الصوفية
الصوفية طريق إلى الله
الغزالي بوجهِهِ الحَقيقي - تيسير شيخ الأرض

1-‏ يعد الغزالي من أعلام الفكر العربي في الإسلام، الذين ما زال الجدل والحجاج يدوران حولهم، في محاولة لإظهار حقيقتهم. ونحن نريد من هذا المقال، أن نرى الوجه الحقيقي للغزالي، من خلال أزمته الروحية، أزمة الشك واليقين، التي مر بها.‏
لقد سبق لنا أن عرضنا لقيمة العقل عنده(1)، وخرجنا بنتيجة رأينا فيها، أن الغزالي كان متكلماً استخدم أساليب الفلسفة، في سبيل أن يحارب الفلاسفة بنوع السلاح الذي يستعملونه. ونريد ههنا أن نفحص عن الرأي الذي يقول: إن الغزالي انتهى متصوفاً.‏
والحقيقة، إن الغزالي درس العقائد التي كانت منتشرة في عصره، عساه يجد الحق الذي كان يبحث عنه. وبهذا الصدد يقول: "ولما شفاني الله من هذا المرض، بفضله وسعة جوده، انحصرت أصناف الطالبين عندي في أربع فرق: المتكلمون... الباطنية... الفلاسفة... الصوفية...(2)".‏
ثم يعقب على ذلك قائلاً: "فقلت في نفسي: الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة، فهؤلاء هم السالكون سبل طلب الحق، فإن شذ الحق عنهم، فلا يبقى في درك الحق مطمع، إذ لا مطمع في الرجوع إلى التقليد بعد مفارقته(3).‏
ولكن،هل بر الغزالي بوعده، فلم يرجع إلى التقليد بعد مفارقته؟
هذا ما نريد الإجابة عنه في هذا المقال.
ولكي نتمكن من الإجابة، لا بد لنا من الفحص عن ذلك في كتبه. وهنا تصادفنا مشكلتان لا بد لنا من أن نأخذهما مأخذ الاعتبار، إذا شئنا أن نكون منهجيين في بحثنا. أولاهما مسألة التفريق بين كتبه الموثوقة والمنحولة، وثانيتهما مسألة ترتيب كتبه الموثوقة تاريخياً. فمن دون ذلك، تكون النتيجة التي نصل إليها غير مقبولة.‏
*
أما من الناحية الأولى، فيمكننا أن نقول: إن الكتب التي اعتمدنا عليها جميعاً قد أجمع الدارسون على صحة نسبتها إلى الغزالي، ما عدا "معارج القدس". وبهذا الصدد، يقول الدكتور بدوي: "ولم يذكره أحد ممن ترجموا للغزالي حتى المرتضى، كما أنه لا يشير إلى أي كتاب من كتبه.
ومن هنا ثار الشك حول صحة نسبته إليه، وإن كان ما ورد فيه لا يخالف في شيء ما ورد في سائر كتب الغزالي(4)".‏
ولكن، هل يكفي هذا السبب للتشكيك في نسبة الكتاب إلى الغزالي؟ إننا لا نعتقد ذلك. وهذا ما لاحظه آسين بلاثيوس من قبل(5). وقد عقب الدكتور بدوي على ذلك قائلاً: "والعجيب أن مونتجمري وت ("صحة كتب الغزالي" ص30) ينكر صحة نسبته إلى الغزالي، معترفاً في الوقت ذاته، بأنه لم يقرأ الكتاب، وإنما قرأ وصف آسين له(6)".‏
لهذا، لا بد من اعتباره من كتب الغزالي، وسنرى أن له ارتباطاً- من حيث المضمون- بكتاب "مشكاة الأنوار"، وهو في رأي جميع الدارسين صحيح النسبة إلى الغزالي.‏
وأما من الناحية الأخرى، فقد استوقفنا مسألة السبق الزمني بين "مشكاة الأنوار" و "المنقذ من الضلال"، ووجدنا أن حلها من شأنه أن يكشف عن وجه الغزالي الحقيقي.‏
والحقيقة، أن الاعتقاد بأن "المنقذ" أتى متأخراً عن "المشكاة" يعني عودة الغزالي إلى التقليد، وإلى أنه انتهى متكلماً، في حين أن الاعتقاد بأن "المشكاة" هي التي أتت متأخرة، يعني أن الغزالي جاوز التقليد، وانتهى متصوفاً.‏ ولكي نحل هذا الإشكال، كان لا بد لنا من العودة إلى الباحثين الذين تعرضوا لمسألة ترتيب كتب الغزالي. وقد أشار إليهم الدكتور بدوي في كتابه، قبل أن يرتب هو ذاته هذه الكتب.
أما ماسينيون فيجعل تاريخ تأليف "المشكاة" و "المنقذ" في المرحلة الأخيرة من حياة الغزالي (من سنة 495-505)(7). ولكنه يضع "المشكاة" قبل "المنقذ" ترتيباً. ويعلق الدكتور بدوي عليه قائلاً: "بيد أن الأستاذ ماسينيون لم يفصل القول في هذه اللوحة ولم يبررها، كما أنه حشد المؤلفات حشداً في الفترة الأخيرة(8)".‏
وأما مونتجمري وت فيضع "المنقذ" و "المشكاة" في الفترة الرابعة: فترة الذوق لكنه يضع "المنقذ" قبل "المشكاة" ترتيباً(9).‏ في حين أن جورج حوراني اكتفى بتقديم ترتيب لكتب الغزالي، من دون أن يحدد فترات، فوضع "المشكاة" بترتيب (بعد 10حـ)، ووضع "المنقذ" بترتيب(15) آ.‏
لكن الأب موريس بويج وضع "المشكاة" في الفترة الثالثة: فترة الخلوة والانقطاع (سنة 488-سنة 499)، وأعطاه الترتيب 52، ووضع "المنقذ" في الفترة الرابعة: الفترة الثانية من التعليم (سنة 499-سنة 503)، وأعطاه الترتيب 56.‏
ومن يطلع على ترتيب الكتب صحيحة النسبة إلى الغزالي، في نظر الدكتور بدوي، يجد أنه أعطى "المشكاة" الترتيب 52، وأعطى "المنقذ" الترتيب 56.
ومع ذلك، فقد زعم مونتجمري وت في بحث بمؤتمر المستشرقين... في باريس، سنة 1948، أن الفصل الثالث من "مشكاة الأنوار" (" في معنى قوله أن لله سبعين حجاباً من نور وظلمة لو كشفت لأحرقت سبحات وجهه كل من أدركه بصره"... زعم أن هذا الثالث منحول ومقحم على النص الأصلي لمشكاة الأنوار، بدعوى أن "فصل الحجب" هذا، على حد تعبيره "هو ذو نزعة أفلاطونية محدثة... بينما الغزالي لم يتنصل في أي موضوع آخر- صراحة أو تضميناً- من النقد الذي وجهه إلى الأفلاطونية المحدثة في كتاب "التهافت"، وإن كان قد اقترب منها من عدة نواح(10)".‏
ويعقب الدكتور بدوي على هذا الكلام قائلاً: "وقد رددت عليه بعد إلقائه بحثه في مؤتمر المستشرقين، فقلت له أنه توجد نسخة مخطوطة من كتاب "مشكاة الأنوار" في المجموعة رقم 1712 بمكتبة شهيد علي باشا باستنبول، وهذا المجموع تاريخ كتابته سنة تسع وخمسمائة بخط وملك عبد المجيد بن الفضل الفزاري الطبري، ومنه صورة شمسية في دار الكتب المصرية برقم 3662 تصوف، أي بعد وفاة الغزالي بأربع سنوات، وفيه الفصل الثالث هذا. وهذه حجة قاطعة تقضي على دعواه، إذ لا سبيل إلى الشك في صحة تاريخ هذه المخطوطة فضلاً عن أن جميع الفلاسفة المسلمين تأثروا بالأفلاطونية المحدثة، سواءاً علموا ذلك أم لم يعلموه، ولا حاجة بعد هذا إلى تدليل آخر مأخوذ من مضمون هذا الفصل، فضلاً عن أن الغزالي نفسه أشار إلى هذا الفصل في مقدمة "المشكاة"(11).‏
أما وقد ثبتت صحة نسبة كتاب "المشكاة" كاملاً إلى الغزالي، فيجدر بنا أن نعيد النظر في ترتيبه بالنسبة إلى "المنقذ". وفي هذه الحال، نجد أن غالبية الدارسين وضعوا "المنقذ" بعد "المشكاة"، وأن من خالفوا ذلك، وصفوهما في فترة واحدة، تارة بتقديم "المنقذ" وأخرى بتقديم "المشكاة" ترتيباً. وهذا يجعلنا نميل إلى جعل "المنقذ" متأخراً عن "المشكاة"، ويهبنا الحق في أن نرى ما ورد فيه معبراً عن رأي الغزالي النهائي.
2-
‏ يمكننا أن نعد مسألة الشك واليقين هي المسألة الأساسية في أزمة الغزالي الروحية، وأن نرى في الوجه الذي حلها الغزالي عليه، الوجه الحقيقي للغزالي.وهنا نجد نوعاً من الشك، مخالفاً لشك الريبيين اليونانيين، انتهى صاحبه منه، بإحلال النقل محل العقل، وجعل الله مرجع الحقيقة بدلاً من الإنسان.‏
والحقيقة فقد كان شك الغزالي دينياً في جوهره، لأن أزمة الشك لديه كانت أزمة دينية خالصة: لقد كانت الحالة النفسية التي صدر عنها شكه، والتي ارتد إليها يقينه. أما شكه بالمحسوسات والمعقولات، ثم يقينه بالمعقولات فالمحسوسات، فلم يكونا الأذيلين نظريين ملحقين بالأزمة الدينية التي عاناها، والتي سيطرت على مجامع نفسه(12).‏
لقد انطلق الغزالي –شأنه شأن كل إنسان-من اليقين، فكان الشك مرحلة متوسطة بين يقينين. بيد أن هناك فرقاً بين يقينه الفطري الذي سبق شكه، ويقينه الفكري الذي وصل إليه، بعد أزمة الشك الحادة التي انتابته. لهذا كان لا بد لنا من التطرق إلى أزمته الروحية التي توسطت بين اليقينين، لكي نعرف حقيقة شكه وحقيقة يقينه. أما أزمة الشك لديه، فقد مرت بثلاث مراحل، الشك بالتقاليد والعقائد الموروثة، والشك بالمحسوسات، ثم الشك بالمعقولات، في حين أن اليقين ارتد إليه ابتداء من المعقولات، التي عادت إليه مقبولة موثوقاً بها، على أمن ويقين، دون نظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله في الصدر(13).‏
هذا ما يبدو لنا من دراسة "المنقذ".‏
ولكن هذا الكتاب لا يروي لنا القصة بأكملها، فهناك فصل هام نجده في "المشكاة"، وفيه يبدو لنا أن يقينه ارتد إليه، في أثناء تجربته الصوفية، التي أوصلته إلى وحدة الوجود، وهو اليقين الذي انتهى إليه شكه. إن هذا الفصل يعد –في رأينا- الفصل الأخير لحكاية الشك، وخاتمة القصة. ولكن الغزالي –وهو المسلم أولاً، وحجة الإسلام ثانياً- راعه أن ينتهي إلى هذه النتيجة، فحذف الخاتمة الحقيقية، واستبدل بها الخاتمة المعروفة: النور الذي قذفه الله في الصدر.‏
وهذا ما سيتضح لنا في غضون دراستنا هذه لشك الغزالي ويقينه، الذي شاءه أن يكون يقيناً مرتبطاً بالشرع!‏
والحقيقة، إن نظرة نلقيها على "المنقذ"، تبين لنا أن شك الغزالي بدأ حينما أخذ ينظر في آراء الناس في الأديان والملل. يقول: "إن اختلاف الخلق في الأديان والملل، ثم اختلاف الأمة في المذاهب، على كثرة الفرق، وتباين الطرق، بحر عميق غرق فيه الأكثرون، وما نجا منه إلا الأقلون، وكل فريق يزعم أنه الناجي، وكل حزب بما لديهم فرحون(14)".
وهكذا يصف لنا كيف غرق الناس في بحار الأديان والملل والفرق والمذاهب والطرق ثم ينتقل ليصف لنا حاله هو ذاته، فيقول:‏
"
ولم أزل في عنفوان شبابي، منذ راهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين إلى الآن، وقد أنافت السن على الخمسين، أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوض الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل ظلمة، وأتهجم على كل مشكلة، وأقتحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة، لأميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع، لا أغادر باطنياً إلا وأحب أن أطلع على بطانته، ولا ظاهرياً إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته، ولا فلسفياً إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلماً إلا واجتهد في الإطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفياً إلا وأحرص على العثور على سر صفوته، ولا متعبداً إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقاً معطلاً إلا وأتجسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته(15).‏
ومن هذا الكلام، يتضح أن بداية شك الغزالي كانت من اختلاف الناس في أديانهم ومذاهبهم ومللهم، وما أدى إليه من مواقف متباينة اتخذوها تجاه هذه الأديان والمذاهب والملل. والشك من هذه الناحية شك بالعقائد الموروثة. وهذا يتطلب السؤال عن حقيقة هذه العقائد والعلوم، لمعرفة الأساس الذي تستند إليه. وبهذا الصدد يقول الغزالي:‏
"
وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني، من أول أمري وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله، وضعاً في جبلتي، لا باختياري وحيلتي، حتى انحلت عني رابطة التقليد، وانكسرت عليَّ العقائد الموروثة، على قرب عهد الصبا... فتحرك باطني إلى طلب حقيقة الفطرة الأصلية، وحقيقة العقائد العارضة، بتقليد الوالدين والأستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات، وأوائلها تلقينات، وفي تمييز الحق منها عن الباطل اختلافات(16)".‏
وهكذا فقد ثقته بالعقائد والعلوم الموروثة التي لقنه إياها الوالدون والأستاذون.‏وهذا ما دفعه إلى طلب حقيقة العلم، فظهر له أن "العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه العلم انكشافاً لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم(17)".‏ وبهذا عرف معيار صدق العلم، فأخذ في تطبيقه على علومه. يقول: "ثم فتشت عن علومي، فوجدت نفسي عاطلاً من علم موصوف بهذه الصفة، إلا في الحسيات والضروريات. فقلت: ا لآن بعد حصول اليأس، لا مطمع في اقتباس المشكلات إلا من الجليات، وهي الحسيات والضروريات(18)".
وهكذا نبذ عقائده وعلومه التي ورثها عن آبائه وأستاذيه، وأخذ في رد كل يقين إلى ما هو حسي وضروري. ولكنه لم يقف عند هذا الحد، فالشك ما لبث أن تناول حواسه. يقول "من أين الثقة بالمحسوسات، وأقواها حاسة البصر، وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفاً غير متحرك، وتحكم بنفي الحركة؟ ثم بالتجربة والمشاهدة، بعد ساعة، تعرف أنه متحرك، وأنه لم يتحرك دفعة واحدة بغتة، بل على التدريج ذرة ذرة، حتى لم يكن له حالة وقوف. وتنظر إلى الكوكب فتراه صغيراً في مقدار دينار، ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار(19)".‏ وفضلاً عن ذلك، فهذا ليس من شأن حاسة البصر وحدها، بل شأن الحواس الأخرى أيضاً. فهل يكون العقل هو ملاذ اليقين؟ يقول الغزالي: "هذا وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس بأحكامه، ويكذبه حاكم العقل ويخونه تكذيباً لا سبيل إلى مدافعته. فقلت: قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضاً، فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي هي من الأوليات؟‏
كقولنا: العشرة أكثر من الثلاثة، والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد، والشيء الواحد لا يكون حادثاً قديماً، موجوداً معدوماً، واجباً محالاً(20)".‏
وهكذا وضع الغزالي المحسوسات تحت وصاية العقل، وجعل محك كل حقيقة مبدأ عدم التناقض. ولكن هذا كان فترة عابرة، سرعان ما انقضت، مخلفة الشك بالعقل ذاته، وهنا يتخيل الغزالي حواراً بينه وبين المحسوسات، تخاطبه فيه قائلة: "بم تأمن أن لا تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بي؟ ألم تكن ثقتك بي عمياء، حتى أتى حاكم العقل فكذبني، ولولاه لكنت تستمر على تصديقي؟ ألا يمكن أن يكون وراء حاكم العقل حاكم آخر، إذا تجلى لك، كذب العقل في كل حكم من أحكامه، كما تجلى حاكم العقل نفسه، فكذبني أيما تكذيب؟!‏
وعدم تجلي ذلك الحاكم الجديد لا يدل على استحالة وجوده!(21)".‏
ويبقى الغزالي على هذه الحال في يقظته، وينام ليلته، وهو لا يجد مخرجاً له من هذا المنطق. ويؤيد المنام هذا الإشكال، فإن نفس الغزالي تقول له: "أما تراك تعتقد في النوم أموراً، وتتخيل أحوالاً، وتعتقد لها ثباتاً واستقراراً، ولا تشك في تلك الحالة ما دمت فيها، ثم تستيقظ، فتعلم أنه لم يكن لجميع متخيلاتك واعتقاداتك أصل وطائل؟ فبم تأمن أن جميع ما تعتقده في يقظتك، بحس أو عقل، هو حق بالإضافة إلى حالتك التي أنت فيها، لكن، يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك، كنسبة يقظتك إلى منامك، وتكون يقظتك نوماً بالنسبة إليها!‏فإذا أوردت تلك الحالة، تيقنت أن جميع ما توهمت بعقلك خيالات لا حاصل لها(22)".‏
وهكذا وصل الغزالي إلى خاتمة مطافه في شكه: لقد أصبح العقل –وهو الذي كان يعتقد فيه أنه أساس كل يقين- هو ذاته موضع شك.
3-
‏ أصبح الغزالي يعيش في ظلمة حالكة، لكن النور سرعان ما انبجس من نقطة من هذه الظلمة، وأخذ ينتشر شيئاً فشيئاً، حتى عم كل شيء. يقول الغزالي واصفاً حاله: "... فأعضل هذا الداء، ودام قريباً من شهرين، أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال، حتى شفى الله من ذلك المرض، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضرورات العقلية مقبولة موثوقاً بها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله في الصدر(23)".‏
وهكذا عادت الثقة إلى المعقولات! أما وقد عادت، فلا بأس أن يمتد نور اليقين إلى المحسوسات والموروثات، إذ أن هذا النور هو مفتاح أكثر المعارف(24)، وإذن، فالضرورات العقلية هي مفتاح العلوم غير الضرورية. يقول الغزالي: "إن العلوم التي ليست ضرورية إنما تحصل في القلب في بعض الأحوال، يختلف في حال حصولها، فتارة تهجم على القلب، كأنه ألقي فيه من حيث لا يدري، وتارة تكتسب بدليل الاستدلال والتعلم(25)".‏
ولكن العلوم الضرورية هي أوليات العقل عند الغزالي. وهذا يعني، أن العلوم غير الضرورية هي –كما يسميها- الإلهام والاعتبار أو الاستبصار. والإلهام له صورتان: النفث في الروع، ويختص به الأولياء والأصفياء، والوحي ويختص به الأنبياء. أما الاستبصار الذي يكتسب بطريق الاستدلال، فيختص به العلماء(26).‏
بيد أن الاستدلال إذا كان من العلوم غير الضرورية، فهو يستند إلى أوليات العقل التي هي العلوم الضرورية. وهذا يعني، أن المعرفة التي هي نتيجة الاستدلال، تصبح ضرورية، بمجرد اعتمادها على أوليات العقل الضرورية. فلنتكلم عليهما، بادئين بالمحسوسات. والحقيقة.‏
إذا كان النور الذي قذفه الله في الصدر، هو مفتاح أكثر المعارف، فلا بد إذن من أن تكون معرفتنا بأن الكوكب أكبر من الأرض في المقدار، مع أن حاسة البصر ترينا إياه في مقدار دينار، إنما ترجع إلى العقل ذاته.‏
أليست الأدلة الهندسية التي نستخدمها في هذا السبيل، أدلة عقلية مائة بالمائة؟‏ وكذلك معرفتنا بأن الظل متحرك، على الرغم مما نراه من ثباته بحاسة البصر، إنما ترجع إلى العقل نفسه. أليس الاستدلال الذي اعتمدنا عليه، في الموازنة بين وضع الظل في فترتين متباعدتين، عملاً عقلياً خالصاً؟ وهكذا نجد أن العقل نفسه، لا بد له وقد استعاد ثقته بذاته، من أن يمنح يقينه إلى المحسوسات، فتصبح هي الأخرى، مقبولة موثوقاً بها، على أمن ويقين.
ولكن الغزالي قال: "وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف"، ولم يقل: "وذلك النور هو مفتاح كل المعارف". وهذا يعني، أن هناك معارف ليس العقل مفتاحاً لها. فكيف يمكن رد الثقة إليها؟‏ إذا رجعنا إلى تقسيم العلوم غير الضرورية، وجدنا أن الغزالي قسمها قسمين: علوم تهجم على القلب، وأخرى تكتسب بالاستدلال والتعلم، وأنه ما لبث أن أضاف إلى ذلك قوله: "ثم إن الواقع في القلب بغير حيلة و تعلم واجتهاد من العبد، ينقسم إلى ما لا يدري العبد أنه من أين حصل له؟ وكيف حصل؟ وإلى ما يطلع معه على السبب الذي استفاد منه ذلك العلم، وهو مشاهدة الملك الملقى في القلب، والأول يسمى إلهاماً ونفثاً في الروع، والثاني يسمى وحياً ويختص به الأنبياء، والأول يختص به الأولياء والأصفياء(27)".‏
وإذن، فهناك حقائق تهجم على القلب، وهي إما أن يختص بها الأنبياء وهي نتيجة الوحي، أو يختص بها الأولياء والأصفياء، وهي نتيجة الهام ونفث في الروع. إن هذه الحقائق التي يبشر بها الأنبياء أو الأولياء والأصفياء، تنتشر بطريق النقل. ولكن الغزالي قال لنا من قبل: "وتارة تكتسب بطريق الاستدلال والتعلم". ونحن نعلم أن طريق الاستدلال هو طريق العقل، وأن طريق التعلم هو طريق النقل. ولا أصدق على هذا من قول الغزالي نفسه، فيما بعد ذلك بقليل:‏"والذي قبله وهو المكتسب بطريق الاستدلال، يختص به العلماء(28)".‏
ومن هذا وذاك، نستطيع أن نستنتج، أن العلوم غير الضرورية، والتقاليد والعقائد الموروثة جزء منها، تحتاج إلى العقل والنقل معاً، حتى يتاح للمرء الثقة بها، والاطمئنان إليها. ولكن، ما حقيقة العقل لدى الغزالي؟
وهل هو ملكة مستقلة قائمة بذاتها؟‏
قبل الإجابة، دعونا نفحص عن حقيقة شك الغزالي، فلعل معرفة حقيقة هذا الشك، ترسم لنا طريق فهم حقيقة العقل لديه!.
4-
‏إذا تأملنا ما قدمناه، وجدنا أن شك الغزالي يبدو عقلياً في الوهلة الأولى، فيدفع الناظر فيه، إلى الاعتقاد بأن اليقين الذي تلاه كان مصطنعاً وعجيباً! وأنه لكذلك، إذا نظرنا إليه بمنظار العقل. ولكن أليس هناك منظار آخر غير منظار العقل، ننظر به إلى هذا اليقين، بحيث يبدو طبيعياً ومقبولاً؟‏ إذا رجعنا إلى أقوال الغزالي، بعد أن وصل إلى الشك في المعقولات، وجدناه يؤيد هذا الظن، إذ يقول: "فإذا ما وردت تلك الحالة، تيقنت أن جميع ما توهمت بعقلك خيالات لا حاصل لها، ولعل تلك الحالة ما يدعيه الصوفية، أنها حالتهم: إذ يزعمون أنهم يشاهدون أحوالهم التي لهم، إذا غاصوا في أنفسهم، وغابوا عن حواسهم، أحوالاً لا توافق هذه المعقولات. ولعل تلك الحالة هي الموت... فلعل الحياة الدنيا نوم بالإضافة إلى الآخرة. فإذا مات ظهرت له الأشياء على خلاف ما يشاهده الآن(29).‏
ومن هذا الكلام نرى، أن الغزالي يعد الحالة الصوفية أعلى مقاماً من الحالة العقلية. ولكن صيغة الكلام تدعو إلى التشكيك في ما نذهب إليه، فهو يستعمل صيغة الترجيح: لعل، ويقول عن هذه الحالة، أن الصوفية يدعونها، وأنهم يزعمون، وهكذا... ومع ذلك، فهذا رأي الغزالي، فهو يقول عن الصوفية، بعد عزلته وخلوته: "ودمت على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشفت لي في هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به: أني علمت يقيناً، أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً.‏
فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به(20).‏
وهذا يعني، أن شك الغزالي وليد حالة صوفية، لا وليد حالة عقلية. وإذا كان الأمر كذلك، فهل من عجب في أمر الغزالي، وقد انتهى إلى شك بالمعقولات، أن تعود إليه مقبولة موثوقاً بها، على أمن ويقين، بنور قذفه الله في الصدر؟!‏
بيد أن الغزالي نعت شكه بالمرض، ويقينه بالصحة والاعتدال، حينما قال: "فاعضل هذا الداء... حتى شفى الله من ذلك المرض...". فما معنى ذلك؟.‏
إن الغزالي يجد فيه معنى دينياً، فهو مريض وطبيبه الله، لهذا رأيناه يتكلم عن حالة أعلى من حالة العقل، هي حالة الصوفية، التي هي شبيهة بالنبوة.‏
وهنا يمكننا أن نتساءل: أليست العقيدة الدينية هي التي جعلت الغزالي يتصور الحل بالرجوع إلى حالة شبيهة بالنبوة؟ لا سيما أن أزمة الشك لديه، كانت دينية في جوهرها بدأت بالدين، وانتهت إليه! والحقيقة، فقد كان الغزالي رجل دين ولا ككل رجال الدين:‏
كان حجة الإسلام. ولهذا ليس عجيباً أن يرى أن لا مخرج له من شكه إلا بالعودة إلى الدين، بهذا النور الذي قذفه الله في الصدر!‏
لقد كانت نفسه مشبعة بالدين إلى أقصى حدود الإشباع، فطغى الدين على كل حل آخر، ولم يترك للغزالي مجالاً للتفكير في حل سواه. بل إن الأمر أبعد من ذلك، فهو حينما وجد الحل –الحل الصوفي- نبذه ظهرياً، وعاد إلى الدين كما لقنه إياه الوالدون والأستاذون!‏
وفضلاً عن ذلك، فما معنى الحوار الذي جرى بين الغزالي وبين المحسوسات؟ وما معنى أن المنام يأتي ليؤيد الأشكال الذي أثارته المحسوسات، بما يصوره من رؤى وأحلام؟
أليست المحسوسات أقرب من المعقولات إلى الموجودات وجود عين؟ ثم أليست الرؤى والأحلام من جنس المحسوسات؟ كل هذا يجعلنا نرى في تشكيك المحسوسات، وتأييد الرؤى والأحلام، تراجعاً نحو الوجود العيني، ومحاولة لعبور الهوة التي قامت بين المعقولات وهذا الوجود، فكأن الغزالي مر بتجربة وحدة الموجود والمعقول، ورأى استحالة قيام المعقول مستقلاً عن الموجود!‏
ومما يؤيد هذا كل التأييد، هذه العودة المفاجئة إلى اليقين، دون نظم دليل وترتيب كلام، أي دون مجردات، بل بعلوم غير ضرورية تحصل في القلب في بعض الأحوال، فتارة تهجم على القلب، كأنه ألقي فيه من حيث لا يدري!‏
ولكن ماذا يعني الغزالي بالقلب؟ وما الفرق لديه بينه وبين العقل؟ يقول: "أما القلب فهو لطيفة ربانية روحانية، لها بهذا القلب الجسماني تعلق، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان، وهو المدرك العالم العارف من الإنسان، وهو المخاطب والمعاقب والمعاتب والمطالب، ولها علاقة مع القلب الجسماني.‏
وقد تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته، فإن تعلقه يضاهي تعلق الأعراض بالأجسام، والأوصاف بالموصوفات، أو تعلق المستعمل للآلة بالآلة، أو تعلق المتمكن بالمكان(31).‏
وأما العقل فمشترك أيضاً لمعان مختلفة، يهم الغزالي منها معنيان. يقول: "إنه يطلق ويراد به العلم بحقائق الأمور، فيكون عبارة عن صفة العلم الذي محله القلب، والثاني أنه قد يطلق ويراد به المدرك للعلوم، فيكون هو القلب، أعني تلك اللطيفة(32).‏
ومن هنا نجد أن القلب يعني العقل، من حيث هو مدرك للعلم، مما يجعلنا نفهم بالعلوم التي تهجم على القلب، أنها علوم تساور العقل. وإذا نحن أعدنا النظر كرة في معنى العقل والقلب، وجدنا أن العقل يعني العلم، وأن القلب يعني مدرك هذا العلم. وهو من هذه الناحية لطيفة ربانية روحانية. بيد أن لها تعلقها بالقلب الجسماني مما يعني أن القلب بما هو لطيفة ربانية روحانية، ليس منفصلاً عن القلب بما هو جسماني.‏
5-
‏ بيد أن مبدأ عدم التناقض، الذي انتهى الغزالي إلى الشك فيه، لم يكن وحده موضع شكه، بل كان كذلك مبدأ السببية الذي تعتمد عليه علوم التجربة، والذي هو عمدة الاستقراء في هذه العلوم. وإذا انتقلنا إلى هذا المبدأ، وجدنا أن موقف الغزالي منه، لا يختلف أي اختلاف عن موقفه من مبدأ عدم التناقض: فهو هنا أيضاً يجعل من الله ضامناً له.
والحقيقة، أنه ينكر الاقتران بين الحوادث، فلا سبب ولا مسبب إلا من الله، يقول: "الاقتران بين ما يعتقد في العادة سبباً وما يعتقد مسبباً ليس ضرورياً عندنا، بل كل شيئين ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمناً لإثبات الآخر، ولا نفيه متضمناً لنفي الآخر، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر، مثل الري والشرب، والشبع والأكل، والاحتراق ولقاء النار، والنور وطلوع الشمس، والموت وجز الرقبة، والشفاء وشرب الدواء، وإسهال البطن واستعمال المسهل، وهلم جرا إلى كل المشاهدات من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف. فإن اقترانها لما سبق من تقدير الله ، يخلقها على التساوق، لا لكونه ضرورياًً في نفسه، غير قابل للفوت، بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل، وخلق الموت دون جز الرقبة، وإدامة الحياة مع جز الرقبة، وهلم جرا إلى جميع المقترنات(33).‏
وهكذا يتابع الغزالي المنطق الذي بدأه، فيشككنا في المقترنات كلها. ولكن اقتران المقترنات، وإن كان عقلياً، فهو وجودي قبل أن يكون عقلياً: إنه خاضع لصيرورة الوجود، وليس خاضعاً للعقل بما هو عقل، بل بما هو عقل لأفكار وصل الفكر إليها بملاحظة الصيرورة. والحقيقة، لو أننا اكتفينا بالعقل المستقل عما يجري في الواقع، لما استطعنا أن نجد علاقة بين الري والشرب، أو بين الشبع والأكل، أو بين الاحتراق ولقاء النار، الخ... ولكننا حينما ننظر إلى الواقع، ونجاري صيرورة الحوادث، لا نستطيع أن نتصور رياً دون شرب، ولا شبعاً دون أكل، ولا احتراقاً دون لقاء النار/، الخ...‏
ويأخذ الغزالي مثال احتراق القطن، وينكر أن تكون النار هي المحرقة من دون إرادة الله. وهو يسلك في ذلك ثلاثة مسالك.‏
المقام الأول:
وهو أن يدعي الخصم أن فاعل الاحتراق هو النار فقط، وهو فاعل بالطبع لا بالاختيار، فلا يمكنه الكف عما هو في طبعه، بعد ملاقاته لمحل قابل له(34)، ويتساءل الغزالي قائلاً: "فما الدليل على أنها الفاعل؟ وليس لهم دليل إلا مشاهدة حصول الاحتراق عند ملاقاة النار، والمشاهدة تدل على الحصول عندها، ولا تدل على الحصول بها، وأنه لا علة له سواها، إذ لا خلاف في أن انسلاك الروح والقوى المدركة المحركة في نطفة الحيوانات، ليس يتولد عن الطبائع المحصورة، في الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، ولا أن الأب فاعل ابنه، بإيداع النطفة في الرحم، ولا هو فاعل حياته وبصره وسمعه وسائر المعاني التي هي فيه، ومعلوم أنها موجودة عنده، ولم يقل أحد أنها غير موجودة به، بل وجودها من جهة الأول، أما بغير واسطة، وأما بواسطة الملائكة الموكلين بهذه الأمور الحادثة(35)".
ولكن، لندقق النظر قليلاً في هذا الكلام.‏
إن الغزالي يفرق بين "الحصول عند" و "الحصول بـ"، ويبدو من كلامه، أن "الحصول عند" يفيد معنى الحدوث العارض، وأن "الحصول بـ" يفيد معنى الخلق. وبما أن الخلق فعل رباني، فإن المشاهدات كلها تدل على "الحصول عند" لا على "الحصول بـ" لأن "الحصول بـ" لا يمكن إلا أن يكون من جهة الأول بغير واسطة أو بواسطة الملائكة. وهذا يبرز لنا الصفة الدينية لكلام الغزالي، ويجعلنا نفهم أن تشكيكه يبغي ردنا إلى الدين، الذي هو منبع كل يقين. ولكن، لنتابعه في تفكيره.‏
أماالمقام الثاني فمع من يسلم أن هذه الحوادث تفيض من مبادئ الحوادث، ولكن الاستعداد لقبول الصور يحصل بهذه الأسباب المشاهدة الحاضرة، عندما تصدر الأشياء عن تلك المبادئ لزوماً وطبعاً، لا على سبيل التروي والاختيار. وتكون المبادئ فاعلة دائماً في هذه الحال. ولكن المحال تختلف في قبول فعلها، فتفعل حيناً ولا تفعل حيناً. ومثال ذلك صدور نور الشمس عنها، إذ أن الجسم الصقيل يقبل شعاع الشمس، ويرده، حتى يستضيء به موضع آخر، في حين أن المدر لا يقبله. لهذا كان المبدأ واحداً، وكانت آثاره مختلفة لاختلاف الاستعدادات في المحل(36).
ولكن هذا لا يعني أن المبادئ لا تفعل بالاختيار، وأن الله لا يفعل بالإرادة. فإذا ثبت أن الفاعل يخلق الاحتراق بإرادته، عند ملاقاة القطنة النار، أمكن في العقل، أن لا يخلق الاحتراق، مع وجود الملاقاة(37).‏
وهنا يصل بنا الغزالي إلى غايته، وهي أن المبادئ نفسها لا تفعل بالاختيار، وهي خاضعة لإرادة الله. وهذا هو المفهوم الديني الذي يرى أن كل ما يحدث إنما يحدث بمشيئة الله. وبما أن مشيئة الله هي الحكم الأخير في هذه الأمور، كان من الممكن في العقل، أن لا يخلق الاحتراق عند ملاقاة الجسم للنار: ألم ينج إبراهيم من النار التي ألقي فيها، فلم يحترق؟‏
بيد أن التسليم بهذا يجر إلى محالات شنيعة. والغزالي يعرف هذه المحالات، فيتصور ما يمكن أن يعترض به عليه، فيقول: "فإن قيل: فهذا يجر إلى ارتكاب محالات شنيعة، فإنه إذا أنكر لزوم المسببات عن أسبابها، وأضيفت إلى إرادة مخترعها، ولم يكن للإرادة أيضاً منهج مخصوص معين، بل أمكن تفننه وتنوعه، فليجوز كل واحد منا، أن يكون بين يديه سباع ضارية، ونيران مشتعلة، وجبال راسية، وأعداء مستعدة بالأسلحة لقتله، وهو لا يراها لأن الله تعالى ليس يخلق الرؤية له. ومن وضع كتاباً في بيته، فليجوز أن يكون قد انقلب عند رجوعه إلى بيته، غلاماً أمرد، عاقلاً متصرفاً، أو انقلب حيواناً(38)". وجواب الغزالي عن ذلك: "أن الله خلق لنا علماً بأن هذه الممكنات لم يفعلها، ولم ندع أن هذه الأمور واجبة، بل هي ممكنة، يجوز أن تقع ويجوز أن لا تقع، واستمرار العادة بها، مرة بعد أخرى، يرسخ في أذهاننا جريانها على وفق العادة الماضية، ترسيخاً لا تنفك عنه(39)".
وهنا يضعنا الغزالي مرة أخرى أمام إرادة الله: فالمعقولات ثابتة لأن الله شاءها أن تكون كذلك. وإذا نحن فكرنا وفقاً لها، فلأن الله يريدنا أن نفكر كذلك: فالدين أساس المعقول. وهكذا، بدلاً من أن يردنا إلى الوجود وصيرورته، يردنا إلى الله، ويربط العقل به.‏
لكن الغزالي يعرف أن ما أتى به هو نوع من التشنيع، ولذلك يرتد إلى الطريق المألوف وهو مقامه الثالث. يقول: "المسلك الثاني وفيه الخلاص من هذه التشنيعات، وهو أنا نسلم أن النار خلقت خلقة إذا لاقاها قطنتان متماثلتان، أحرقتهما ولم تفرق بينهما، إذا تماثلتا من كل وجه.‏
ولكن، مع هذا نجوز أن يلقي نبي في النار فلا يحترق، أما بتغيير صفة النار، أو بتغيير صفة النبي عليه السلام، فيحدث من الله أو من الملائكة، صفة في النار تقصر سخونتها على جسمها، بحيث لا تتعداه، فتبقى معها سخونتها، وتكون على صورة النار وحقيقتها، ولكن لا تتعدى سخونتها وأثرها. أو يحدث في بدن النبي صفة، ولا تخرجه عن كونه لحماً وعظماً، فيدفع أثر النار(40)".‏
وهكذا نرى، أن الغزالي يريد إثبات المعجزات، أكثر مما يريد إنكار مبادئ الطبيعة. وبهذا الصدد يقول: "ومن استقرأ عجائب العلوم، لم يستبعد من قدرة الله ، ما يحكى من معجزات الأنبياء ، بحال من الأحوال(41).‏
وعلى هذا النحو، يشككنا الغزالي بمبدأ السببية، كما شككنا من قبل بمبدأ عدم التناقض.فإذا كان مبدأ عدم التناقض يحتاج إلى إرادة الله، فليس غريباً أيضاً أن يحتاج مبدأ السببية إليها.‏
وهذا يعني، أن اليقين الذي نحصل عليه منه هو منة من الله، مثلما كان مبدأ عدم التناقض منة منه.‏
6-
‏ مما سبق نجد أن الغزالي شك وخرج من شكه إلى اليقين. ولكن، كيف؟ كما رأينا، فقد التمس الخروج من شكه، باللجوء إلى الله وشرعه، وهذه فرضية مقبولة دينياً، ولكنها غير جائزة فلسفياً.
ولكن، لندع هذا الآن ولننظر كيف تابع تفكيره. هناك نلاحظ أنه يترجح بين الدين والتصوف، ولكن، إلى أين يميل في نهاية أمره؟ وهل هذا الميل طبيعي أو مفتعل؟ يقول: "أعلم أن العقل لن يهتدى إلا بالشرع، والشرع لم يتبين إلا بالعقل، فالعقل كالأس، والشرع كالبناء، ولن يغني أس ما لم يكن بناء، ولن يثبت بناء ما لم يكن أس. وأيضاً، فالعقل كالبصر، والشرع كالشعاع! ولن يغني البصر ما لم يكن شعاع من خارج، ولن يغني الشعاع ما لم يكن بصر... وأيضاً، فالعقل كالسراج، والشرع كالزيت الذي يمده، فما لم يكن زيت، لم يحصل السراج، وما لم يكن سراج لم يضيء زيت... فالشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل، وهما متعاضدان، بل متحدان(42).‏
من هذا الكلام نلاحظ، أن العقل والشرع يؤلفان شيئاً واحداً في نظر الغزالي بل إنهما وجهان مختلفان لشيء واحد. ومع ذلك، هناك فروق في المعرفة التي يحصلها كل من العقل والشرع: فالعقل قليل الغناء، لا يكاد يتوصل إلى معرفة كليات الشيء دون جزئياته، نحو أن يعلم جملة حسن اعتقاد الحق وقول الصدق، وتعاطي الجميل وحسن استعمال المعدلة، وملازمة العفة، ونحو ذلك، من غير أن يعرف ذلك في شيء شيء. والشرع يعرف كليات الشيء وجزئياته، ويبين ما الذي يجب أن يعتقد في شيء شيء، وما الذي هو معدلة في شيء شيء(43).‏ ومعنى هذا، أن معرفة الشرع أتم من معرفة العقل، فالشرع يعرف الكليات والجزئيات، في حين لا يعرف العقل إلا الكليات. ولذلك، كان لا بد من تطابق العقل والشرع في القضايا الكلية، ولا بد من لجوء العقل إلى الشرع في القضايا الجزئية..‏ فكأن الشرع عقل أعلى مرتبة من مرتبة العقل ذاته، فإذا اتحدا معاً، أصبحا عقلاً واحداً لا يمكن أن يتطرق إليه الخطأ.
أما إذا انفصلا، فالعقل عرضة للخطأ في الأمور الجزئية.‏
بيد أن الشرع بحاجة أيضاً إلى مبدأ يستمد منه يقينه، شأنه في ذلك شأن العقل. فإذا عادت الثقة إلى العقل بالنور الذي قذفه الله في الصدر، فالشرع من باب أولى بحاجة إلى هذا النور. والحقيقة فكل منهما بحاجة إلى الكشف، بحاجة إلى إلهام رباني، ولا سبيل إلى ذلك بالتجربة(44).‏
إذ وراء العقل ظهور آخر، تتضح فيه عين أخرى تبصر الغيب، وما سيكون في المستقبل وأموراً أخرى العقل معزول عنها(45)، وهذا الطور هو طور النبوة. بيد أن هذا الطور ليس وقفاً على الأنبياء وحدهم، فقد أعطى الله عباده أنموذجاً منه، وهذا الأنموذج هو النوم، الذي يرى فيه النائم ما سيكون من الغيب، أما صريحاً وأماً في كسوة مثال يكشف عنه التعبير(46). فكما أن العقل طور من أطوار الآدمي، يحصل فيه عين يبصر بها أنواعاً من المعقولات، والحواس معزولة عنها، فالنبوة أيضاً عبارة عن طور يحصل فيه نور يظهر في نورها الغيب، وأمور لا يدركها العقل(47).‏
وهكذا تكون النبوة طوراً أعلى من طور العقل، كما كان العقل طوراً أعلى من طور الحس. والنبوة وإن كانت مقتصرة على الأنبياء، غير أن الله أعطى عباده أنموذجاً منها، هو النوم، فالنوم نوع من الإلهام والنفث في الروح، والنبوة مقترنة بالوحي، وكلاهما نوع من الكشف، كما مر معنا.
ومعنى هذا، أن أدوية العبادات –وهي التقاليد والعقائد الموروثة- تحتاج إلى طور أعلى من طور العقل، وهذا الطور هو النبوة، التي هي نوع من الكشف، بل أعلى درجاته.‏
ولكن الغزالي لا يعتقد هذا بصدد العبادات فحسب، بل يشمل ما نسميه علوماً طبيعية. يقول "ودليل إمكانها (النبوة) وجودها، ودليل وجودها وجود معارف في العالم لا يتصور أن تنال بالعقل، كعلم الطب والنجوم، فإن من بحث عنها، علم ضرورة أنها لا تدرك إلا بإلهام إلهي، وتوفيق من جهة الله ولا سبيل إليها بالتجربة(48)".‏
وإذا كانت النبوة طوراً أعلى من طور العقل، فهي وقف على الأنبياء، ولا يمكن للإنسان العادي أن يدرك سرها إلا بأنموذج النوم. ولكن النوم أمر عابر، وهو يعرض لكل إنسان في أوقات متباينة، وظروف مختلفة. فهل من أمر آخر بإمكانه أن يكون أنموذجاً أكثر تجسيداً للنبوة من النوم، في رأي الغزالي؟ نعم: التصوف. يقول الغزالي: "إني علمت يقيناً، أن الصوفية هم السالكون لطريق الله خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلاً. فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به(49)".
وهذا يعني، أن النوم والتصوف هما الطريقان إلى إدراك النبوة، التي من خواصها نوع من الإدراك خارج عن مدركات العقل. "وأما ما عدا هذا من خواص النبوة، فإنما يدرك بالذوق، من سلوك طريق التصوف، لأن هذا إنما فهمته بأنموذج رزقته، وهو النوم، ولولاه لما صدقت به.
فإن كان للنبي خاصة ليس لك منها أنموذج، ولا تفهمها أصلاً، فكيف تصدق بها؟ وإنما التصديق بعد الفهم: وذلك الأنموذج يحصل في أوائل طريق التصوف، فيحصل به نوع من الذوق بالقدر الحاصل، ونوع من التصديق بما لم يحصل بالقياس إليه. فهذه الخاصية الواحدة تكفيك للإيمان بأصل النبوة(50)".
وإذن، فالذوق الحاصل عند المتصوفة هو السبيل إلى إدراك النبوة، فهو كالمشاهدة والأخذ باليد، ولا يوجد إلا في طريق الصوفية(51)، وبالجملة، فماذا يقول القائلون في طريقة طهارتها –وهي أول شروطها- تطهير القلب بالكلية عما سوى الله، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة، استغراق القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله؟ وهذا آخرها بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الاختيار، والكسب من أوائلها. وهي على التحقيق أول الطريقة، وما قبل ذلك كالدهليز للسالك إليه. ومن أول الطريقة تبتدئ المكاشفات والمشاهدات، حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتاً، ويقتبسون منهم فوائد(52).‏
ولكن المتصوفة، حينما يدركون النبوة بالذوق، يبلغون أقصى مرتبة من مراتب الإدراك: فأقصى الرتب درجة النبي، الذي تتكشف له كل الحقائق أو أكثرها، من غير اكتساب وتكلف، بل بكشف إلهي، في أسرع وقت. وهذه هي السعادة التي تحصل للإنسان، تقربه إلى الله ، تقريباً لا بالمكان والمسافة، ولكن بالمعنى والحقيقة(53). ولكن منازل السائرين إلى الله لا تنحصر، وإنما يعرف كل سالك المنزل الذي بلغه في سلوكه، فيعرف ما خلفه من المنازل. فأما ما بين يديه، فلا يحيط بحقيقته إلا بطرق الجملة، والإيمان بالغيب، فلا يعرف حقيقة النبي إلا النبي(54). فلا يعرف عاقل ما انفتح لأولياء الله وأنبيائه، من مزايا لطفه ورحمته... فهذه الرحمة مبذولة بحكم الجود الإلهي، غير مضنون بها على أحد. ولكن، لا بد من الاستعداد للقبول، بتزكية النفس وتطهيرها من الخبث والكدورة. وكما أن الصورة المتلونة ليس فيها منع من أن تنطبع في الحديد الخبيث، إلا الحجاب من جهة الحديد في صدئه وخبثه، وافتقاره إلى صيقل يجلوه ويزيل خبثه ويجليه، فهكذا ينبغي أن تعتقد أن الحجاب من جانبك، لا من جانب الرحمة الإلهية(55).‏
فكذلك نفس الآدمي مستعدة لأن تصير مرآة يحاذي بها شطر الحق في كل شيء، فتنطبع بها كأنها هو من وجه، وإن كانت غيره من وجه آخر، في الصورة والمرآة. وكمالها في مثل هذه الدرجة(56). فإن جاهد (الآدمي) نفسه، التحق بأفق الملائكة، وإن استمر على الأسباب الموجبة لتراكم الخبث على مرآة النفس، بإتباع الشهوات، اسود قلبه، وتراكمت ظلمته، وبطل بالكلية استعداده، والتحق بأفق البهائم، وحرم سعادته وكماله حرماناً أبدياً لا تدارك له(57).
فإذن، العمل معناه كسر الشهوات، بصرف النفس عن صوابها، إلى الجنبة العالية الإلهية، ليمحي عن النفس الهيئات الخبيثة والعلائق الردية، التي ربطتها بالجنبة السافلة، حتى إذا محقت تلك العلائق أو ضعفت حوذي بها نحو النظر في الحقائق الإلهية، ففاضت عليه من جهة الله تعالى، تلك الأمور الشريفة، كما فاضت على الأولياء والأنبياء والصديقين(58).‏
7-
‏ هذه طريق الصوفية، وهي طريق مجاهدة وذوق، لا طريق علم ودراسة. فإن الصوفية لم يحرضوا على تحصيل العلوم ودراستها، وتحصيل ما صنفه المصنفون في البحث عن حقائق الأمور، بل قالوا:‏
الطريق تقديم المجاهدة، بمحو الصفات المذمومة، وقطع العلائق كلها، والإقبال بكل الهمة على الله ومهما حصل ذلك، فاضت عليه الرحمة، وانكشف له سر الملكوت وظهرت له الحقائق، وليس عليه إلا الاستعداد بالتصفية المجردة، وإحضار النية مع الإرادة الصادقة والتعطش التام، والترصد بالانتظار لما يفتحه الله من الرحمة(59).‏ ذاكم طريق اليقين الذي لا يقين غيره.‏وهو الذي سلكه الغزالي نفسه، فأدى به إلى الخروج من شكه، بنور قذفه الله في صدره. إنه يقين المتصوفة، بعد صقل النفس وتهذيبها، وجعلها مستعدة لتلقي الجود الإلهي. ولكن، ما معنى النور؟‏
يرى الغزالي أن النور يفهم على أنحاء ثلاثة: فهم العوام وفهم الخواص وفهم خواص الخواص، ولكن النور على حقيقته كما يفهمه خواص الخواص. يقول: "ثم تعرف درجات الأنوار المذكورة المنسوبة إلى خواص الخواص، وحقائقها، لينكشف لك عند ظهور درجاتها، أن الله هو النور الأعلى الأقصى، وعند انكشاف حقائقها، إنه النور الحق الحقيقي وحده لا شريك له فيه(60)".‏
ولكن النور الحق الحقيقي لا يدرك إلا بالنور، ولا سيما النور الملتفت إلى عالم الغيب، نور العقل ونور النبوة. ولكن كل نور غير نور الله هو نور على المجاز، لأنه نور مستعار، والنور الحقيقي للمعير. يقول الغزالي: "إذا عرفت أن الأنوار لها ترتيب، فاعلم أنه لا يتسلسل إلى غير نهاية، بل يرتقي إلى منبع أول، هو النور لذاته وبذاته، ليس يأتيه نور من غيره، ومنه تشرق الأنوار كلها على ترتيبها. فانظر الآن اسم النور أحق وأولى بالمستنير المستعير نوره من غيره، أو بالنِّير في ذاته، المنير لكل ما سواه؟ فما عندي أنه يخفى عليك الحق فيه. وبه يتحقق أنه اسم النور أحق بالنور الأقصى الأعلى الذي لا نور فوقه، ومنه ينزل النور إلى غيره. بل أقول ولا أبالي: إن اسم النور على غير النور الأول مجاز محض: إذ كل ما سواه، إذا اعتبرته ذاته، فهو في ذاته من حيث ذاته لا نور له، بل نورانية مستعارة من غيره، ولا قوام لنورانيته المستعارة بنفسها، بل بغيرها. ونسبة المستعار إلى المستعير مجاز محض(61)".‏
ولكن النور هو الوجود، والظلمة هي العدم. لهذا كان الله هو الوجود، وكان ما عداه عدماً في ذاته، موجوداً بالنسبة إلى الموجود الحق. فمهما عرفت أن النور يرجع إلى الظهور والإظهار ومراتبه، فاعلم أنه لا ظلمة أشد من كتم العدم: لأن المظلم سمي مظلماً، لأنه ليس للأبصار إليه وصول، إذ ليس يصير موجوداً للبصير، مع أنه موجود في نفسه. فالذي ليس موجوداً لا لغيره ولا لنفسه، كيف يستحق أن يكون هو الغاية في الظلمة؟ وفي مقابلته الوجود فهو النور: فإن الشيء ما لم يظهر في ذاته، لا يظهر لغيره. والوجود ينقسم إلى ما للشيء من ذاته، وإلى ما له من غيره. وما له الوجود من غيره فوجوده مستعار لا قوام له بنفسه.‏ بل إذا اعتبر ذاته من حيث ذاته، فهو عدم محض. وإنما هو موجود من حيث نسبته إلى غيره، وذلك ليس بوجود حقيقي... فالموجود الحق هو الله ، كما أن النور الحق هو الله(62).
إن هذه الحقيقة قد أدركها المتصوفة، بل أبصروها بالمشاهدة العيانية، حينما ترقوا من حضيض المجاز إلى يفاع الحقيقة، واستكموا معراجهم، فرأوا أنه ليس في الوجود إلا الله ، وأن كل شيء هالك إلا وجهه أزلاً وأبداً(63). بيد أنهم وإن اتفقوا بعد عروجهم إلى سماء الحقيقة، إلا أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق؟ فقد اختلفوا في تحديد هذا الحال: فمنهم من كان لهم عرفاناً علمياً، ومنهم من صار له حالاً ذوقياً. وانتفت عنهم الكثرة بالكلية، واستغرقوا بالفردانية المختصة، واستوفيت فيها عقولهم، فصاروا كالمبهوتين فيه، ولم يبق فيهم متسع لا لذكر الله ولا لذكر أنفسهم أيضاً، فلم يكن عندهم غير الله، فسكروا سكراً دفع دونه سلطان عقولهم...‏
وهذه الحالة إذا غلبت، سميت بالإضافة إلى صاحب الحالة فناء، بل "فناء الفناء":‏لأنه فني عن نفسه، وفني عن فنائه، فإنه ليس يشعر بنفسه في تلك الحال، ولا بعدم شعوره بنفسه. ولو شعر بعدم شعوره بنفسه، لكان شعر بنفسه. وتسمى هذه الحالة بالإضافة إلى المستغرق بلسان المجاز اتحاداً، وبلسان الحقيقة توحيداً(64).‏
وهكذا وصل الغزالي إلى حالة الفناء الصوفية، فتجلت له الحقيقة، فإذا كل شيء نور، وكل نور يفيض من ينبوع النور.‏
وبهذا الصدد يقول: "وأما الأنوار العقلية المعنوية، فالعالم الأعلى مشحون بها، وهي جواهر الملائكة، والعالم الأسفل مشحون بها، وهي الحياة الحيوانية ثم الإنسانية، وبالنور الإنساني السفلي ظهر نظام عالم السفل، كما بالنور الملكي ظهر نظام عالم العلو... فإذا عرفت هذا، عرفت أن العالم بأسره مشحون بالألوان الظاهرة البصرية والباطنة العقلية، ثم عرفت أن السفلية فائضة بعضها من بعض، فيضان النور من السراج، وأن السراج هو الروح النبوي القدسي، وأن الأرواح النبوية القدسية مقتبسة من الأرواح العلوية اقتباس السراج من النور، وأن العلويات بعضها مقتبسة من بعض، وأن ترتيبها ترتيب مقامات.‏
ثم ترقى جملتها إلى نور الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول، وأن ذلك هو الله وحده لا شريك له، وأن سائر الأنوار مستعارة، وإنما الحقيقي نوره فقط، وأن الكل نوره، بل هو الكل، بل لا هوية لغيره إلا بالمجاز(65).
وهكذا يصل الغزالي إلى وحدة الوجود، إذ أن النور هو الوجود كما رأينا، ووحدة النور هي وحدة الوجود. ومنه نرى أن أزمة الشك عنده، انتهت بالوجد الصوفي، الذي وصل به إلى الاتحاد والتوحيد. ولكن الغزالي لم يكن يرضى بهذه النهاية، فقد شعر أنه تجاوز الحد، وأن العقيدة الإسلامية تتنافى مع هذه النتيجة. ولهذا ما عتم أن تراجع في "المنقذ من الضلال" عن هذه الحال، وعاد ليسير في طريق الدين القويم.‏
ونحن لا نستبعد أن يكون سمي "المنقذ" منقذاً من الضلال، للتعبير عن هذه الحالة.‏
وههنا لا بد لنا أن نستشهد بقول من أقواله، كنا ذكرنا بعضه، ونريد الآن أن نذكر تتمته، لنصل ما انقطع، وندرك حقيقة ما يريده. يقول: "ومن أول الطريقة تبتدئ المكاشفات والمشاهدات، حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتاً، ويقتبسون منهم فوائد. ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال، إلى درجة يضيق عنها نطاق النطق، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه. وعلى الجملة، ينتهي الأمر إلى قرب يكاد يتخيل منه طائفة الحلول، وطائفة الاتحاد، وطائفة الوصول، وكل ذلك خطأ(66).‏
فإذا نبذ الإنسان مثل هذه التخييلات، كان لا بد له من أن ينتهي إلى الإيمان.‏ فصحبة المتصوفة تمكنه من إدراك حقيقة النبوة، التي هي مصدر كل إيمان. وهذه حالة يتحققها بالذوق من يسلك سبيلها.
فمن لم يرزق الذوق، فيتيقنها بالتجربة والتسامع، إن أكثر معهم الصحبة، حتى يفهم ذلك بقرائن الأحوال يقيناً. ومن جالسهم استفاد منهم هذا الإيمان، فهم القوم لا يشقى جليسهم. ومن لم يرزق صحبتهم، فليعلم إمكان ذلك يقيناً بشواهد البرهان(67).‏
وهكذا نجد أن الغزالي يؤمن بثلاث طرق للوصول إلى اليقين وإدراك ما أدركه النبي حين كان يتعبد في غار "حراء"(68).‏
وهذه الطرق هي التي نص عليها كما يأتي:‏
"
والتحقيق بالبرهان علم، وملابسة عين تلك الحالة ذوق، والقبول من التسامع والتجربة بحسن الظن إيمان(69)". وهي وجود اليقين عنده. غير أن الأول كان موضع شك، حينما وصلت أزمة الغزالي إلى أوج حدتها، في حين أن الاثنين الآخرين هما مصدر اليقين لديه.‏ وهذا يعني، أن الغزالي خرج من شكه إلى الإيمان بالعقيدة الإسلامية، ووجد أن سبيل اليقين إليها هي الذوق والعلم البرهاني والقبول الإيماني. يقول: "ثم إني لما واظبت على العزلة والخلوة، قريباً من عشر سنين، بان لي في أثناء ذلك على الضرورة، من أسباب لا أحصيها، مرة بالذوق، ومرة بالعلم البرهاني، ومرة بالقبول الإيماني: إن الإنسان خلق من بدن وقلب، وأعني بالقلب حقيقة روحه التي هي محل معرفة الله، دون اللحم والدم الذي يشارك فيه الميت والبهيمة، وإن البدن له صحة بها سعادته، ومرض فيه هلاكه، وأن القلب كذلك له صحة وسلامة، ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم ، وله مرض فيه هلاكه الأبدي الأخروي، كما قال تعالى:‏ في قلوبهم مرض ، وأن الجهل بالله سم مهلك، وأن معصية الله، بمتابعة الهوى، داؤوه الممرض، وأن معرفة الله ترياقه المحيي، وطاعته بمخالفة الهوى، داؤوه الشافي، وأنه لا سبيل إلى معالجته، بإزالة مرضه، وكسب صحته، إلا بأدوية، كما لا سبيل إلى معالجة البدن إلا بذلك. وكما أن أدوية البدن تؤثر في كسب الصحة بخاصية فيها، لا يدركها العقلاء ببضاعة العقل، بل يجب فيها تقليد الأطباء الذين أخذوها من الأنبياء، الذين اطلعوا بخاصية النبوة على خواص الأشياء، فكذلك بان لي على الضرورة، بأن أدوية العبادات بحدودها ومقاديرها المحدودة المقدرة من جهة الأنبياء، لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء، بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص بنور النبوة، لا ببضاعة العقل. وكما أن الأدوية تركب من أخلاط مختلفة النوع والمقدار، وبعضها ضعف بعض في الوزن والمقدار، فلا يخلو اختلاف مقاديرها عن سر هو من قبيل الخواص. فكذلك العبادات التي هي أدوية داء القلوب، مركبة من أنواع مختلفة النوع والمقدار، حتى أن السجود ضعف الركوع وصلاة الصبح نصف صلاة العصر في المقدار ولا يخلو عن سر من الأسرار، هو من قبيل الخواص التي لا يطلع عليها إلا بنور النبوة.‏
ولقد تحامق وتجاهل جداً، من أراد أن يستنبط بطريق العقل لها حكمة، أو ظن أنها ذكرت على الاتفاق، لا عن سر إلهي فيها، يقتضيها بطريق الخاصية. وكما أن في الأدوية أصولاً هي أركانها، وزوائد هي متمماتها، لكل واحد منها خصوص تأثير في أعمال أصولها، كذلك النوافل والسنن متممات لتكميل آثار أركان العبادات(70)".
8-
‏ نخرج مما تقدم بنتيجة واضحة، وهي أن نور الله هو اليقين الذي يكون به الخروج من كل شك. بيد أن هذا النور يتخذ صورة مذهب وحدة الوجود مرة، وصورة الله في الشرع الإسلامي مرة أخرى. وإذا تأملنا هاتين الصورتين، وجدنا أنهما غير ضروريتين للخروج من الشك. والحقيقة، فقد تولدتا معاً من حالة نفسية مر بها الغزالي، فكانتا ليلاً ونهاراً لنفسه في موقفها من الدين. وهي حالة مرضية، كما وصفها هو ذاته، حين قال: "وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار، إذا قفل الله على لساني، حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي... فكان لا ينطق لساني بكلمة واحدة، ولا أستطيعها البتة، حتى أورثت هذه العقلة في اللسان، حزناً في القلب، بطلت معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب: فكان لا ينساغ لي ثريد، ولا تهضم لي لقمة، وتعدى إلى ضعف القوى، حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج، وقالوا: هذا أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج، إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم(71).‏
ولكن، ما حقيقة هذا المرض؟ لا بد لنا، لفهم ذلك، من التوقف عند بعض تعابير الغزالي، ومن فحص الحالة التي مرت به.
وهنا لا بد لنا من التساؤل عن معنى كلامه الذي سبق هذا الكلام، والذي استشهدنا به من قبل، وهو: "أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال". يكمن مفتاح معنى هذه الجملة، في فهم معنى العبارة "بحكم الحال".‏
فما الحال المقصودة هنا يا ترى؟ أهي الحال الصوفية؟ إننا نعتقد ذلك، ودليلنا قول الغزالي: "ولعل تلك الحالة ما يدعيه الصوفية أنها حالتهم". وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يكون الأمر كذلك، فكيف يكون المرء على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال، والسفسطة مغالطة منطقية؟‏
في رأينا هذا يكون حينما تنفصم عرى الاتصال بين المحسوس والمعقول، فيشك العقل في المحسوسات، وتتهم المحسوسات العقل، كما حدث للغزالي، بل حينما تنفصم المحسوسات والمعقولات معاً عن أصلها الوجودي، وهو أمر لم يفطن له الغزالي، وتدل عليه عودة اليقين المتمثل بوحدة الوجود، لا عودة اليقين المتمثل بالشريعة الإسلامية.
بيد أن انفصام المحسوس عن المعقول، إذا عنى شيئاً، فإنما يعني انفصاماً في الوجدان ذاته. وهذا ما يدل عليه قول الغزالي: "وقالوا هذا أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج، إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم، بيد أن انفصام الوجدان إنما يعني، أن العقل أصبح يعمل مستقلاً عن الجسد، فبطلت الصلة بينه وبين الوجود، فانعدمت الروابط المنطقية، التي هي في أصلها روابط وجودية، وبانعدامها، أصبح الغزالي على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال.‏
والحقيقة، أن النص الذي استشهدنا به عن المرض، كان بعد إيمان الغزالي بالحقيقة التي يقول بها المتصوفة أولاً، والتي رأينا أنها وحدة الوجود، وقبل خروجه منها إلى العقيدة الإسلامية، ثانياً. وإذا كانت وحدة الوجود تعني توحيد الله والعالم، من حيث أن الله يمثل المعقول، وأن العالم يمثل الأشياء على اختلافها، كان معنى هذا أن اليقين –كما رآه الغزالي في هذه المرحلة- هو يقين وحدة الموجود والمعقول لا يمكن إدراكها بالعقل وحده. ولهذا كان إدراك وحدة الوجود بحاجة إلى وحدة الوجدان، وهذه لا يمكن الوصول إليها، إلا بالشفاء من المرض، وعودة النفس إلى الصحة والاعتدال، وعودة المزاج إلى ما كان عليه، قبل نزول الأمر بالقلب. لكن الغزالي سرعان ما أدرك –بدافع من دينه- أن القول بوحدة الوجود فيه خروج عن الدين الإسلامي، فتراجع عن قوله، وعد القول بالحلول أو الاتحاد أو الوصول خطأ، فوصل بذلك إلى المرحلة الثالثة من مراحل اليقين عنده، وهي: العلم والذوق والإيمان.‏
وهذا يعني تجاوز مرحلتي العلم والذوق إلى مرحلة الإيمان. ولكن، كيف عاد إلى الإيمان؟ هل عاد إليه مقلداً كما كان قبل أزمة شكه؟ لقد سبق له أن قال: "فقلت في نفسي: الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة، فهؤلاء هم السالكون سبل طلب الحق، فإن شذ الحق عنهم، فلا يبقي في درك الحق مطمع، إذ لا مطمع في الرجوع إلى التقليد بعد مفارقته، ومن شرط المقلد أن لا يعلم أنه مقلد، فإذا علم ذلك، انكسرت زجاجة تقليده، وهو شعب لا يرأب، وشعث لا يلم بالتلفيق والتأليف، إلا أن يذاب بالنار، ويستأنف له صنعة أخرى مستجدة(72)".‏
ولكي نعرف ما إذا عاد الغزالي مقلداً أو غير مقلد، لا بد لنا من الفحص عن النتيجة التي انتهى إليها. لقد أنهى كلامه في "المنقذ" بهذه العبارة: "هذا ما أردت أن أذكره في ذم الفلسفة والتعليم وآفاتهما وآفات من أنكر عليهما لا بطريقته(73)".‏
ومعنى هذا، أن الغزالي انتهى إلى ذم الفلسفة والتعليم، دون الكلام والتصوف.‏
وهنا نعود إلى التساؤل: هل انتهى متكلماً أو متصوفاً؟ لقد رأينا أن التصوف انتهى به إلى وحدة الوجود، وأنه تراجع عن هذه النهاية إلى الإيمان بالعقيدة الإسلامية.‏ولكنه إذ فعل، ألقى بكل ما وصل إليه، وعده لغواً لا طائل وراءه. وهذا يعني العودة إلى الدين، وقد تكون عودة تتنافى مع التقليد، لأنها كانت نتيجة رفض للفلسفة والتعليم والتصوف. وهذا يعني، أن الغزالي انتهى متكلماً، ولكنه كان متكلماً لا ككل المتكلمين، لأن الكلام عنده ليس إيجابياً غايته الدفاع عن العقيدة دفاعاً مباشراً، كما هو شأن المتكلمين، بل سلبي غايته رفض المذاهب المخالفة للدين، ليظهر الدين وحده بمظهر الحق.‏ وهنا لا بد لنا من طرح السؤال التالي:‏
هل لتجاوز الشك بالمعقولات علاقة بالنور الذي قذفه الله في الصدر؟ وهل لليقين الذي وصل إليه، وهو يقين وحدة الوجود من مسوغ لتجاوزه إلى العقيدة، غير ما شعر به من مخالفة صريحة لما تقول به هذه العقيدة؟ وكل هذا ألا يعني، أن الشك واليقين حالتان عارضتان لا علاقة لإحداهما بالأخرى، سوى أنهما وجهان لتجربة نفسية حيال الدين؟ يدل على ذلك ما أشرنا إليه من معنى "القلب" عند الغزالي في النص الذي يتكلم فيه عن مرضه. لقد وردت كلمة "القلب" مرتين، استعمله في المرة الأولى بمعنى النفس، وذلك حينما قال: "حتى أورثت هذه العقلة في اللسان، حزناً في القلب"، واستعمله في المرة الثانية بمعنى النفس أيضاً، حينما قال: "وقالوا: هذا أمر نزل بالقلب ومنه سرى إلى المزاج...".‏ وهذا يعني، أن الشك الذي طرأ على النفس انتقل من بعد إلى المزاج، وأدى إلى مرض البدن وأنه لا شفاء من هذا المرض إلا بانكشاف الغطاء عن حقيقة الدين، الذي كان الشك فيه هماً ملماً. وهذا يعني، أن أزمة الغزالي الروحية، كانت أزمة دينية في جوهرها. وفي هذه الحال، ما معنى شكه أولاً، وما معنى يقينه ثانياً؟‏
الحقيقة، أن شكه لا معنى له، إلا إذا ربطناه بوحدة الوجود، وكذلك يقينه لا معنى له، إلا بوحدة الوجود. لكنه تراجع عن هذه النتيجة، وعاد إلى يقين لا يختلف في شيء عن اليقين الذي انطلق منه. ولهذا فقد شكه كل قيمته الفلسفية، ولم تبق له سوى قيمته التأليهية، التي تريد أن تشككنا بكل شيء، في سبيل ردنا إلى الله، وجعل يقيننا قبساً من يقينه.‏

الحواشي:
(1)
مقالنا: قيمة العقل عند الغزالي، مجلة المعرفة، تموز 1979.
(2)
المنقذ من الضلال، الطبعة الخامسة، ص 64، مطبعة الجامعة السورية، دمشق 1956.
(3)
المنقذ من الضلال، ص 64.‏
(4)
عبد الرحمن بدوي: مؤلفات الغزالي، ص 244، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، القاهرة 1961.
(5)
مؤلفات الغزالي ص 245.‏
(6)
مؤلفات الغزالي ص 245‏
(7)
مؤلفات الغزالي، التصدير ص 10.‏
(8)
المصدر المذكور11‏
(9)
المصدر المذكور 12‏
(10)
مؤلفات الغزالي ص 197-198‏
(11)
مؤلفات الغزالي ص 198‏
(12)
كتابنا: الغزالي، ص 65، منشورات دار الشرق الجديد، بيروت 1960‏
(13)
المنقذ من الضلال، ص 62-63، الطبعة الخامسة، مطبعة الجامعة السورية 1956‏
(14)
المنقذ ص 56‏
(15)
المنقذ ص 58‏
(16)
المنقذ ص 58‏
(17)
المنقذ ص 59‏
(18)
المنقذ ص 60‏
(19)
المنقذ ص 61‏
(20)
المنقذ ص 61‏
(21)
المنقذ ص 61‏
(22)
المنقذ ص 61-62‏
(23)
المنقذ ص 62‏
(24)
المنقذ ص 63‏
(25)
إحياء علوم الدين، ج3، ص 18، المكتبة التجارية الكبرى بمصر.‏
(26)
المصدر المذكور ص 18‏
(27)
المصدر المذكور ص 18‏
(28)
المصدر المذكور ص 18‏
(29)
المنقذ ص 62
(30)
المنقذ ص 101‏
(31)
إحياء علوم الدين، ج3، ص 3‏
(32)
المصدر المذكور ص 4‏
(33)
تهافت الفلاسفة، ص 227، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة 1947
(34)
تهافت الفلاسفة ص 228‏
(35)
تهافت الفلاسفة ص 228-230‏
(36)
تهافت الفلاسفة ص231‏
(37)
تهافت الفلاسفة ص232‏
(38)
تهافت الفلاسفة ص 232
(39)
تهافت الفلاسفة ص 234‏
(40)
تهافت الفلاسفة ص 235‏
(41)
تهافت الفلاسفة ص 238‏
(42)
معارج القدس في مدارج معرفة النفس، ص 46، المكتبة التجارية الكبرى بمصر.‏
(43)
معارج القدس ص 47‏
(44)
المنقذ ص 107‏
(45)
المنقذ ص 106
(46)
المنقذ ص 106‏
(47)
المنقذ ص 106‏
(48)
المنقذ ص 107‏
(49)
المنقذ ص 101‏
(50)
المنقذ ص 107‏
(51)
المنقذ ص 109‏
(52)
المنقذ ص 101-102‏
(53)
ميزان العمل، ص 207، دار المعارف بمصر 1964‏
(54)
ميزان العمل ص 207‏
(55)
ميزان العمل ص 208‏
(56)
ميزان العمل ص 218‏
(57)
ميزان العمل ص 218‏
(58)
ميزان العمل ص 218-219‏
(59)
ميزان العمل ص 221-222‏
(60)
مشكاة الأنوار، ص 41، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة 1964
(61)
المشكاة ص 54‏
(62)
المشكاة ص 55‏
(63)
المشكاة ص 55‏
(64)
المشكاة ص 57-58‏
(65)
المشكاة ص 59-60‏
(66)
المنقذ ص 102‏
(67)
المنقذ ص 103‏
(68)
المنقذ ص 103‏
(69)
المنقذ ص 103‏
(70)
المنقذ ص 110-111‏
(71)
المنقذ ص 99‏
(72)
المنقذ ص 64‏
(73)
المنقذ ص 122



المصدر: مجلة التراث العربي
مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد الثالث – السنة الأولى – تشرين الأول "اكتوبر" 1980

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية