الصوفية
الصوفية طريق إلى الله
الدولة العثمانية والحضارة الإسلامية

القاهر- ضياء الدين أحمد
الاسلام دين يصلح لكل زمان ومكان اذ يحمل بين دفاته كل عناصر المعاصرة والمواكبة والرقي والتحضر.. وقد قدم المسلمون منذ ازمان بعيدة الكثير من الابتكارات والابداعات التي اسهمت في مسيرة البشرية..
وفي زمن العولمة والتطور التقني ودخول عصر التكنولوجيا كثر الحديث عن صراع الحضارات وطرح العديد من القضايا المتداخلة بين الشرق والغرب وبين الاسلام والاديان الاخرى.. وموقف الاسلام من قضايا عصره ومدى تفاعله معها. طوال الشهر الفضيل سنطرح يومياً قضية مهمة ونلتقي بأحد العلماء والمفكرين لمعرفة رأيه معززا بالادلة ومؤكدا بالبراهين.
الدولة العثمانية كانت دولة اسلامية كبيرة حكمت العديد من شعوب العالم في مختلف القارات وازدهرت في عصرها الحضارة الاسلامية، ورغم مضى ثلاثة أرباع القرن على سقوط هذه الدولة الا أن الدراسات والبحوث لاتزال تجرى وتتناول مختلف جوانب حياة هذه الدولة ومختلف مراحلها.
وهناك أقسام في الجامعات مثل أقسام التاريخ واللغات الشرقية وغيرها وهناك مراكز بحوث لاتزال تولي الدولة العثمانية عنايتها وإهتمامها ومن تلك المؤسسات معهد الدراسات الآسيوية بجامعة الزقازيق وفي هذا الحوار مع الدكتورة هدى درويش الاستاذة بالمعهد نحاول تناول بعض الجوانب من الدولة العثمانية.
ـ هناك اتهامات من جانب الدولة الأوروبية في الوقت الحاضر أن الدولة العثمانية ارتكبت مذابح في حق الأرمن الذين كانوا يعيشون على أراضيها فما مدى صحة هذه الاتهامات؟
ـ الطوائف الأرمنية عاشت حقبة كبيرة من الزمان داخل حدود الدولة العثمانية التي كفلت لهم حرية الاقامة والتنقل والتجارة في اراضيها من خلال نظام الامتيازات الذي كفلته الدولة العثمانية لرعايا الدول الأجنبية والأقليات العرقية التي كانت تدخل ضمن سيادتها. وفي ظل هذا النظام عاش الأرمن في تركيا متمتعين بكامل حقوقهم فقد كفلت لهم حرية الدين والعبادة ومزاولة شعائرهم في الكنائس وغيرها، وكانت معظم الطوائف الأرمنية تسكن في الجزء الشرقي من الدولة العثمانية أي في ولايات تبليس وأرضروم ووان وسيواس وجزء من ديار بكر وطبقا لنظام الدولة في معاملة أهل الذمة المقيمين داخل حدودها تمتع الأرمن بحصانة متميزة في الدولة تقلدوا من خلالها مناصب قيادية في الحكومة العثمانية في مقدمتها منصب الصدارة العظمى - رئاسة الوزراء - والوزراء، واشتغل بعضهم في السلكين الدبلوماسي والقنصلي كما دخل بعضهم البرلمان.
وكان للأرمن نشاط تجاري واقتصادي في الدولة وكانت الجالية الأرمنية التي تعيش في اسطنبول من أكثر الجاليات نشاطا في العالم.
التدخل الأجنبي:
ـ اذا كان الحال كذلك فلماذا ظهرت هذه الاتهامات؟
ـ المشكلة جاءت بسبب التدخل الأجنبي ومحاولة بعض الدول الأوروبية فرض نفوذها على الأرمن فقد قامت فرنسا بنشر المذهب الكاثوليكي وأرسلت بعثات تنصيرية الى الأرمن بهدف تحويلهم الى المذهب الكاثوليكي ثم بدأت كل من انجلترا والولايات المتحدة ترسل بعثات تنصيرية لنشر المذهب البروتستانتي، وقد اعترض البطريرك الأرمني الأرثوذكسي على هذا التدخل بسبب خروج الآلاف من الأرمن عن سلطانه الروحي والأدبي والمادي.
وحدث صراع ديني ومذهبي بين طوائف الأرمن ثم بدأ الأرمن يتطلعون الى الاستقلال وتكوين دولة مستقلة لهم شرق الأناضول وقاموا بعمليات ارهابية ضد المسلمين من أجل تحقيق هدفهم بجانب تحريض الرأي العام الدولي ضد الدولة العثمانية بجانب استقطاب الدول الأوروبية لصالحهم ونشر الفوضى في القرى والمدن. وقد أنضم الأرمن الى روسيا في حربها ضد العثمانيين التي استمرت منذ عام 1877 الى 1878م مما أدى الى هزيمة الدولة العثمانية كذلك شكل الأرمن تنظيمات وجمعيات خارج وداخل الدولة قامت بعمليات ضد الحكومة العثمانية وضد المواطنين، وارتكبت العديد من المذابح وحاولوا طرد السكان المسلمين من الأناضول وعلى سبيل المثال قام الأرمن في عام 1896م بالاستيلاء على فرع البنك المركزي العثماني وهاجموا مبنى الباب العالي واقتحموا مكتب الصدر الأعظم وهددوا بقتله وأثاروا الذعر في الشوارع وحاولوا اغتيال السلطان عبد الحميد أثناء توجهه لأداء صلاة الجمعة هذا بالاضافة الى أعمال السلب والنهب والقتل مما دفع السلطات العثمانية بالتصدي لتلك الأعمال وفي أعقاب ذلك زعم الأرمن قيام القوات العثمانية بإرتكاب مذابح ضدهم وطالبوا بتدخل الدول الأوروبية فتشكلت لجنة دولية من الدولة العثمانية وبريطانيا وفرنسا وروسيا أكدت في تقريرها أن الأرمن هم الذين اشعلوا الاضطرابات بتحريض أعضاء من الجماعات الارهابية وعملائهم في الخارج وأن عدد القتلي الذي أعلنه الأرمن مبالغ فيه، ومع استمرار الأعمال الارهابية الأرمنية قررت الدولة العثمانية في عام 1915 ترحيل الأرمن من شرقي الأناضول الى العراق والشام.
مطامع:
ـ البعض يرى أن أصوات الأرمن ارتفعت في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وإستقلال أرمينيا التي تدعم التوجيهات الأرمنية مطالبة بفرض عقوبات على تركيا فلماذا تتخذ أرمينيا هذا الموقف العدائي ازاء تركيا؟
ـ نعم هذا صحيح لأن أرمينيا لها مطامع في تركيا ففي عام 1989 طالب برلمان أرمينيا بأراض تقع بين شمال أذربيجان وشمال شرق تركيا وفي عام 1991 جاء على لسان الرئيس الأرمني أنها ستواصل جهودها من أجل الحصول على اعتراف دولي بالمذابح التي ارتكبها العثمانيون في عام 1915، وفي عام 1992 وزعت السفارة الارمينية في لندن خريطة لأرمينيا تتضمن أراضي تقع داخل تركيا.
أسس صوفية:
ـ يشير المؤرخون الى أن الدولة العثمانية قامت على أسس صوفية كيف حدث ذلك؟
ـ مؤسسو الدولة العثمانية كانوا يعيشون - في مقاطعات غرب الأناضول - حياة ايمانية محاطة بالقوة المعنوية من جانب رجال العلم والتصوف الذين كانوا يلازمونهم، وتذكر الروايات أن أرطغرل والد عثمان مؤسس الدولة نزل ضيفا على أحد المتصوفة فقام صاحب البيت بوضع القرآن في مكان مرتفع فلما أراد أرطغرل أن ينام رأى أنه من دواعي الأدب والاحترام للقرآن ألا ينام وقدمه ممدوده فقضى ليلته نائما وهو واقف، أما عثمان فكان شيخا صالحا تقيا، وكان للطرق الصوفية دور بارز في ادارة شئون الدولة وتأسيسها فكان شيوخ الطرق يعملون على نشر الاسلام وإعداد المسلمين للجهاد.وقد تقلد الصوفية مناصب كبيرة في الدولة، ومن أشهر الطرق التي كان لها دور بارز في الدولة العثمانية الطريقة البكتاشية والطريقة الرفاعية والطريقة المولوية. وكان السلاطين العثمانيون مرتبطون بشيوخ الصوفية وبالطرق والتكايا، وكان لأهل التصوف دورهم العظيم في الدفاع عن الاسلام وكان لهم نفوذ على الهيئة الحاكمة في الدولة ورقابة سياساتها، وكان رجال التصوف يشتركون مع الجيش العثماني في فتوحاته وساهموا في تحقيق العديد من الانتصارات، وبصفة عامة كان التوجه الصوفي قاسما مشتركا بين جميع السلاطين العثمانيين فقد عرف عنهم التصوف وحب الصوفية.
ـ أيضا يقول أن الصوفية كان لهم الفضل في انتشار الإسلام في جمهوريات آسيا الوسطى فماذا فعل المتصوفة لتحقيق ذلك؟
يرجع الفضل في تشكيل هوية المسلمين في آسيا الوسطى الى رجال التصوف الذين حملوا على عاتقهم مهمة تبليغ الدعوة الاسلامية الى تلك البقاع، فقد قام المتصوفون الأوائل ببث روح الجهاد من أجل رفع رايه الاسلام وتثبيت دعائم العقيدة الاسلامية في قلوب شعوب هذه المناطق وواجهوا الاستعمار الروسي في مختلف المراحل التاريخية والذي بذل كل جهوده من أجل محو الهوية الاسلامية وهدم الاسلام وإخراجه من تلك الأرض، وقد تجلى فضل هؤلاء المتصوفة الكبار أمثال محمد بهاء الدين نقشبند مؤسس الطريقة النقشبندية التي كان لها دور فعال وتأثير كبير على شعوب آسيا الوسطى،وأحمد اليسوى شيخ الطريقة اليسوية التي امتدت فروعها الى كل مناطق آسيا الوسطى والقوقاز وكذلك الطريقة القادرية والطريقة الكبروية، وقد كان نشاط هذه الطرق ينحصر في تربية المسلم تربية روحية وفكرية وخلق ارادة ايمانية في نفس كل مسلم والارتقاء به الى أعلى مراتب الاسلام وكذلك العمل على تكوين مجتمع اسلامي منظم تنظيما مثاليا.
ومن الثابت تاريخيا أنه ظهر في آسيا الوسطى جنود متصوفة ذهبوا الى تلك البلدان التي لم يكن الاسلام قد وصل اليها بعد واختلطوا بأهلها وعايشوهم ومن خلال ذلك هيأوا تلك البلاد لتقبل الفتح الاسلامي بشكل رسمي وقد حقق أهل التصوف نتائج عظيمة في زمن قصير وكان انتشار الاسلام في هذه البلاد يرجع الى جهودهم في تبليغ الدعوة الاسلامية والدفاع عنها.
الشيوعية:
ـ هل كان للصوفية في آسيا الوسطى دور في مواجهة الشيوعية التي كانت تستهدف طمس الهوية الاسلامية لتلك المناطق؟
ـ لقد وجه الشيوعيون اهتمامهم للقضاء على التصوف وملاحقة الصوفية الكبار وإيداعهم السجون أو التقليل من مكانتهم وهيبتهم لدى المسلمين وأجبروا مفتى آسيا الوسطى في عام 1959 على اصدار فتوى تؤكد أن التصوف تيار دخيل على الاسلام. كما أجبروا كل من مفتي شمال القوقاز وداغستان على اصدار فتوى تحرم الدعاء في أضرحة المتصوفين وأغلق الشيوعيون أضرحة الأولياء، وحولوا بعضها الى متاحف وبعضها الآخر وضع تحت حماية الدولة، لكن هذه الاجراءات أدت الى انتعاش التصوف وزيادة عدد المنتسبين اليه، وقام أتباع الطرق بدور كبير في التعليم الاسلامي وتنشئة الصغار تنشئة اسلامية وتعليمهم مبادئ القرآن وكان الشيوعيون يؤمنون أن النصرانية لا تشكل خطرا على النظام السوفيبتي بعكس الاسلام الذي كانوا يقولون عنه أنه دين لا يتفق مع الشيوعية، وقد ظهرت حركات مقاومة عنيفة من الصوفيين ضد الشيوعيين من أشهر رجالها الشيخ درويش منصور والغازي محمد الكمراوي اللذان قادا نضالا ضد الروس استمر ست سنوات وكذلك المجاهد الاسلامي الشيخ شامل المعروف بأسد القوقاز وصقر الجبال الذي قاد حركة الجهاد العنيفة ضد القوات الروسية واقتحم الحصون الروسية مما دفع الروس الى حشد جيش قوامه 400 ألف مقاتل لمواجهة الشيخ شامل ورجاله، وقد استمر هذا الكفاح طوال عشر سنوات كاملة وقد سبق انهيار الاتحاد السوفييتي حركات مقاومة اسلامية شديدة ضد الشيوعية.

المصدر: موقع جريدة البيان
http://www.albayan.co.ae/albayan/2001/12/02/mnw/8.htm
الاحد 17 رمضان 1422 هـ الموافق 2 ديسمبر 2001

 

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية