإمام أبو القاسم، رحمه الله: اختلف الناس في الزهد، فمنهم من قال: الزهد في الحرام، لأن
الحلال مباح من قبل الله تعالى، فإذا أنعم الله على عبده بمال من حلال، وتعبده بالشكر عليه، فتركه له
باختياره. لا يقدم على إمساكه له بحق إذنه.
ومنهم من قال: الزهد في الحرام واجب، وفي الحلال فضيلة، فإن إقلال المال -والعبد صابر في حاله، راض
بما قسم الله تعالى له، قانع بما يعطيه- أم من توسعه وتبسطه في الدنيا فإن الله تعالى زهد الخلق في الدنيا
بقوله: "قل متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى": وغير ذلك من الآيات الواردة في ذم الدنيا والتزهيد
فيها.
ومنهم من قال: إذا أنفق العبد ماله في الطاعة وعلم من حاله الصبر، وترك التعرض لما ?اه الشرع عنه في
حال العسر، فحينئذ يكون زهده في المال الحلال أثم.
ومنهم من قال: ينبغي للعبد أن لا يختار الحلال بتكلفه، ولا طلب الفضول مما لا يحتاج إلريه ويراعي
القسمة. فإن رزقه الله، سبحانه وتعالى مالاً من حلال شكره، وإن وقفه الله تعالى، على حد الكفاف لم
الرسالة القشيرية-القشيري 113
تكلف في طلب ما هو فضول المال، فالصبر أحسن بصاحب الفقر. والشكر أليق بصاحب المال الحلال.
معنى الزهد وتكلموا في معنى الزهد: فكل نطق عن وقته، وأشار إلى حد?ه.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله يقول: حدثنا أحمد ابن إسماعيل الأزدي قال: حدثنا
عمران بن موسى الإسفنجي قال: حدثنا الدورقي قال: حدثنا وكيع قال: قال سفيان الثوري: الزهد في
الدنيا: قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا بلبس العباء.
وسمعته يقول: سمعت سعيد بن أحمد يقول: سمعت عباس بن عصام يقول: سمعت الجنيد يقول: سمعت
السري السقطي يقول: إن الله سبحانه، سلب الدنيا عن أوليائه، وحماها عن أصفيائه، وأجرها من قلوب
أهل وداده؛ لأنه لم يرضها لهم.
وقيل: الزهد من قوله سبحانه وتعالى: "لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم".
قالزاهد لا يفرح بموجود من الدنيا، ولا يتأسف على مفقود منها.
وقال أبو عثمان: الزهد: أن تترك الدنيا ثم لاتبالي بمن أخذها.
سمعت الأستاذ أبا علي? الدقاق يقول: الزهد: أن تترك الدنيا كما هي، لاتقول أبني ?ا رباطاً أو أعمر
مسجداً.
وقال يحيى بن معاذ: الزهد: يورث السخاء بالملك، والحب يورث السخاء بالروح، وقال ابن الجلاء:
الزهد: هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال، لتصغر في عينك فيسهل عليك الإعراض عنها.
وقال ابن خفيف: علامة الزهد: وجود الراحة في الخروج عن الملك.
وقال أيضاً: الزهد: سلو القلب عن الأسباب، وفض الأيدي من الأملاك.
وقيل الزهد: عزوف النفس عن الدنيا بلا تكلف.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت النصراباذي يقول: الزاهد: غريب في
الدنيا، والعارف غريب في الأخرة.
وقيل: من صدق في زهده أتته الدنيا راغمة.
ولهذا قيل: لو سقطت قلنسوة من السماء لما وقعت إلا على رأس من لا يريدها.
وقال الجنيد: الزهد خلو القلب عم?ا خلت منه اليد.
وقال أبو سليمان الداراني: الصوف علم من أعلم الزهد؛ فلا ينبغي للزاهد أن يلبس صوفاً بثلاثة دراهم،
وفي قلبه رغبة خمسة دراهم.
وقد اختلف السلف في الزهد.
فقال سفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، وعيسى بن يونس، وغيرهم: الزهد في الدنيا: إنما هو قصر الأمل.
الرسالة القشيرية-القشيري 114
وهذا الذي قالوه يحمل على أنه من أمارات الزهد، والأسباب الباعثة عليه والمعاني الموجبة له.
وقال عبد الله بن المبارك: الزهد: هو الثقة بالله تعالى مع حب الفقر.
وبه قال شقيق البلخي، ويوسف بن أسباط وهذا أيضاً من أمارات الزهد، فإنه لا يقوى العبد على الزهد،
إلا بالثقة بالله تعالى.
وقال عبد الواحد بن زيد: الزهد: ترك الدينار والدرهم.
وقال أبو سليمان الدارني: الزهد: ترك ما يشغل عن الله سبحانه وتعالى.
سمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أحمد بن علي يقول: سمعت إبراهيم بن فاتك يقول:
سمعت الجنيد يقول، وقد سأله رويم عن الزهد، فقال: هو استصغار الدنيا، ومحو آثارها من القلب.
وقال سري: لا يطيب عيش الزاهد إذا اشتغل عن نفسه، ولا يطيب عيش العارف إذا اشتغل بنفسه.
وسئل الجنيد عن الزهد، فقال: خلو? اليد من الملك، والقلب من التتبع.
وسئل الشبلي عن الزهد فقال: أن نزهد فيما سوى الله تعالى.
وقال يحيى بن معاذ: لا يبلغ أحد حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلا ُ ث خصال: عمل بلا علاقة، وقول بلا
طمع، وعز بلا رياسة.
وقال أبو حفص: الزهد لا يكون إلا في الحلال، ولا حلال في الدنيا، فلا زهد.
وقال أبو عثمان: إن الله تعالى يعطي الزاهد فوق ما يريد، ويعطي الراغب دون ما يريد، ويعطي المستقيم
موافقة ما يريد.
وقال يحيى بن معاذ: الزاهد يسعطك الخل والخردل، والعارف يشمك المسك والعنبر.
وقال الحسن البصري: الزهد في الدنيا أن تبغض أهلها وتبغض ما فيها:.
وقيل لبعضهم: ما الزهد في الدنيا؟ قال: ترك ما فيها على ما فيها.
وقال رجل لذي النون المصري: متى أزهد في الدنيا؟ فقال: إذا زهدت? في نفسك.
وقال محمد بن الفضل: إيثار الزهاد عند الاستغناء، وإيثار الفتيان عند الحاجة، قال الله تعالى: "ويؤثرون
على أنفسهم ولو كان ?م خصاصة".
وقال الكتاني: الشيء الذي لم يخالف فيه كوفي ولا مدني ولا عراقي، ولا شامي: الزهد في الدنيا،
وسخاوة النفس، والنصيحة للخلق، يعني أن هذه الأشياء لا يقول أحد إ?ا غير محمودة.
وقال رجل ليحيى بن معاذ: متى أدخل حانوت التوكل، وألبس رداء الزاهدين؟ فقال: إذا صرت من
رياضتك في السر إلى حد لو قطع الله عنك الرزق ثلاثة أيام لم تضعف في نفسك.
الرسالة القشيرية-القشيري 115
فأما ما لم تبلغ هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين جهل، ثم لا آمن عليك أن تفتضح بينهم!!
وقال بشكر الحافي: الزهد: ملك لا يسكن إلا في قلب مخلي.
سمعت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت بن محمد بن الأشعث
البيكندي يقول: من تكلم في الزهد، ووعظ الناس، ثم رغب في مالهم، رفع الله تعالى حب الآخرة من
قلبه.
وقيل: إذا زهد العبد في النيا وكل الله تعالى به ملكاً يغرس الحكمة في قلبه.
وقيل: لبعضهم: لم زهدت في الدنيا؟ فقال: لزهدها فيَّ.
وقال أ؛مد بن حنبل: الزهد على ثلاثة أوجه: ترك الحرام، وهو: زهد العوام: والثاني: ترك الفضول من
حلال، وهو: زهد الخواص.
والثالث: ترك ما يشغل العبد عن الله تعالى، وهو: زهد العارفين.
سمعت الأستاذ أبا علي الد?قاق، يقول: قيل لبعضهم: لم زهدت في الدنيا؟ قال: لما زهدت في أكثرها أنفت
من الرغبة في أقلها.
وقال يحيى بن معاذ: الدنيا كالعروس ا?لوة، ومن يطلبها ما شطتها والزاهد فيها يسخم وجهها، وينتف
شعرها، ويحرق ثو?ا والعارف مشتغل بالله تعالى، لا يلتفت إليها.
سمعت أبا عبد الله الصوفي يقول: سمعت: أبا الطيب السامري يقول: سمعت الجنيد يقول: سمعت السري
يقول: مارست كل شيء من أمر الزهد، فنلت منه ما أريد، إلا الزهد في الناس؛ فإني لم أبلغه، ولم أطقه.
وقيل. ما خرج الزاهدون إلا إلى أنفسهم، لأ?م تركوا النعيم الفاني للنعيم الباقي.
وقال النصراباذي: الزاهد حقن دماء الزاهدين،وسفك دماء العارفين.
وقال حاتم الأصم. الزاهد يذيب كيسه قبل نفسه، والمتزاهد يذيب نفسه قبل كيسه.
سمعت محمد بن عبد الله يقول: حدثنا علي بن الحسين الموصلي قال: حدثنا أحمد بن الحسين قال: حدثنا
محمد بن الحسن قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: جعل الله الشر كله في
بيت، وجعل مفتاحه حب الدنيا، وجعل الخير كله في بيت، وجعل مفتاحه الزهد.
باب الصمت
أخبرنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني قال: حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان قال: حدثنا أحمد بن
يوسف السلمي قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة
الرسالة القشيرية-القشيري 116
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان
يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت".
أخبرنا علي بن أحمد بن عبدا، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد قال: حدثنا بشر بن موسى الأسدي قال: حدثنا
محمد بن سعيد الأصبهاني، عن بن المبارك، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد،
عن القاسم، عن أبي أمامة، عن قبة بنع عامر قال: قلت: يارسول الله، ما النجاة؟ قال: "احفظ عليك
لسانك، وليسعك بيتك، وأبك على خطيئتك".
قال الأستاذ، رحمه الل: الصمت سلامة، وهو الأصل. وعليه ندامة إذا ورد عنه الزجر فالواجب: أن يعتبر
فيه الشرع، والأمر والنهي.
والسكوت في وقته: صفة الرجال، كما أن النطق في موضعه من أشرف الخصال.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس.
والصمت: من آداب الحضرة، قال الله تعالى: "وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون".
وقال تعالى -خبراً عن الجن بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم-: "فلما حضروه قالوا أنصتوا..".
وقال تعالى: "وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً".
وكم ببن عبد يسكت تصاوناً عن الكذب والغيبة. وبين عبد يسكت لاستيلاء سلطان الهيبة عليه. وفي
معناه أنشدوا:
أفكر ما أقول إذا افترقنا وأحكم دائباً حجج المقال
فأنساها إذا نحن التقينا فانطق، حين أنطق، بالمحال
وأنشدوا:
فياليل كم من حاجة له مهمة إذا جئتكم لم أدر ياليل ماهيا
وأنشدوا:
وكم حديث لك حتى إذا مكنت من لقياك أنسيته
وأنشدوا:
رأيتك الكلام يزين الفتى والصمتُخير لمن قد صمت
فكم من حروف تجر الحتوف ومن ناطق ود أن لو سكت
والسكوت على قسمين: سكوت بالظاهر، وسكوت بالقلب والضمائر.
فالمتوكل: يسكت قلبه عن تقاضي الأرزاق.
الرسالة القشيرية-القشيري 117
والعارف: يسكت قلبه مقابلة للحكم بنعت الوفاق.
فهذا بجميل صنعه واثق، وهذا بجميع حكمه قانع.
وفي معناه قالوا:
تجري عليك صروفه وهموم سرك مطرقة
وربما يكون سبب السكوت حيرة البديهة؛ فإنه إذا ورد كشف عن وصف البغتة خرست العبارات عند
ذلك، فلا بيان، ولا نطق. وطمست الشواهد هنالك، فلا علم، ولا حس.
وقال الله تعالى: "يوم يجمع الله الرسل فيقول: ماذا أجبتم؟ قالوا لا علم لنا".
فأما إيثار أرباب ا?اهدة السكوت: فلما علموا ما في الكلام من الآفات؛ ثم ما فيه من حظ النفس،
وإظهار صفات المدح، والميل إلى أن يتميز بين أشكاله بحسن النطق، وغير هذا من آفات في الخلق، وذلك
يتميز بين نعت أرباب الرياضات، وهوأحد أركا?م في حكم المنازلة و?ذيب الخلق.
وقيل: إن داود الطائي، لما أراد أن يعقد في بيته اعتقد أن يحضر مجالس أبي حنيفة، رحمه الله، إذ كان
تلميذاً له، ويقعد بين أقرانه من العلماء، ولا يتكلم في مسألة، فلما قو?ي نفسه على ممارسة هذه الخصلة
سنة كاملة، قعد في بيته عند ذلك وآثر العزلة.
وكان عمر بن عبد العزيز، رحمه الله، إذا كتب كتاباً واستحسن لفظه مزق الكتاب وغيره.
سمعت الشيخ أبا عب الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: أخبرنا عبد الله بن محمد الرازي، قال: حدثنا أبو
العباس محمد بن إسحق السراج قال: سمعت أحمد بن الفتح يقول: سمعت بشر بن الحارث يقول: إذا
أعجبك الكلام فاصمت، وإذا أعجبك الصمت فتكلم.
وقال سهل بن عبد الله: لا يصح لأحد الصمت حتى يلزم نفسه للخلوة، ولا تصح له التوبة حتى يلزم
نفسه الصمت.
وقال أبو بكر الفارسي: من لم يكن الصمت وطنه فوفي الفضول ون كان صامتاً.. والصمت ليس
بمخصوص على اللسان، لكنه على القلب والجوارح كلها.
وقال بعضهم: من لم يستغنم السكوت فإذا نطق نطق بلغو.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت ممشاد الدينوري يقول:
الحكماء ورثوا الحكمة بالصمت والتفكر.
وسئل أبو بكر الفارسي عن صمت السر فقال: ترك الاشتغال بالماضي والمستقبل.
الرسالة القشيرية-القشيري 118
وقال أبو بكر الفارسي: إذا كان العبد ناطقاً فيما يعنيه، وفيما لابد منه، فهو في حد الصمت.
روي عن معاذ بن جبل، رضي الله عنه، أنه قال: كلم الناس قليلاً، وكلم ربك كثيراً؛ لعل قلبك يرى الله
تعالى.
وقيل لذي النون المصري: من أصون الناس لقلبه؟. قال: أهلكم للسانه.
وقال ابن مسعود: ما من شيء يطول السجن أحق من اللسان.
وقال علي بن بكار: جعل الله تعالى لكل شيء بابين، وجعل للسان أربعة أبواب: فالشفتان مصراعان،
والأسنان مصراعان.
وقيل: إن أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، كان يمسك في فيه حجراً كذا كذا سنة؛ ليقل كلامه.
وقيل: إن أبا حمزة البغدادي، رحمه الله، كان حسن الكلام، فهتف به هاتف، فقال له: تكلمت
فأحسنت، بقي أن تسكت فتحسن؟ فما تكلم? بعد ذلك حتى مات قريباً من هذه الحالة على رأس
اسبوع، أو أقلَّ، أو أكثر.
وربما يكون السكوت يقع على المتكلم تأديباً له، لأنه أساء أدبه في شيء.
كان الشبلي إذا قعد في حلقته، ولا يسألونه، يقول: "ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون".
وربماَّ يقع السكوت على المتكلم، لأن في القوم من هو أولى منه بالكلام.
سمعت أبن السماك يقول: كان بين شاه الكرماني، ويحيى بن معاذ صداقة، فجمعهما بلد، فكان شاه لا
يحضر مجلسه، فقيل له في ذلك: فقال: الصواب هذا. فما زالوا به حتى حضر يوماً مجلسه، وقعد ناحية لا
يشعر به يحيى بن معاذ، فلما أخذ يحيى في الكلام سكت، ثم قال: ها هنا من هو أولى بالكلام مني، وارتج
عليه فقال شاة: قلت لكم الصواب أن لا أحض?ر مجلسه.
وربم?ا يقع السكوت على المتكلم لمعنى في الحاضرين، وهو أنه يكون هناك من ليس بأهل لسماع ذلك
الكلام فيصون الله تعالى لسان المتكلم غيرة وصيانة لذلك الكلام عن غير أهله.
وربما كان سبب السكوت الذي يقع على المتكلم: أن بعض الحاضرين كان معلو?م الله تعالى من حاله أنه
يسمع ذلك الكلام، فيكون فتنة له، إما لتوهمه أنه وقته ولا يكون، أو لأنه يحملِّ نفسه مالا يطيق فيرحمه
الله، عز? وجلَّ، بأن يحفظ سمعه عن ذلك الكلام، إما صيانة له، أو عصمة عن غلطة.
وقال مشايخ هذه الطريقة.
ربما يكون السبب فيه حضور من ليس بأهل لسماعه من الجن، إذ لا تخلو مجالس القوم من حضور جماعة
من الجن.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: اعتللت مرة بمرو فاشتقت أن أرجع إلى نيسابور. فريت
الرسالة القشيرية-القشيري 119
في المنام. كأن قائلاً يقول لي: لا يمكنك أن تخرج من هذا البلد، فإن جماعة من الجن قد استحلوا كلامك،
ويحضرون مجلسك، فلأجلهم تجلس هاهنا.
وقال بعض الحكماء: إنما خلق للإنسان لسان واحد، وعينان، وأذنان، ليسمع ويبصر أكثر مما يقول.
ودعي إبراهيم بن أدهم إلى دعوة؛ فلما جلس أخذوا في الغيبة، فقال: فقال: عندنا يؤكل اللحم بعد
الخبز، وأنتم ابتدأتم بأكل اللحم؟ أشار إلى قوله تعالى: "أيجب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً،
فكرهتموه".
وقال بعضهم: الصمت، لسان الحْلم.
وقال بعضهم: تعلم? الصمت، كما تتعلم الكلام؛ فإن كان الكلام يهديك، فإن الصمت يقيك.
وقيل: عفة اللسان صمته.
وقيل: مثل اللسان مثل السبع إن لم ?توثقه عدا عليك: وسئل أبو حفص: أي? الحالين للوليِّ أفضل؟
الصمت، أو النطق؟ فقال: لو علم الناطق ما آفة النطق لصمت إن استطاع عمر? نوح، ولو علم الصامت
ما آفة الصمت لسأل الله تعالى، ضعفي عمر نوح حتى ينطق.
وقيل: صمت العوام? بألسنتهم، وصمت العارفين بقلو?م، وصمت المحبين بالتحفظ من خواطر اسرارهم.
وقيل لبعضهم: تكلم? فقال: ليس لي لسان فأتكلم?.
فقيل له: اسمع، فقال: ليس فيَّ مكان فأسمع.
وقال بعضهم: مكثت ثلاثين سنة لا يسمع قلبي إلا من لساني.
وقال بعضه: لو أسكت لسانك لم تنج من كلام قلبك، ولو صرت رميماً لم تتخلص من حديث نفسك،
ولو جهدت كلَّ الجهد لم تكلمك روحك، لأ?ا كاتمة للسر.
وقيل: لسان الجاهل مفتاح حتفه.
وقيل: المحب: إذا سكت هلك، والعارف إذا سكت ملك سمعت محمد بن الحسين، يقول سمعت عبد الله
بن محمد الرازي يقول: سمعت محمد بن نصر الصائغ يقول: سمعت مردوية الصائغ يقول: سمعت الفضيل
بن عياض يقول: من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه
باب الصدق
قال الله تعالى: "ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين".
أخبرنا: الإمام أبو بكر محمد بن فورك، رحمه الله، قال: أخبرنا عبد الله ابن جعفر بن أحمد الأصبهاني قال:
حدثنا أبو بشر يونس بن حبيب قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي
الرسالة القشيرية-القشيري 187
وائل، عن عبد الله ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "لا يزال العبد يصدق ويتحرى
الصدق حتى يكتب عند الله صد?قاً، ولا يزال يكذب ويتحر?ى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً".
قال الأستاذ: والصدق: عماد الأمر، وبه تمامه، وفيه نظامه، وهو تالي درجة النبوة، قال الله تعالى:
"فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين.." الآية.
والصادق الاسم اللازم من الصدق، والصديق المبالغة منه: وهو الكثير الصدق، الذي الصدق غالبه،
كالسكير والخمير.. وبابه.
وأقل الصدق: استواء السر والعلانية. والصادق: من صدق في أقواله.
والصديق: من صدق في جميع أقواله، وأفعاله وأحواله.
وقال أحمد بن خضروية: من أراد أن يكون الله تعالى معه فليلزم الصدق؛ فإن الله تعالى قال: "إن الله مع
الصادقين".
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت الفرغاني
يقول: سمعت الجنيد يقول: الصادق: ينقلب في اليوم أربعين مر?ة، والمرائي يثبت على حالة واحدة أربعين
سنة.
وقال أبو سليمان الداراني: لو أراد الصادق أن يصف ما في قلبه ما نطق به لسانه.
وقيل الصدق: القول بالحق في مواطن الهلكة.
وقيل: الصدق: موافقة السر? النطق.
وقال القناد: الصدق: منع الحرام من الشدق.
وقال عبد الواحد بن زيد: الصدق: الوفاء لله سبحانه بالعمل.
سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت أبا العباس البغدادي يقول: سمعت جعفر بن نصير يقول: سمعت
الجريري يقول: سمعت سهل بن عبد الله يقول: لا يشم رائحة الصدق عبد داهن نفسه أو غيره.
وقال أبو سعيد العرشي: الصادق: الذي يتهيأ له أن يموت ولا يستحي من سره لو كشف، قال الله تعالى:
"فتمنوا الموت إن كنتم صادقين".
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، رحمه الله، يقول: كان أبو علي الثقفي يتكلم يوماً، فقال له عبد الله بن
منازل: يا أبا علي، استعد للموت فلا بد منه. فقال أبو علي?: وأنت يا عبد الله، استعد للموت فلا بد
منه. فتوسد عبد الله ذراعه، ووضع رأسه، وقال: قد مِت?.
فانقطع أبو علي؛ لأنه لم يمكنه أن يقابله بما فعل، لأنه كان لأبي علي? علاقات وكان عبد الله مجرداً لا
الرسالة القشيرية-القشيري 188
شغل له.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: كان أبو العباس الدينوري يتكلم.. فصاحت
عجوز في ا?لس صيحة، فقال لها أبو العباس الدينوري: ?موتي.. فقامت وخطت خطوات.. ثم التفتت
إليه، وقالت:قد مِت?. ووقعت مي?تة.
وقال الواسطي: الصدق: صحة التوحيد مع القصد.
وقيل: نظر عبد الواحد بن زيد إلى غلام من أصحابه قد نحل بدنه، فقال: يا غلام، أتديم الصوم؟ فقال:
ولا أديم الإفطار. فقال: أتديم القيام بالليل؟ فقال: ولا أديم النوم.
فقال: فما الذي أنحلك؟ فقال: هوى دائم.. وكتمان دائم عليه. فقال عبد الواحد: اسكت؟ فما أجرأك!!
فقام الغلام، وخطا خطوتين، وقال إلهي، إن كنت صادقاً فخذني؛ فخر ميتاً.
وحكي عن أبي عمرو الزجاجي أنه قال: ماتت أمي.. فورثت منها داراً، فبعتها بخمسين ديناراً..
وخرجت إلى الحج، فلما بلغت باب استقبلني من واحد القناقنة وقال: ما معك؟ فقلت في نفسي: الصدق
خير.. ثم قلت: خمسون ديناراً. فقال: ناولنيها. فناولته الصرة.. فعد?ها؛ فإذا هي خمسون ديناراً. فقال:
خدثها؛ فلقد أخذني صدقك. ثم نزل عن الدابة، وقال: أركبها. فقلت: لا أريد! فقال لابد. وألحَّ علي?.
فركبتها. فقال: وأنا على أثرك.
فلما كان العام المستقبل لحق بي، ولازمني حتى مات.
سمت محمد بن الحسين، رحمه الله، يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت جعفراً الخواص يقول:
سمعت إبراهيم الخواص يقول: الصادق. لا نراه إلا في فرض يؤديه، أو فضل يعمل فيه.
وسمعته يقول: سمعت أبا الحسين بن مقسم يقول: سمعت جعفراً الخواص يقول: سمعت الجنيد يقول:
حقيقة الصدق: أن تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب.
وقيل: ثلاثة لا تخطىء الصادق: الحلاوُة، والهيبة، والملاحة.
وقيل: أوحى الله، سبحانه، إلى داود عليه السلام، يا داود من صدقني في سريرته صدقته عند المخلوقين في
علانيته.
وقيل: دخل إبراهيم بن دوحة مع غبراهيم بن ستنبة البادية، فقال إبراهيم بن ستنبة: اطرح ما معك من
العلائق. قال: فطرحت كل شيء إلا ديناراً فقال: يا إبراهيم، لاتشغل سري، اطرح ما معك من
العلائق!! قال: فطرحت الدينار، ثم قال: يا إبراهيم، اطرح ما معك من العلائق!!. فتذكرت أن معي
شسوعاً للنعل، فطرحتها، فما أحتجت في الطريق إلى شسع إلاَّ وجدته بين يدي.
فقال: إبراهيم بن ستنبة: هكذا من عامل الله تعالى بالصدق.
القشيرية-القشيري 189
وقال ذو النون المصري، رحمه الله: الصدق سيف الله، ما ? وضع على شيء، إلا قطع.
وقال سهل بن عبد الله: أول خيانة الصديقين حديثهم مع أنفسهم.
وسئل فتح الموصلي عن الصدق، فأدخل يده في كير الحداد.. وأخرج الحديدة المحماة.. ووضعها على
كفه، وقال: هذا هو الصدق.
وقال يوسف بن أسباط: لأن أبيت ليلة أعامل الله تعالى بالصدق أحب إلى من أن أضرب بسيفي في سبيل
الله تعالى.
سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق، يقول: الصدق أن تكون مع الناس كما ت?رى من نفسك، أو أن ترى من
نفسك كما تكون.
وسئل الحارث المحاسبي عن علامة الصدق، فقال: الصادق: هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في
قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه، ولا يحب إطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله، ولا يكره أن
?يطلع الناس على السيء من عمله؛ فإن كراهته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم وليس هذا من
أخلاق الصديقين.
وقال بعضهم: من لم يؤد الفرض الدائم لا يقبل منه الفرض المؤقت.
وقيل له: ما الفرض الدائم؟ قال: الصدق.
وقيل: إذا طلبت الله بالصدق أعطاك مرآة ?تبصر فيها كلَّ شيء من عجائب الدنيا والآخرة.
وقيل: عليك بالصدق حيث تخاف أنه يضرك فإنه ينفعك، ودع الكذب حيث ترى أنه ينفعك؛ فإنه
يضرك.
وقيل: كل شيءٍ، ومصادقة الكذاب لا شيء.
وقيل: علامة الكذاب جوده باليمين بغير مستحلف.
وقال ابن سيرين: الكلا?م أوسع من أن يكذب طريف.
وقيل: ما أملق تاجر صدوق.
باب الشكر
قال الله عز وجل: "لئن شكرتم لأزيدنكم".
وحدثنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان الأهوازي قال: أخبرنا أبو الحسن الصفار، قال حدثنا
الإسقاطي قال: حدثنا منجاب قال: حدثنا يحيى ابن يعلى، عن أبي خباب، عن عطاء، قال: دخلت على
عائشة، رضي الله عنها، مع عبيد بن عمير، فقلت: أخبرينا بأعجب ما رأيت من رسول الله، صلى الله
عليه وسلم.
فبكت، وقالت: وأي شأنه لم يكن عجباً؟..إنه أتاني في ليلة.. فدخل معى في فراشي، أو قالت: في لحافي:
حتى مس جلدي، ثم قال: يا بنت أبي بكر، ذريني أتبعد لربي?.
قالت: قلت: إني أحب قربك فأذنت له فقام إلى قربة من ماء. فتوضأ وأكثر صب الماء.. ثم قام يصلي.
فبكى، حتى سالت دموعه على صدره.. ثم ركع فبكى، ثم سجد فبكى، ثم رفع رأسه فبكى. فلم يزل
كذلك حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة.
فقلت له: يا رسول الله، ما يبكيك، وقدغفر الله لك ماتقدم من ذنبك وماتأخر؟! فقال: أفلا أكون عبداً
شكوراً؟ ولم لا أفعل: وقد أنزل الله علي: "إن في خلق السموات والأرض. الآية".
قال الأستاذ: حقيقة الشكر عند أهل التحقيق: الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع، وعلى هذا
القول: يوصف الحق سبحانه، بأنه: شكور، توسعاً ومعناه: أنه يجازي العباد على الشكر، فسمي جزاء
الشكر شكراً؛ كما قال تعالى: "وجزاء سيئة سيئة مثلها".
وقيل: شكره تعالى: إعطاؤه الكثير من الثواب على العمل اليسير؛ من قولهم: دابة شكور: إذا أظهرت من
السمن فوق ما تعطى من العلف.
ويحتمل أن يقال. حقيقة الشكر: الثناء على المحسن يذكر إحسانه فشكر العبد لله تعالى: ثناؤه عليه بذكر
إحسانه إليه، وشكر الحق، سبحانه، للعبد: ثناؤه عليه بذكر إحسانه له، ثم إن إحسان العبد: طاعته لله
تعالى، وإحسان الحق: إنعامه على العبد بالتوفيق للشكر له، وشكر نعبد على الحقيقة، إنما هو: نطق
اللسن، وإقرار القلب بإنعام الرب، والشكر ينقسم إلى: شكر باللسان: وهو اعترافه بالنعم بنعت
وشكر بالبدن والأركان: وهو اتصاف بالوفاء والخدمة.
وشكر بالقلب وهو اعتكاف على بساط الشهود بإدامة حفظ الحرمة.
ويقال: شكر هو شكر العالمين، يكون من جملة أقوالهم.
وشكر: هو شكر العارفين، يكون باستقامتهم له في عموم أحوالهم.
وقال أبو بكر الوراق: شكر النعمة مشاهدة المنة، وحفظ الحرمة.
قال حمدون القصار شكر النعمة: أ، ترى نفسك فيه طفيلياً.
وقال الجنيد: الشكر فيه علة، لأنه طالب لنفسه المزيد، فهو واقف مع الله، سبحانه، على حظ نفسه.
وقال أبو عثمان: الشكر: معرفة العجز عن الشكر.
ويقال: الشكر على الشكر أتم من الشكر، وذلك بأن ترى شكرك بتوفيقه، ويكون ذلك التوفيق من أجل
النعم عليك، فتشكره على الشكر ثم تشكره على شكر الشكر، إلا ما لا يتناهي.
وقيل: الشكر: إضافة النعم إلى موليها بنعت الاستكانة.
وقال الجنيد: الشكر: أن لا ترى نفسك أهلاً للنعمة.
وقال رويم: الشكر: استفراغ الطاقة.
وقيل: الشاكر: الذي يشكر على الموجود، والشكور: الذي يشكر على المفقود.
ويقال: الشاكر: الذي يشكر على الرفد، والشكور: الذي يشكر على الرد.
ويقال الشاكر: الذي يشكر على النفع، والشكور: الذي يشكر على المنع.
ويقال: الشاكر: الذي يشكر على العطاء، والشكور: الذي يشكر على البلاء.
ويقال: الشاكر: الذي يشكر عند البذل، والشكور: الذي يشكر عند المطل.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي، رحمه الله، يقول: سمعت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي يقول: سمعت
المرتعش يقول: سمعت الجنيد يقول: كنت بين يدي السري? ألعب، وأنا ابن سبع سنين، وبين يديه جماعة
يتكلمون في الشكر، فقال لي: يا غلام، ما الشكر؟ فقلت: ألا تعصي الله بنعمة.
فقال: يوشك أن يكون حظك من الله لسانك.
قال الجنيد، رحمه الله، فلا أزال أبي على هذه الكلمة التي قالها السري.
وقال الشبلي: الشكر: رؤية المنعم، لا رؤية النعمة.
وقيل الشكر: قيد الموجود، وصيد المفقود.
الرسالة القشيرية-القشيري 160
وقال أبو عثمان: شكر العامة على المطعم والمبس، وشكر الخواص على ما يرد على قلو?م من المعاني.
وقيل: قال داود، عليه السلام، إلهي، كيف أشكرك، وشكري لك نعمة من عندك؟ وقيل: قال داود، عليه
السلام، إلهي، كيف أشكرك، وشكري لك نعمة من عندك؟ فأوحى الله إليه: الآن قد شكرتني.
وقيل: قال موسى عليه السلام في مناجاته: إلهي، خلقت آدم بيدك، وفعلت.. وفعلت. فكيف شكرك؟
فقال: علم أن ذلك مني، فكانت معرفته بذلك شكره لي.
وقيل: كان لبعضهم صديق، فحبسه السلطان، فأرسل إليه، فقال له صاحبه: أشكر الله تعالى؛ فضرب
الرجل؛ فكتب إليه، فقال: اشكر الله تعالى، فجيء بمجوسي مبطون، وقيد، وجعلت حلقة من قيده على
رجل هذا، وحلقة على رجل ا?وسي، فكان يقوم ا?وسي بالليل مرات وهذا يحتاج أن يقوم على رأسه
حتى يفرغ، فكتب إلى صاحبه، فقال: أشكر الله تعالى، فقال: إلى متى تقول، وأي بلاء فوق هذا؟ فقال له
صاحبه: لو وضع الزنار الذي في وسطه في وسطك، كما ? وضع القيد الذي في رجله في رجلك، ماذا
كنت تصنع؟ وقيل: دخل رجل على سهل بن عبد الله، فقال له: إن اللص دخل داري، وأخذ متاعي!!
فقال له أشكر الله تعالى، لو دخل اللص قلبك -وهو الشيطان- وأفسد التوحيد، ماذا كنت تصنع! وقيل:
شكر العينين: أن تستر عيباً تراه بصاحبك. وشكر الأذنين: أن تستر عيباً تسمعه فيه.
وقيل: الشكر: التلذذ بثنائه على ما لم يستوجبه عن عطائه.
سمعت السلمي يقول: سمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت الحسن بن يحيى يقول: سمعت جعفراً يقول
سمعت الجنيد يقول: كان السري إذا أراد أن ينفعني يسألني؛ فقال لي يوماً: يا أبا القاسم، ما الشكر!
فقلت له: أن لا يستعان بشيء من نعم الله، تعالى، على معاصية.
فقال: من أين لك هذا! فقلت: من مجالستك.
وقيل: التزم الحسن بن علي الركن وقال: إلهي. نعمتني فلم تجدني شاكراً.! وابتليتني فلم تجدني صابراً، فلا
أنت سلبت النعمة بتركي الشكر ولا أدمت الشدة بتركي الصبر. إلهي ما يكون من الكريم إلا الكرم.
وقيل: إذا قصرت يدك عن المكافة فليطل لسانك بالشكر.
وقيل: اربعة لا ثمرة لأعمالهم: مسارة الأصم، ووضاع النعمة عند من لا يشكر، والباذر في السبخة،
والمسرج في الشمس.
وقيل: لما ?بشر إدريس، عليه السلام؛ بالمغفرة سأل الحياة، فقيل له فيه، فقال لأشكره فإني كنت أعمل قبله
للمغفرة، فبسط الملك جناحه وحمله عليه إلى السماء.
وقيل، مر بعض الأنبياء عليهم السلام بحجر صغير يخرج منه الماء الكثير، فتعجب منه، فانطقه الله معه،
الرسالة القشيرية-القشيري 161
فقال: مذ سمعت الله، تعالى يقول، "ناراً وقودها الناس والحجارة" وأنا أبكي من خوفه قال؛ فدعا ذلك
النبي أن يجير الله ذلك الحجر؛ فأوحي الله تعالى إليه أني قد أجرته من النار، فمر ذلك النبي، فلما عاد وجد
الماء يتفجر منه مثل ذلك؛ فعجب منه فانطق الله ذلك الحجر معه، فقال له لم تبكي، وقد غفر الله لك؟
فقال: ذلك كان بكاء الحزن والخوف، وهذا بكاء الشكر والسرور.
وقيل: قدم وفد على عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، وكان فيهم شاب. فأخذ يخطب، فقال عمر:
الكبر. الكبر. فقال له الشاب: يا أمير المؤمنين، لو كان الأمر بالسن?، لكان في المسلمين من هو أسن?
منك!!. فقال: تكلم? فقال: لسنا وفد الرغبة، ولا وفد الرهبة. أما الرغبة فقد أوصلها إلينا فضلك وأما
الرهبة فقد أمنتا منها عدلك. فقال له: فمن أنتم؟ فقال: وقد الشكر، جئناك نشكرك ونتصرف.
وأنشدوا:
ومن الرزية أن شكري صامت عما فعلت وأن برك ناطق
أرى الصنيعة منك ثم أسرها إني إذن ليد الكريم لسارق
وقيل: أوحى الله تعالى لى موسى عليه السلام: أرحم عبادي: ألمبتلي، والمعافى.
فقال: ما بال المعافى؟ فقال: لقلة شكرهم على عافيتي إياهم.
وقيل: الحمد على الأنفاس، والشكر على نعم الحواس.
وقيل الحمد: ابتداء منه، والشكر: اقتداء منك.
وفي الخبر للصحيح: "لو من يدعى إلى الجنة الحامدون لله على كل حال".
وقيل: الحمد: على ما دفع، والشكر: على ما صنع.
وحكي عن بعضهم أنه قال: رأيت في بعض الأسفار شيخاً كبيراً قد طعن في السن، فسألته عن حاله،
فقال: إني كنت في ابتداء عمري أهوى ابنة عم لي؛ وهي كذلك كانت ?واني؛ فانفق أ?ا زوجت مني،
فليلة زفافها قلنا: تعال: حتى تحيي هذه الليلة شكراً لله تعالى على ما جمعنا فصلينا تلك الليلة، ولم يتفرغ
أحدنا لصاحبه فلما كانت الليلة الثانية قلنا مثل ذلك فمنذ سبعين؛ أو ثمانين سنة، نحن على تلك الصفة
كل ليلة: أليس كذلك يا فلانة، فقالت العجوز: كما يقول الشيخ.
 
 


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية