ندوة صوفية في المعهد الفرنسي
المستشرق الفرنسي د/ ايريك جوفر :
الصوفية تطهير للنفس والفكر والطريق إلى الله
تابع الندوة: صلاح طـه
بداية يقدم المستشرق الفرنسي د. إيريك اعتذاره لمن يعرفون التصوف جيدا عندما يحاول أمامه شرح أو وصف بعض المعانى العميقة لآيات القرآن الكريم أونصوص الأحاديث أو روح ومعانى منهج التصوف وما يحتويه من دلائل وأسرار من شأنها أن تسمو بالنفس وتطهرها وتزكيها ولأننى أركز على جمهور لا يعلم جيدا التصوف بل يسعى ويتشوق إلى المعرفة ومعظمهم من الفرنسيين والافت لنظر وجود شباب وفتيات من الفرنسيين لديهم الرغبة في معرفة المزيد عن الاسلام والتصوف كفكر ومنهج وعبادة وسلوك وعقيدةوطريقة فهناك من يرى التصوف كطريقة تشبة الطرق الدينية اليهودية وأن التصوف والمتصوفين ساروا على درب الرهبنة والكهان في الديانة السابقة للإسلام وهى الديانة اليهودية أوأنها طريقة دينية تتشابة مع بعض الطرق الدينية المسيحية واليهودية بصرف النظر عن دعوتها وسماتها وما تحماه من دعوة وسيرة ومعان تعبر عن روح الاسلام. أضاف أيضا هناك من يرى أن الصوفية هى قلب الاسلام كفر ومنهج يدعو ألى رقى النفس وصفاع القلب وتأهيلها إلى أسمى مكان وبذلك تستقيم جوارحه وسلوكياته.
مبادئ الصوفية
ويقول عن مبادئ التصوف أن هناك مبادئ تاريخية تضرب في جذور الصوفية منها النظرة ألى العلم فالعلم عند الصوفية هو الحق وهذا العلم لا يقف عند الظاهر وهذا هو الاتجاه الأول للتصوف وهناك العديد من آيات القرآن الكريم التى تدل على هذا المنهج والأحاديث النبوية ايضا فضلا عن أن أحد أسماء الله الحسنى ال 99 هو الظاهر والباطن كذلك هناك آيات من القرآن تتحدث عن الآيات الكونية وعن صفات الانسان وعن الحياة والممات والآخرة وغيرها وكل هذه الشواهد تدعو الانسان إلى الفكر والتفكر فهذا المبدأ يراه البعض أنه يخرج عن الشريعة الإسلامية برغم من أنه من أساسيات القرآن الكريم في دعوته إلى التدقيق والنظر والتدبر والتفكر في خلق السماوات والأرض وما تحتويه من أسرار بل وفي داخل النفس البشرية ومن ذلك يقول تعالى في سورة الحديد الآية رقم (3) "هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم" فهو يعرف نفسه وهو الخالق بالظاهر والباطن إذا العالم الذى خلقه ايضا له صفة خارجية حسية ملموسة وأخرى خفية بل أن الرسول
ويضيف الكاتب الفرنسى د. إيريك جوفرأن الصوفية ترتكز في نهجها على القرآن والسنة فهناك من لا يعرف ذلك بصرف النظر عن كونها تعتمد على بعض الأمور الغيبية وحجتهم في ذلك لم تأت من فراغ فهناك في سورة الكهف والتى ذكرت بعض الأمور الغيبية على سبيل المثال هناك كائن غامض وهو سيدنا الخضر
الصوفية وعلم اليقين
يتحدث الصوفيون بطريقة ثلاثية المراحل في موضوع اليقين وهى كلمة هامة تأتى نتيجة ثمرة التفكر والتأمل والمشاهدة فهناك أيات عديدة ذكرت علم اليقين فمثلا في سورة التكاثر "كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون" وقد تكررت لجذب الانتباه في التفكير في هذا العلم ثم قال
فهناك مصدر اليقين وحق اليقين وواقع اليقين.
فإذا هناك علم غيبى يقف حائلا بين الذين ينظرون إليه والمنظور إليه ولكن حقيقة علم التصوف تتحقق بالاجتهاد والاخلاص في العبادة والتقرب إلى تطهير النفس ومجاهدة النفس والإحسان أو كما ذكرنا العلم اللدنى (وعلمناه من لدنا علما) الكهف هذا في القرآن.
أما عن السنة فقد ذكرت حديثا عن الغيب وهو حديث يعرفه الكثير من المسلمين وهو عندما نزل الملك جبريل في صورة إنسان ودخل على النبى محمد وأصحابه في جلسة علم وطلب من الرسول أن يجيبه عن بعض أمور الدين الظاهرية والغيبية مثل ما هو الإسلام وكيف نصلى وكيف نصوم وهى أمور خاصة بالعبادات والرسول يجيب جبريل عن هذه الأشياء المنظورة والظاهرية وعندما سأله عن الإحسان وهى أفضل المراتب في العبادة فقال له أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تراه فإنه يراك ثم جاء بالأمر الأخير وهو علم الغيب وهو العلم الوحيد الذى لا يعلمه إلا الخالق سبحانه وتعالى وهو عندما سأله متى الساعة فقال علمها عند الله وهو ما يدل على أن هناك خطا أحمر في هذا المجال لا يستطيع أحد أن يتعداه أو يتجاوزه أما مرحلة اليقين فمطلوب من كل واحد مسلمين أن يسعى لها ويؤمن بها وهى أننا نرى الله باليقين وهى ما يتحدث عنها الصوفية وهى ثلاث مراحل إسلام وإيمان وإحسان ويقين.
وهنا فإن لكل المخلوقات قوانينها وشريعتها الإنسان والطير والحيوان والنبات وكل منها له طريقته وحقيقته وكل إنسان له شريعته الخاصة وهذه الكلمة (الشريعة) تحولت عن طريق الفقهاء للوصول إلى الحقيقة الواقعية وهذه الشريعة مثل الطريق الذى يسير فيه كل المؤمنين ولكن هناك طرقا لبعض الأفراد لديهم استعداد وطبيعة ورغبة خاصة واجتهاد في الاستزادة من العلم والتقرب إلى الله.
هل الصوفية علم هامشى ؟
ويتحدث الكاتب الفرنسى د. إيريك عن مكانة التصوف في الثقافة الإسلامية ويقول إن علم الصوفية ليس علما هامشيا كما يرى البعض فهناك أقطاب الصوفية يرون أن التصوف ما هو إلا حب وصفاء وأخلاق فالتصوف هو الخلق فما زاد عنك فى التصوف فقد زاد عنك في الخلق فالتصوف قادر على تربية الإنسان والفرد ومن ثم المجتمع والأمة ودعم القوة الروحية والتربوية والإيمانية للمسلمين في جميع جوانب الحياة ومن هؤلاء العلماء ابن الربيع ومحيى الدين بن عربى الذى كان له دور مع أتباعه في الحروب الصليبية في فترة الناصر صلاح الدين الأيوبي والسيد البدوى من بلاد المغرب وأحمد الرفاعى وعبد القادر الجيلانى وأبو الحسن الشاذلى من بلاد الأندلس وإبراهيم الدسوقى وابن المبارك وهؤلاء من أئمة الصوفية .
فنظرة هؤلاء للعلم أن يتخذوا كل شئ عن البعد الداخلى الذى يتحدث عن تعليم الإسلام ويؤثرون أن يبرزوا أسرار القرآن وآياته ومعجزاته وهذا نهج واضح أخذه الكثير من أساتذة التصوف وشيوخهم وأئمتهم يحاولون أن ينيروا قواعد الإسلام فهم يرفضون أن تكون تعاليم الإسلام مثل الصناديق ولكن كل ركن في شريعة الإسلام عند المتصوفين له مكانه عندهم وفكر بداية من فكرة التوحيد لا إله إلا الله فهم يرون أن اله واحد وكل شئ فيما سواه سبحانه متعدد وهذا يتطلب البحث عن المعنى والتفسير والاجتهاد لمعرفة هذه الأشياء ومن أبرز علماء الصوفية ابن خلدون وهو صاحب علم الاجتماع الحديث الذى عاش عام 1908 هـ تعلم الشريعة وادمج علم الاجتماع مع العلوم الإسلامية.
فالصوفية علم عقلانى بل هناك من علماء الصوفية من تولى القضاء وكان يلقى بالخطب على الفقهاء ويعلمهم الشرائع الإسلامية. وتفسير قوانين القرآن الكريم وهو ما أثر في الثقافة الإسلامية فالصوفى يهتم بكل العلوم ولكنه يركز بصورة أكثر على علم الأحوال أو علم القلوب أو علم الباطن فى مقابل العلم الظاهر ويسعى للوصول إلى الطهارة الداخلية التى تصل به إلى العلم اللدنى الذى ذكر فى سورة الكهف وناله سيدنا الخضر كما ذكرنا سالفا مقابل العلم الملموس ومن أبرز علماء الصوفية أيضا الشيخ محمد الغزالى . تعلم نظرية المكاشفة وهى نظرية يمكن إثباتها ويمكن أن نقول أنه علم الفقهاء الذى لم يعره الكثير فهذا المجال الدقيق لا يفقهه الكثير بل يدينونه رغم أن هناك نموذجا له في القرآن وفي السنة المحمدية ولكن لم يستوعبه البعض حتى الآن .
المستشرقون والفصل بين الصوفية والإسلام
حاول بعض المستشرقون الفصل بين الطرق الصوفية والإسلام بل حاولوا تشبيه الصوفية بأنها صورة تأثرت بالثقافة الدينية المسيحية أو البوذية أو اليونانية وهذا غير صحيح فهناك ابن العربى وهو قطب صوفى تغذى من القرآن والسنة النبوية وهناك دراسات صوفية عديدة تحدد طريق المتصوف وتفسر المقامات الروحية التى تحقق طهارة النفس والذات وتفتح كل مقامات الإيمان فهناك بعض المفاهيم الإسلامية والقواعد الأساسية فى النهج الصوفى على سبيل المثال:
التوبة هى طريق إلى الله
السنة والصوفية
السنة هى محاكاة كل ما كان يفعله الرسول
أخلاقيات الصوفى
ويتحدث في النقطة الأخيرة من هذه المحاضرة الكاتب الفرنسى د. إيريك عن بعض صفات المتصوف وخطواته الروحية وهى خطى قرآنية وأولها الزهد والتخلى عن الأمور المادية وقد يفهمها البعض على أنها عدم التمتع بمباهج الحياة والابتعاد عن الدنيا ونعم الخالق
وأخيرا فإن التصوف حسب وصف الكاتب الفرنسى هو كل إنسان استطاع أن يصل بنفسه إلى درجة من الصفاء والنقاء والشفافية في الحب والبعد عن كراهية الآخر فالصفاء الداخلى هو أهم ما يوصف به المتصوف وهناك حديث مهم للرسول
المصدر: مجلة التصوف الاسلامي










